رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكايات من الحارة.. بين الزار وغية الحمام

منوعات

السبت, 25 أغسطس 2018 17:12
حكايات من الحارة.. بين الزار وغية الحمامغية الحمام

كتبت – رغدة خالد – تصوير: محمد حفناوي

تعكس قضبانه الفضية أشعة شمس الظهيرة، فتتلألأ على مدى البصر، يتهادى كأفعى فيروزية عملاقة تسعى صوب جحرها في مصب شارع المبتديان، قبل أن يتوارى قطار الأنفاق عن الأنظار، فاصلًا بين أطلال قصور المنيرة العتيقة بحدائقها المعروشة بشجيرات "الياسمين" وبقايا حاراتها الرغيدة، ودهاليز حي السيدة زينب وعطف تل العقارب والسد البراني.

تحمل خيوط شمس النهار قبلة الحياة للحارات والعطف الغارقة في سباتها ترتجف الأزقة بالحركة فيتناغم النشاط على إيقاع حنجرة الست "أم كلثوم" الشجية تشدو "ياصباح الخير" فتفيق "الحارة" من سباتها على ذكريات شوارع المبتديان والوفدية، شاهدة على دماء المصريين التي غطت شوارعها في مثل هذه الأيام قبل قرن من الزمان، متاريس المحتل الإنجليزي التي فجرت الحناجر بالهتافات ورج هدير هتافاتهم جدران الحارة خلف زعيم ثورة الأمة "سعد زغلول"، يتبارى ساكنو الحارة في سرد قصص الحارة وأسرار تقلباتها؛ حكايات من الماضي يرويها أهالي حارات السيدة:

غية الحمام.. ميراث الحب بين عم علي وزوجته:                              

بين دهاليز حي زينهم وحارات أرض يعقوب حيث لا سطوة تعلو على رائحة العرق ودوي كركرة الشيشة بين الشوادر التي تدلى عنها الذبائح بشتى الأحجام، فتعبق الأجواء برائحتها النفاذة ومشهد رؤوسها المنحورة، وأكوام الروث التي تمتد على جوانب الطريق، يتوارى هو بين طوابير الشحاذين المتكالبين على الرحمة في مثل هذا الوقت من كل عام قبل أن تبتلعه ناصية إحدى عطف درب "الغزلان".

في مفترق يشهد تدفق تيارات الخلق ومواكب البه‍ائم، تلوح خيالات المدينة المنكوبة "تل العقارب" في الأفق بينما تزور أشباحها ساكني الحي ليلًا تعيد لهم ذكريات عصور الأوحال البائدة بين تجار ومروجي المخدرات ومتعاطيها، يقطن "حسن" الشهير بـ "عم علي" عقار تكسوه الصدوع يقوم على 3 طوابق، يتخذ سطحه مأوى مع هبوط ستار الليل الأخير.

يدلف بقامته المديدة التي أحنتها الهموم من بوابة مسكنه الخلفيه، فيعكس مصباح الحوش الغازي بضوئه المتراقص وجه تشربته سمرة داكنة وغزته التجاعيد فلم يبق موطئ لتخط المزيد منها على وجنته، تتشبث خيالات أنفة وعزة نفس بقسماته التي انسحبت عنها وسامة الشباب، يرتقي الدرج المجعد إلى حيث تقبع غرفته البالية، التي كانت يومًا عشًا صغيرًا يتسع لشخصين، هو ووليفته قبل أن يسرقها المرض من بين يديه على حين غفلة ليتركه صريعة الوحشة وحيرة إعالة ابنتين في عمر الزهور، وابن لا يعرف له عنوان.

تجاور غرفته البالية بقايا "غية الحمام" القديمة، ملجأ زوجته الراحلة في ساعات الشجار، التي أضحت خاوية على عروشها، اليوم، تسكنها أطلال الأوعية الفخارية، وأعواد القش والأعلام المهترئة، التي تردد صدى هديل أسراب الحمام البلدي والبلق في ساعات الغسق بعد عودته من "النش" إلى حضن العشش، التي غدا مهددًا بفراقها تحت تهديدات ورثة مالك المنزل.

تركة من الريش والحبوب جارت عليها الأيام كعظامه التي نخرها الروماتيزم، ليضطر لهدمها بإيعاز من مالكي المنزل مع تفشى وباء أنفلونزا الطيور الذي ألحق بأسرته وبالًا جديدًا وأغلق في وجهه بابًا للرزق كان يدر على النزر اليسير، قبل أن يضطره المرض للتنقل بين شتى الحرف التي عرفها الحي وما يجاوره، قبل أن يجد مستقره في عمل بسيط لم تفلح الأيام في محو إحساس الخزي الذي يكتنفه، مع كل نظرة شفقة يمررها له أحدهم بينما يمرق عابرًا الحي.

يجابه الأيام مستندًا على معاش الحكومة الذي أرهق كاهله بالذل في كل مرة يضطر فيها لسماع تكدير الموظفين وتنغيصهم صاغرًا وهم يمرروا كلماتهم الجارحة على مسامعه فتنزل بقلبه منزل الخناجر، أمانيه الأخيرة أن تهديه الحياة قبلتها قبل أن يضع رحاله ببهجة زف زهرتيه سافرتا الوجه إلى زوجين صالحين، وتطيب ذكرى زوجته بإعادة بناء غيتها ومراده.

الكنبة البلدي.. مخبأ أسرار الحارة وميراث العمر:

 

مستودع ممتلكاتها الثمينة، ومخبأ مصوغاتها الذهبية وإرث مشغولاتها النفيسة، تناهز في أمانها أعتد المصارف المحصنة، بتدابيرها الأمنية ذات الزغب؛ من القطن وأقمشة الكتان التي تحرس حواياها بعيون لا تغفل، تعرف يديها الهزيلة، التي تخط عليها التجاعيد لوحة السنين، مسارها المحفوظ عن ظهر قلب لـ "بياضات" كنبتها البلدي الأثيرة تنزع عنها موانعها الحصينة من الوسائد والشراشف حتى تصل إلى قلبها.

"الكنبة البلدي" حاوية من الخشب ترتكز على أربع، لبها خالٍ من معدنها تكتنز فيه الحاجة "بخيتى"

إرث والدتها الذي نبشته صنوف الحشرات واستوطنته أدقها، تفك قيد قفله الغليظ بمفتاح ذابت ملامحه من الرطوبة وبدأ زحف الصدأ يدب في أوصاله، تدس يدها في الحقيبة القطنية المهترئة التي تقبع وسط الغطاء الضمور الملفوف آخر ما بقى من "جهاز" عرسها الذي مرت عليه عشرات الفصول، مكمن ما فاض عن إرثها، الذي أودعته يدي زوجها عند أول زوبعة كادت تطيح بنيان منزلهما المتين بزعابيب أزمة مالية طالته قبل عشرات السنين.

تخرج من الحقيبة القماشية، شتى فئات النقود التي أحكمت طيها درءًا لعواصف القدر، تخرج لفافة كاملة من النقود أحكم رباط قديم وثاقها لتضعها بمأمن داخل صدرها قبل أن تعيد أكوام الأوشحة والأغطية الكستور بداخل الكنبة سيرتها الأولى، وتنهض لتودع اللفافة كاملة بين وحيدها العشريني ليسد فغر دين يطارده، بعد أن تركته الأيام أسيرًا له ليمكن من دفع تكاليف سفره للخليج بحثًا عن باب رزق يفتح لأحلامه على مصرعيه.

أسرار وخبايا كنبة "بخيته" التي ظلت صندوق أسرارها الأمين حتى غابت شمسها، وحيدة بمنزلها الكائن بشارع قصر العيني المحابي لمسار قطار الأنفاق، في إحدى ليالي شهر فبراير قبل أكثر من عقد من الزمان، ذكريات سطرت قلب ولدها الشيخ محمد تنساب منه الكلمات مجرى الأشجان والدموع لتضع نقطة النهاية في متاع والدته العتيق الذي استحال إلى ركنة أنيقة بددت أنامل زوجته ملامحها وإن ظلت مكمن أغراضها من أواني الطهي النحاسية الثقيلة، ثروتهم التي لا يناهزها قيمة بعد انتقالهما على الجانب الموازي من خط مترو الأنفاق.

"حج مبرور وذنب مغفور".. كلمات ترصع بيوت أجداد أهل الحارة:

على أصوات الزغاريد وصيحات التهليل تسترجع الحاجة "أم وليد" ذكرياتها مع رحلة حطت بها إلى أطهر بقاع الأرض لتخوض شعائر الفريضة المباركة، قبل ما يزيد على عشر السنوات، ودموع الفرحة الرقراقة التي انهمرت لتغرق وجنتيها فور أن زف الأهل والأحباب لها خبر فوزها بالقرعة، على مدى أسبوعين استقبل منزلها عشرات الجيران؛ تهافتوا لتوديعها محملين بالأدعية والأماني راجين أن تأتي الحاجة على ذكراهم في حضرة البيت العتيق، قبل أن تنطلق في رحلة تنقية ثوب الروح من الآثام من منزلها الكائن بحارة السروجي، والذي تحمل جدرانه اليوم أطلال تهاني أداء مناسك الحج.

رغم مرور عشرات السنين لا تزال بصمات عم "مصطفى القاضي"، الخطاط، عصية أمام تقلبات الأيام تزين جدران فناء مسكن الحاجة أم وليد، بعبارات التهاني ورسومات الطيور المحملة بأغصان الزيتون، تصطف بجانب رسمة طائرة عملاقة، كتلك التي حملتها إلى الكعبة، رموز ترسخت في وجدان أهل الحارة خلدت ذكرى تقليد قديم امتزج بالتراث المصري وظل شاهدًا على جو الألفة، والود الذي ساد العطف والأذقة بالأحياء قبل دهر من الزمن.

يجلس عم مصطفى خلف منضدته العتيقة منكبًا على أفرخ الورق وأقلام البوص بشتى أنواعها مسترسلًا في وضع لمساته الأخيرة على لوحة جديدة تحمل أسماء الله الحسنى، في دكانه المتداعي بشارع المبتديان، مستعيدًا ذكريات حرفة طوتها سجلات الأيام حينما كان يضفي سحر أصابعه الكامن إلي الخطوط فتغدو حروفًا تطل بهاء وتنطق جمالًا على جدران المساكن، يقضي سني كهولته اليوم في رسم لوحات ديكورية بخطوط الرقعة والثلث المنمق تعكس حنكة أصقلته إياها الأيام ومضي السنين.

يرفع عينيه التي تتوارى وراء نظارته ذات الإطار الفضي تستند لأنفه المعقوفة لينظر إلى أرضية الدكان وجدرانه التي تتكدس عليه لوحات بشتى الخطوط العربية، تقبع في نفس المكان الذي كانت تشغله صفائح الطلاء ذات يوم قبل سنوات عديدة من اندثار حرفة الرسم على جدران البيوت وكتابة تهاني المناسبات على حجارة البيوت و"أتواب" القماش، بعد أن وشت برامج الرسم الالكترونية وأفرخ الـ "فينيل" بأسرار موهبة ظلت تتناقلها أجيال لقرون طويلة.

تعود الحاجة "أم وليد" لتتشبث بطرف شريط ذكرياتها، تروي حكايات استقبالها البهيج لدى عودتها سالمة من أداء الحج، عشرات الأحضان الدافئة التي ارتمت بين ذراعيها من وافدات الجيرة والعائلة لبذل فروض التهنئة والتهليل، والتي استيقظت منها متأخرة في صباح اليوم التالي لتلاحظ الأحرف المتمايلة بحسن على جدران فناء منزلها تحمل كلمات مقتضبة "حج مبرور وذنب مغفور".

 

الحارة.. مستودع الود والألفة رغم البؤس والضنك:

 

تتلاقاه التحيات وإيماءات الترحيب عن اليمين وعن الشمال من أصحاب الدكاكين المتناثرة على امتداد شارع الطيبي الموازي لخط الأنفاق المتعرج، يمرق متثاقل الخطى في مساره الإلزامي صوب ميدان أم العجائز مارًا بسراب عشش تل العقارب البائدة، يزيل عن عينيه الملونتين بزرقة سماء صبيحة أحد أيام أغسطس المشرقة، آخر ما كساهما من غشاء النعاس.

يخطو عم "علي"، العجوز الستيني، متوكزًا على عصاه التي نخرتها الرطوبة، كفتوة من قصص الخرافات الشعبية، أحنى الزمان قامته، تتلاحق أنفاسه مرددًا أوراده، لتسابق خطاه مغادرًا حارة "القمص" التي شهدت صباه وعنفوان شبابه الذي أخذ تسرب خلسة عبر الليالي منذ عقدين مضت، يرفع بصره عن يساره متطلعًا لقبة مسجد الطيبي، داعيًا أن يسبغ عليه مولاه من سعته.

يتردد صدى المشاحنات والمناوشات التي خاضها مع جيرانه ليلة أمس بين حنايا صدره، تلك الألفاظ النابية التي وقعت في حدة الرماح على مسامعه المغضنة، واستباحت حرمة كهولته فبددت آخر ما اعتمر بدواخله من أنفة وإباء، معارك أوقعه ضيق اليد في براثنها فلم تسلم لياليه التي زودت ثقل الحمل الملقى على كاهليه؛ شقيقته بسيطة العقل رقيقة الحال متاعه الوحيد الذي آتمنته عليها الأقدار فأصبح هو لسان حالها، يصلها بالعالم ويقطع خواء الصمت الذي ضاق بفاهها منذ ساعة ولادتها، يلضم الأسى أسراره على ثغرها فتتحطم الأحرف عليه لتنساب تأوهات مبهمة.

على رأس شارع السد، المفضي لمقام "السيدة"، يقبع ملاذه الآمن، قهوة "رشاد"، مهواه ومقصده لطلب الرزق، يجلس منكأ الرأس بالساعات لا ينتشله من الغرق بهواجسه سوى صوت القهوجي الشاب يبدد سحب غمام فكره مرتلًا بشائر الفرج من الكتاب الكريم، يتحلق الإحساس بالعوز عنقه حتى إذ ما أوشك أن يحكم قبضته حولها، يهبط عليه أحدهم طالبًا "أرزقي" لتشطيب محل سكنه الجديد أو تبديل خريطة أركانها، وافدًا يقوده صيت مهارة "عم علي" الذائعة وأمانته المشهودة، حرفة تدر عليه اليسير تغنيه عن بسط اليد لتكبد فواتير الحياة الباهظة.

أكسبته الحوائج حنكة كشط زوائد البياض وأصقلت راحته بمهارة مزج الطلاء ومده على الجدران، طوق نجاة انتشلته من الفقر المدقع بعد أن اضطر غير عاد أن يودع عمله المحظى عنده، رفيق سني شباب، عندما كان يقف مرابضًا بالمذبح بين روائح الذبائح النفاذة وأكوام القمامة التي تصفعه عن كل جانب، مزينًا؛ حلاق زبائنه من نوع خاص، لا تهوى المجادلة وتنصاع لأصابعه صاغرة، متخذًا من أحد الشوادر مكمنًا لتمشيط وبر الماشية المشعث، بعد أن يمرر مقصه باحترافية عليها، تهيئها لتحظى برضا الشراة، قبل أن يزحف وبال العمران على شوادر المذبح القديم مشردًا المئات، وقاطعًا السبل أمام أرزاقهم.

تنتزعه ربتة حانية من يد شقيقته تعيده إلى عالم الوعي، بينما يتعالى صرير مقاعد القهوة وطاولاتها تطوى مع أذون الرحيل بسدول بوابتها، ليهم بحمل يدها بين كفه عائدين إلى مأواهما البسيط، ينسلان صاعدين درجه المنبعج الذي نخرته كثرة الخطى إلى حيث تقبع حجرتهما وحيدة على سطحه، تؤنسها فقط غية الحمام، تتجه شقيقته لمد أطرافها على السرير التماسًا للراحة من عناء يوم آخر طويل ظلت خلاله جالسة تنادي المارة بأعينها الفيروزية لشراء مناديل الجيب من الراكضة بحجرها، بينما يتركها عم "علي" ليستلقي هو على الكنبة البلدي بجوف يئز من الجوع.

 

الزار.. ذكريات تنساب في وجدان أهل الحارة:

يضج البيت بالنساء، ويعبق المكان بروائح البخور التي تتراكم طبقاتها لتخفي وجوه الزوار، خليط من البشر تقودهن حفنة من النساء اللواتي طل الليل بلونه الفاحم من وجوههن، يتمايلن على وقع قرع الطبول وارتعاش الدفوف، التي تتناغم مع هزيج الأبواق، وهزات حزام المنجور، مرددات كلمات من لغة غامضة تعج بالأسرار تنساب بين أفواههن كجري الماء.

"ياورا"، و"ركوشا"، و"أمي"، هذا ما استطاعت أذني "سعاد"، الطفلة التي لم تبلغ الحلم آنذاك أن تلتقطه خلال إحدى دقات الزار المهيبة التي شهدها منزل والدها العتيق بالقلعة، بعد أن تحول إلى مرقص للعفاريت مع حلول خميس كل أسبوع عقب وفاة أباها الشيخ الكبير، مشهد وثقته ذاكرة السيدة "سعاد"، من منزلها الكائن بشارع "السلسلة" في السيدة زينب، لم تستطع سنو الكهولة أن تسطو عليه.

 تموج القاعة بالأناشيد الشيطانية الصاخبة، وتعلو التأوهات الأفق قبل أن يتبدد المشهد عن محيط من الأجساد المتلاطمة التي تتلاقى بعنف وتتخبط فتبث رعشات تزلزل أوصال المنزل، تتزامن مع دوي وقع أقدامهن الثقيلة، تتوسطهن سيدة تكسو ملابسها أنهار جارية من الدماء، تخرج عن مصب يقبع أعلى رأسها، بينما تغوص قدماها في وعاء يمزج فيه الماء بروح الورد، ويستقر البن الأخضر في قاعه.

 تتوج صاحبة الحلقة بإكليل ضخم تتدلى عنه عناقيد الخرز، يطل من ورائه وجه ذابل وعينان ذائغتان تعج بالخبايا، تختلج مع صدى صفير حاد تقوده "الكدية"؛ عجوز تتلوى بعنف، تلجم القطيع الهائج بغمغمات مبهمة تخرج بين أنفاسها المتلاحقة، لتعلن ختام الحلقة بسيمفونية من الزغاريد المجلجلة، مع نزع أثر آخر ما يتلبسها من أرباب جوف الأرض الخفي.