رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الناصية

أسمع كلامك أصدقك!

منتصر جابر

الجمعة, 14 مارس 2014 22:09
بقلم: منتصر جابر

الحالة السياسية في مصر مثل حالة الغناء.. توجد مسابقات بين مغنيين وإعلانات وفضائيات تكسب ملايين الجنيهات بينما في الواقع لا يوجد غناء ولا أحد يغني.. كذلك في السياسة انتخابات وقوانين انتخابية وكلام عن حقوق الناخبين والمرشحين وبرلمانات ولا توجد سياسة ولا ممارسة ديمقراطية!

ونجوم السياسة كما نجوم الغناء.. أصبحوا يتكلمون عن السياسة أكثر من ممارستها، وينظرون حول السياسة في سماء المكاتب المكيفة واستوديوهات الفضائيات الباردة ولا يطبقونها علي الأرض.. تماماً مثل المغنيين الذين يشتغلون في تحكيم المسابقات الغنائية لصناعة مطربين جدد، بينما هم أنفسهم توقفوا عن الغناء منذ سنوات وسوق الغناء مغلق، حيث لا حفلات ولا مغني ولا جمهور!
وهي مشكلة تعكس بوضوح الهوة الساحقة بين النظرية والتطبيق.. في العلم والسياسة والغناء، وكذلك في كل حياتنا اليومية، فمنهجنا الوحيد الذي نطبقه بكل اقتدار هو أن نقول ولا نفعل، ونتكلم عن العمل ولا نعمل، وأن حديثنا عن أجمل الأفكار يخفي خلفه أقبح السلوكيات، وأننا أحسن ناس نبحث في العلم ونحن غرقي في الجهل، وفي إعادة إنتاج الكلام عن المصانع،

بينما المصانع نفسها توقفت عن الإنتاج، ونتكلم عن الغناء ولا نغني، ونتحدث عن الديمقراطية وكل سلوكياتنا ديكتاتورية، فمبارك ظل 30 سنة يتحدث عن حماية محدودي الدخل بينما كل سياساته للأغنياء، ويتحدث عن الديمقراطية والحريات وكل ممارساته مستبدة ومقيدة، ولما جاء الإخوان للحكم بالديمقراطية أول شيء فعلوه كسروا سلالم الديمقراطية التي صعدوا بها إلي السلطة وأخذوا معهم قيادات الجماعة فقط وألقوا بكل القوي السياسية الأخري إلي الأسفل!
ولابد أن نعترف أن كل ما أنتجته الجامعات المصرية، من رسائل للماجستير والدكتوراة، وأعداد لا تحصي من الأبحاث العلمية تكفي لتقدم عشرات الدول، وفي كل المجالات، إلا أن كلها تضيع في الهوة الساحقة التي بين النظرية والتطبيق، وأذكر منذ سنوات، وفي بداية حياتي الصحفية، ذهبت للقاء أحد علمائنا الكبار في مجال البحار وذلك في معهد أو مركز علوم البحار والمصايد، فتصورت لأول وهلة أننا سنلتقي في موقع علي النيل
علي الأقل، ولكنني فوجئت بأنه داخل مبني أسمنتي ضخم في شارع قصر العيني، وعالمنا الجليل يقبع خلف مكتب قديم في غرفة ضيقة لا هواء ولا ماء فيها، ولم أستطع الوصول إليها إلا بعد اجتياز عشرات الدواليب الإيديال المليئة بأطنان الأوراق، يومها عرفت لماذا نحن نعاني من عدم وفرة الأسماك في الأسواق ونضطر إلي استيراده.. رغم أننا نطل علي البحرين المتوسط والأحمر ولدينا النيل!
الحقيقة المؤلمة أن المسافة بين الصدق والكذب في حياتنا تكاد لا تذكر، فقد حدث اختلاط بين الصح والخطأ، وبين المعرفة والجهل، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والمعرفة، كل حياتنا أصبحت شفهية ولا مكان للتحريري فيها، كلام في كلام عن العلم والتطور، والعمل والإنتاج وعن الحرية والديمقراطية، في حين لا توجد مراكز للبحوث تصلح للعلم ولا مصانع تصلح للعمل ولا مؤسسات تصلح للحكم.. حتي الدين نمارسه شكلياً وصورياً ولا نترجمه إلا في اللحي والجلاليب والطواقي والحجاب والنقاب.. وفي مليارات الجنيهات التي ننفقها علي الحج والعمرة، وعلي آلاف المساجد الكبيرة والصغيرة والقديمة والحديثة والزوايا والمصليات، بينما في الواقع نحوله إلي غش وخداع وتطرف وإرهاب ووسيلة للسيطرة علي الآخرين والاستيلاء علي الحكم وبالاستعلاء علي الخلق بالإيمان الشكلي!
لابد من التخلي عن ثقافة التباهي والتفاخر.. فلا حلول حقيقية لكل مشاكلنا سوي بالتخلص من المظهرية في الدين والسياسة والعمل.. وأيضاً في الغناء!


[email protected]