رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى ذكرى تحرير طابا..الجيش والقانون قهرا إسرائيل

منوعات

الثلاثاء, 18 مارس 2014 13:29
فى ذكرى تحرير طابا..الجيش والقانون قهرا إسرائيل
تقرير - أبوزيد كمال الدين -

تحل غدًا، الذكرى الـ 25 لتحرير طابا.. ذلك الجزء الغالى من تراب الوطن وآخر شبر من سيناء عاد إلى مصر بعد الاحتلال الإسرائيلى لأرض الفيروز عقب نكسة 67.

تظل قضية طابا هى القضية الأولى من نوعها فى منطقة الشرق الأوسط‏,‏ حيث تم تسوية نزاع حدودى بين إسرائيل ودولة عربية عن طريق المحاكمة الدولية، وتحولت معركة تحرير طابا إلى ملحمة مكملة لنصر أكتوبر‏ العظيم الذى حرر الأرض وأعاد الكرامة.
فى ذكرى تحرير طابا يجب أن يتذكر المصريون بكل فخر تضحيات القوات المسلحة وجيش مصر العظيم الذى رفض الهزيمة، وقاتل جنوده بقلبوهم وعقلوهم وضحوا بحياتهم فى سبيل الوطن وصون مقدساته، ويجب أن يتذكر المصريون أيضًا فريق الدفاع عن طابا الذى ضرب المثل فى الوطنية وأعمال العقل فى مواجهة عدو مراوغ لا يقبل ولا يعرف سوى لغة القوة‏‏.‏
نشأ النزاع على طابا، التى أطلق عليها "قضية العصر" فى أواخر عام 1981م خلال المرحلة الأخيرة من انسحاب إسرائيل من سيناء، ولكن الدولة المصرية أبت أن يغتصب ولو شبر واحد من أراضيها، وكانت قضية طابا نموذجاً لاستخدام الدولة المصرية لقواها الشاملة فى القضية، التى دامت 7 سنوات حتى عودة طابا.
وبمراجعة سريعة للأحداث نجد أن عملية  الانسحاب الإسرائيلى من سيناء مرت  بثلاث مراحل، الأولى تمثلت فى  النتيجة العملية المباشرة للحرب، وانتهت فى عام‏1975‏ بتحرير المضايق الإستراتيجية وحقول البترول الغنية على الساحل الشرقى لخليج السويس‏.
وكانت المرحلة الثانية والثالثة من الانسحاب تطبيقاً لبنود معاهدة السلام‏ التى تضمنت المرحلة الثانية انسحابًا كاملًا من خط العريش‏ - رأس محمد؛‏ والتى انتهت فى يناير‏1980 وتم خلالها تحرير‏32 ألف‏ كم2، وخلال المرحلة الثالثة انسحبت إسرائيل إلى خط الحدود الدولية الشرقية لمصر وتم تحرير سيناء فيما عدا الشبر الأخير ممثلًا فى مشكلة طابا التى أوجدتها إسرائيل.
وفقاً لنص معاهدة السلام فقد نصت المادة الثانية منها‏ "‏على أن الحدود الدائمة بين مصر وإسرائيل هى الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب‏".‏
كما نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على أن‏ "‏تسحب إسرائيل كافة قواتها المسلحة والمدنيين من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب‏".‏
ومع أن منطقة طابا لا تتجاوز كيلو متر مربع، حيث تمثل مثلثًا قاعدته فى الشرق على خليج العقبة بطول‏800‏ متر‏,‏ وضلع شمالى بطول ألف متر‏,‏ وآخر جنوبى بطول‏1090‏ مترًا،‏ ويتلاقى الضلعان عند النقطة؛ التى تحمل علامة ‏91 وتبعد عن مدينة شرم الشيخ حوالى 240 كم جنوبًا، إلا

أن أهمية طابا الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل كبيرة للغاية، فطابا تقع على بعد‏7‏ كيلومترات من الميناء الإسرائيلى إيلات  شرقا‏ً مما يجعلها الباب على سيناء حيث تعتبر إيلات  أضيق جبهة إسرائيلية فى المنطقة‏,‏ تطل على العقبة‏‏ فتمتد 5 أميال محصورة بين ميناء العقبة الأردنى ووادى طابا‏,‏ ولكن إذا ضمت إسرائيل طابا إليها فستنجح فى توسيع إيلات التى تعتبر المنفذ البحرى الوحيد لها على البحر الأحمر‏,‏ مما يؤهلها للإشراف على طريق البحر الأحمر من سيناء الى باب المندب‏.‏ كما تعد المنطقة المدخل الأساسى لشرم الشيخ وبالتالى مضيق تيران.‏
يضاف إلى ذلك أن منطقة طابا ستكون لإسرائيل نقطة تحكم تقوم من خلالها على الاطلاع على ما يجرى فى المنطقة كلها‏..فضلًا عن أنها ستكون وسيلة ضغط مستمرة على مصر تقوم من خلالها بعزل سيناء شمالها عن جنوبها.

كما تقع طابا فى مواجهة الحدود السعودية فى اتجاه مباشر لقاعدة تبوك‏، لذلك فمن يسيطر على طابا يسيطر على رأس خليج العقبة فيستطيع رصد ما يجرى فى كل من خليج السويس وشرم الشيخ ونويبع‏، ولهذه الأسباب حاول العدو الإسرائيلى تحريك بعض هذه العلامات داخل الأرض المصرية للاستيلاء على طابا.
وأدركت مصر منذ اللحظات الأولى للخلاف أن إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بذلك الشريط الحدودى الصغير الذى يمتد‏1200‏ متر‏‏,‏ لم يكن بهدف الاستيلاء على أرض فقط‏، وعرضت مصر موقفها بوضوح وهو أنه لا تنازل ولا تفريط عن أرض طابا، وأى خلاف بين الحدود يجب أن يحل وفقًا للمادة السابعة من معاهدة السلام التى تنص على أن تحل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة عن طريق المفاوضات، وإذا لم يتيسر حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضات تحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم.
واستعدت مصر للجوء إلى التحكيم، فى حين أصرت إسرائيل أن يتم حل الخلاف بالتوافق للوصول إلى حل يرضى الطرفين وتحقق مكتسبات فى أرض طابا.
ونحو هذا الهدف قامت إسرائيل بإنشاء فندق هيلتون طابا لترسيخ مبدأ الأمر الواقع ولا يكون أمام مصر إلا قبول استمرار ملكية إسرائيل للفندق أو التسليم بحق الإسرائيليين فى الانتقال إلى منطقة طابا دون جوازات سفر كما طلبت بعد

ذلك، إلا أن الإصرار المصرى أجبر إسرائيل على القبول بمبدأ التحكيم وأعلنت فى 13 / 1 / 1986 موافقتها على قبول التحكيم، وبدأت المباحثات بين الجانبين وانتهت إلى التوصل إلى" مشارطة تحكيم"  فى  11 سبتمبر 1986 وهى تحدد شروط التحكيم، ومهمة المحكمة فى تحديد مواقع النقاط وعلامات الحدود محل الخلاف.
وبدأت المعركة الدبلوماسية والقانونية المصرية الخالدة وتمسكت مصر بأن تحصر مهمة هيئة التحكيم فى سؤال واحد محدد مفاده  أين الموقع الحقيقى لعلامات الحدود المتنازع عليها وعددها 14 علامة وأهمها العلامة 91؟  وهل قامت إسرائيل بتحريك هذه العلامات للتلاعب فى حقائق الأرض أم لا؟ لأن إسرائيل حاولت أن تجعل مهمة هيئة التحكيم بحث الحدود بين مصر وفلسطين تحت الانتداب وهذه مسألة يطول بحثها‏.
وضم فريق الدفاع المصرى 24 خبيرًا بينهم ‏9‏ من أقطاب الفكر القانونى وكان بينهم الدكتور وحيد رأفت نائب رئيس حزب الوفد رحمه الله ومفيد شهاب‏,‏ إضافة إلى ‏2‏ من علماء الجغرافيا والتاريخ‏ منهم يونان لبيب,‏ و‏5‏ من أكبر الدبلوماسيين بوزارة الخارجية بينهم نبيل العربى الذى كان يشغل رئيس الإدارة القانونية بوزارة الخارجية‏,‏ و‏8‏ من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية على رأسهم اللواء عبدالفتاح محسن مدير المساحة العسكرية.‏‏
وشكلت هيئة التحكيم من أكبر رجال القانون العالميين ‏وضمت‏ القاضى جانر لاجروجرين السويدي‏,‏ والقاضى بيير بيليه الفرنسي‏,‏ والبروفيسور ديتريش شندلر السويسرى.

وقدمت هيئة الدفاع المصرية آلاف الوثائق والمذكرات والأسانيد الجغرافية والتاريخية والقانونية ، حيث قدم الفريق المصرى‏"‏ أسانيد‏ ووثائق " تؤكد حق مصر التاريخى فى منطقة طابا‏,‏ تمتد من عام‏1274‏ وحتى التقرير الشامل الذى قدمه الكابتن أوين عن عملية رسم خط الحدود عام‏1906,‏ وتم بمقتضاها توقيع اتفاقية‏"‏ بين مندوبى الدولة العليا ومندوبى الخديوية الجليلة المصرية بشأن تعيين خط فاصل ادارى بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طور سيناء‏",‏ كما قدم الجانب المصرى مجموعة من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامى البريطانى الى الخارجية المصرية‏,‏ والمخابرات المصرية عام‏1914‏ وتقارير مصلحة الحدود فى عام‏1931‏ ،وزارت هيئة التحكيم بعض المواقع على الطبيعة فى سيناء .
أما إسرائيل فقدمت لهيئة المحكمه "‏ أفكارا‏"‏ استندت فيها إلى كتاب الإحصاء السنوى لمصر عن عام‏1906‏ ومقتطفات من كتاب نعوم شقير باسم‏ "‏ تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها‏" إضافة إلى وثائق من المخابرات البريطانية عن فلسطين وشرق الأردن تعود  لعام‏1943‏ ومحاضر من اجتماعات وزارة المستعمرات فى عام‏1945.‏
وفى 29 سبتمبر 1988 أصدرت هيئة التحكيم التى انعقدت فى جنيف بالإجماع حكمها لصالح مصر وأعلنت  أن طابا مصرية، وبعد صدور الحكم اختلقت إسرائيل أزمة جديدة فى التنفيذ وأعلنت أن مصر حصلت على حكم لمصلحتها ولكن التنفيذ لن يتم إلا برضا إسرائيل وبناء على شروطها ولكن الدولة المصرية بشعبها وجيشها رفضت كل العروض والمناورات الإسرائيلية وكان آخرها طلب إعطاء إسرائيل مركزا متميزا فى طابا.
وفى 19 مارس 1989 استعادت مصر منطقة طابا وعادت إلى سيادتها ، ووجهت القوات المسلحة التحية إلى الشعب، وإلى اهالى محافظة جنوب سيناء ليصبح يوم رفع العلم المصرى على طابا  وتخليصها من يد الاحتلال الإسرائيلى الذى استمر 22 عاماً هو العيد القومى للمحافظة.