رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إعادة اكتشاف مصر عن طريق الهند

ملفات محلية

الخميس, 22 سبتمبر 2011 16:08
إعادة اكتشاف مصر عن طريق الهند
حنان فهمي

 سافرت الي الهند والحديث في مصر لا ينقطع عن الانتخابات وفساد المحليات والرشوة وزواج رأس المال بالسلطة.. سافرت وتركت الشباب في مصر يشتعل غضبا من

السياسيين ومشكلة البطالة تطاردهم وبطء التغيير يستفز مشاعرهم.. سافرت الي الهند وانا في خيالي اطياف حلم الطفولة بالاشتراك في مسابقة شنكار العالمية للرسم التي كنا نتابعها في مجلة ميكي وحلم الفوز برحلة الي بلاد تركب الافيال.. وعندما وصلت الي الهند اكتشفت ان هناك الكثير من الحقائق المشتركة والكثير من الأوهام بسبب الصورة الذهنية المترسخة في عقولنا المصرية بالحلم المشترك بين الشعبين في تحقيق التنمية والتقدم بعد التخلص من الاستعمار الإنجليزي والعلاقة التاريخية بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والزعيم الهندي الكبير نهرو وتأسيس حركة عدم الانحياز حتي يتمتع البلدان باستقلالية القرار.. سافرت لأكتشف الهند وعدت وانا اعيد اكتشاف مصر من جديد ..
<< كان السؤال الذي يطاردني وانا اجهز حقائبي للسفر ماذا سأفعل في الهند؟؟ وكانت الإجابة التلقائية هي سأركب فيلا وأتعرف علي التجربة الهندية المتميزة في الديموقراطية وأحاول تحديد اسباب الطفرة الاقتصادية والاجتماعية الهندية علنا نجد في هذه الأشياء ما يفيد تجربتنا المصرية بعد الثورة.. وبعد رحلة طيران طويلة وصلت نيودلهي ولم اشعر بأي غربة منذ اللحظة الأولي فملامح الوجوه كثير منها قريب الشبه بالملامح المصرية.. ولاننا كنا في ساعه الصباح الأولي والفجر يشرق علي المدينة كنت أحاول ان احفظ في ذاكرتي كل ما يمكن ان تقع عليه عيناي..

الإغراق في المحلية
<< ولانني اؤمن ان اهم طريقة لاكتشاف المناطق الجديدة هو معرفة وسائل المواصلات العامة كان أول ما لفت انتباهي هو انتشار التوك توك في شوارع العاصمة الهندية التي كانت لاتزال هادئة وشبه نائمة..واكتشفت خلال جولاتي في مدن أجرا واورانج أباد وبوني ومومباي ان التوك توك من اهم وسائل المواصلات العامة وهو مرخص ويوجد به عداد للاجرة والاهم ان شكله اكثر بهاء واشراقا وألوانه اكثر بهجة من الموجود في مصر..وعرفت ان اهم شركة منتجة للتوك توك في العالم هي شركة باجاج الهندية وهي نفس الشركة المنتجة للتوك توك المنتشر في مصر والعديد من الدول الإفريقية والآسيوية.. وكان لا مفر من مقارنة سريعة بين حالنا وحال الهند في هذا المجال لانه مؤشر كاشف لكيفية تعامل السلطات في البلدين مع قضية ما تبدو للوهلة الأولي قضية هامشية.. ففي مصر التوك توك ممنوع والشرطة تطارده والسلطات المحلية تمنعه وترفض ترخيصه ويا ويل صاحب أو سائق التوك توك لو تم ضبطه.. وفي الهند هذه المركبة من اهم وسائل الانتقال وهو كما سبق وقلت مرخصا وبه عداد للأجرة ويعمل في مختلف انحاء المدن والريف ويسابق سيارات التاكسي والموتوسيكلات..ووجدتني اقول لروحي الهند بلاد لا تركب الأفيال وإنما تركب التوك توك...وهذه المركبة فعلا دليل علي

ان الإغراق في المحلية هو اقصر طريق للعالمية.. فالتوك توك هو التطور الطبيعي للركشا الهندية المعروفة التي كان يجرها الإنسان لنقل الاشخاص من مكان الي آخر مقابل أجرة غير محددة تتحدد حسب إمكانيات السائق والراكب في الفصال. ولأن الشوارع الهندية قريبة الشبه من الشوارع المصرية سواء من حيث ضيق معظمها أو سوء حالة الرصف او الزحام الفظيع او حتي انتشار الباعة الجائلين والحلاقين في نهر الطريق اصبح التوك توك وسيلة انتقال مثالية توفر لمعظم الهنود طريقة مريحة ورخيصة وسهلة لقضاء مشاويرهم او للوصول والعودة من اعمالهم.. وعلي عكس مصر تم تقنين أوضاع هذه المركبة في الهند التي اصبحت مصدر رزق للملايين ووفرت فرص عمل شريف لملايين الشباب العاطل الذي لاتساعده امكانياته او مواهبه المحدودة في الحصول علي فرصة عمل شريف تكفيه ذل الحاجة والسؤال..
فن العكننة علي البشر


وكانت اغرب مفارقة في هذه القضية هو الخبر الذي وجدته يتصدر الاخبار في القاهرة يوم عودتي من السفر والخاص بقرار محافظ القاهرة بحظر سير التوك توك نهائياً في شوارع القاهرة وتكليف شرطة المرافق بضبط المخالفين!!! ووجدت سؤالا منطقيا يلهب عقلي لماذا هذا التعسف من السلطات المصرية مع عشرات الآلاف من المصريين الذين اصبحت حياتهم تعتمد علي التوك توك سواء ملاكه أو سائقيه أو حتي ركابه من البسطاء الذين يستخدمونه في الانتقال في الاحياء الفقيرة والعشوائية؟؟؟ ألم يكن من الاجدي تعديل قانون المرور للسماح بترخيص التوك توك وتركيب عدادات اجرة به حتي نمنع الشكاوي من استخدامه احيانا في ممارسات منافية للقانون أو وضع حد لاستغلال بعض سائقيه بدلا من الحكم علي آلاف الأسر بالإعدام فقرا وإحالة الشباب الذي يعمل عليه كسائقين الي طابور البطالة من جديد؟؟ ألم يكن من الاسهل منح هذه المركبة تراخيص من السلطات المحلية حتي يتم تعديل قانون المرور بدلا من حرمان مستخدميه من وسيلة انتقال ادمية واجبارهم علي الخضوع لاستغلال وجشع سائقي الميكروباص أو تحمل مشاق السير لمسافات لا تصل اليها أتوبيسات النقل العام والنقل الجماعي بسبب ضيق الشوارع مثلا؟
وظل السؤال يطاردني عن اسباب تفنن المسئولين المصريين في العكننة علي المواطنين بدون داع مع ان القضية بسيطة وحلها سهل؟؟ وأصبح التوك توك علامة فارقة في مسيرة إعادة اكتشاف الهند ومصر بالنسبة لي..

لو كان الفقر رجلا..
<< ومن التوك توك ومشكلاته الي السكك الحديد الهندية .. فقد انطلقت مباشرة بصحبة المجموعة من

المطار الدولي الي احد اهم 3 محطات سكك حديد في العاصمة الهندية حتي نلحق بموعد القطار المتجه الي مدينة اجرا مهد درة آثار الهند واحد أبرز المعالم السياحية الدولية تاج محل ثاني اشهر مقبرة في العالم بعد الاهرامات.. ومحطة القطار في اي منطقة في العالم هي روح المنطقة وهي دليل علي احوال الناس.. وفي محطة القطار اتضح الكثير من تفاصيل الصورة فالفقراء منتشرون خارج وداخل المحطة التي تحولت الي مأوي لمن لا مأوي له من عمال اليومية والاسر البسيطة العائدة الي القري ولا تملك قيمة المبيت في فندق رخيص او المتسولين الذين استوطنوا المحطة او الذين لا يمكن لمسهم من ابناء طبقة المنبوذين!!!! في محطة القطار اكتشفت ان الهند مازالت دولة فقيرة رغم الطفرة الاقتصادية التي تحققت في السنوات العشرين الأخيرة وان الهند مازالت تعيش علي النظام الطبقي الذي يميز بين ابناء الملاك واصحاب الاراضي واحفاد المحاربين والمنبوذين. وطبقا لاحدث الاحصاءات فإن الفقر مازال مشكلة مزمنة في الهند وهو القضية التي تثير الشجون في البلاد منذ الاستقلال.. وحسب احصاءات العام الماضي فان حوالي 37% من عدد سكان الهند البالغ حوالي 1,4 مليار نسمة مازالوا يعيشون تحت خط الفقر وتزداد المعدلات في الريف عن المناطق الحضرية لتكون 22% في القري و15% في المدن. ويرتبط الفقر بالنظام الطبقي الذي يشيع في المناطق الريفية ويبدو شديد الوضوح عن المناطق الحضرية حيث يحرم الفقراء وابناء الطبقات السفلي من الاحتياجات الاساسية والفرص الحقيقية لحياة كريمة. وبالرغم من ان الارقام تشير الي تراجع معدلات الفقر في الهند منذ عام 2005 الي الآن الا ان الواقع يؤكد ان الفقراء مازالوا منتشرين في مختلف انحاء البلاد.. والدليل الواضح هو ما رأيته في محطة السكك الحديدية.. فالقطارات وهي وسيلة الانتقال الاولي بين انحاء الهند الشاسعة حالها شديد السوء والمسطحون علي سطح القطارات اكثر من الموجودين داخله والقطارات حالتها شديدة السوء الي الدرجة التي جعلتنا نقسم ان القطار القشاش المصري حاله افضل بكثير.. وعندما ركبنا العربة المكيفة – والقطار به عربتان مكيفتان فقط مع ان درجات الحرارة في ساعات الصباح الاولي تجاوزت 37 درجة مئوية – وجدنا ان مقاعد القطار تم حجزها لأكثر من راكب والمحظوظ هو من يصل أولا حتي لا يسافر واقفا مهما كانت المسافة.. كذلك دورة المياه تعيد علي الفور الي الذاكرة الحادثة الشهيرة التي راحت ضحيتها سيدة مصرية سقطت بها ارضية دورة مياه القطار...وفي كل محطة توقف بها القطار كان يصعد جنديان مسلحان ببنادق تشبه التي نراها في الافلام الابيض والاسود المصرية التي يحملها الخفراء ولايفعلون شيئا سوي التطلع في وجوه الركاب وفهمنا ان هذه اجراءات أمنية عادية بسبب الجرائم الإرهابية التي تحدث باستمرار في الهند..اما التشابه الفاضح بين مصر والهند في موضوع السكك الحديدية فهو ان البلدين هما صاحبتا اعلي معدلات حوادث قطارات في العالم كله!!!!! وتلعب السكك الحديدية دورا رئيسيا في الهند حيث تقوم بنقل أكثر من 18 مليون راكب واكثر من مليوني طن من البضائع يوميا. وتغطي شبكة السكك الحديدية الهندية 63327 كيلومترا ولكنها تعاني من الازدحام المفرط وتقادم التكنولوجيا مثل نظام الاشارات في العديد من المناطق مما يجعل هذا العدد من الحوادث شيئا طبيعيا.
<< المهم وصلنا بعون الله الي مدينة أجرا مهد تاج محل لتبدأ رحلتنا الفعلية في الهند وتستمر حملتي الخاصة لإعادة اكتشاف الهند ومصر ونهر المقارنات يواصل الجريان ولكن تلك رسالة اخري قادمة ان شاء الله.
 

أهم الاخبار