اشتعال "حرب التمويل" بين السلفيين والليبراليين

ملفات محلية

الجمعة, 19 أغسطس 2011 13:40
محمد عبداللطيف

الجدل المشتعل حول فضيحة التمويل الأجنبي.. لم تتوقف تداعياته، عند حدود تبادل الاتهامات بين التيارات السياسية الليبرالية

والدينية، المتصارعة علي فرض سطوتها وإرادتها علي الرأي العام، لكنه امتد الي ما هو أبعد من ذلك بكثير، متجاوزاً الصخب والاتهامات، ومحرضاً علي صناعة الأزمات السياسية واشعال الحرائق الإعلامية، بين القاهرة وعواصم إقليمية وأخري دولية أبرزها واشنطن. التي تسعي هي وغيرها لتحقيق المصالح والأهداف الاستراتيجية، باستخدام كافة الأساليب التي تدفع بالبلاد الي الفوضي وعدم الاستقرار ما انفتحت الجهات المسئولة عن إدارة البلاد والمجلس العسكري والحكومة.. هذا الملف الشائك الذي يهدف الي العبث بالأمن القومي، للوقوف علي حقيقة المعلومات والاتهامات المتداولة بشأنه والبدء في اجراء تحقيقات قضائية، حتي سارعت الآلة الإعلامية الأمريكية بالهجوم علي المجلس العسكري، بأن وجهت سهام الاتهامات اليه بالحض علي كراهية أمريكا، والسعي الي تشويه صورة وسمعة السفيرة الأمريكية، بالقاهرة «آن باترسون».
الغريب في الاتهامات انها جاءت مواكبة لمحاكمة «مبارك» ونجليه، ورموز حكمه، ومتزامنة في نفس الوقت مع الإعلان الرسمي الأمريكي عن إنهاء عمل «جيم بيفر» مدير الوكالة الأمريكية في القاهرة، الذي كان يقوم بالاشراف علي عمليات التمويل تحت مسميات براقة أبرزها «دعم الديمقراطية».. هذا المفهوم الذي ظهر بقوة علي السطح إثر اندلاع ثورة يناير، يؤكد بوضوح التدخل الأمريكي بصورة غير مباشرة في الشأن الداخلي، وجاء مصاحباً لتصريحات مصحوبة بفجاجة، أطلقتها «آن باترسون» سفيرة واشنطن في القاهرة، أكدت خلالها منذ نحو شهرين أن بلادها قدمت دعماً قيمته «40» مليون دولار لمنظمات وحركات سياسية داخل مصر، لدعم التحول الديمقراطي.
الأمر الذي أثار لغطاً في كافة الأوساط حول الدور الذي تقوم به السفيرة الأمريكية والبعثة الدبلوماسية في القاهرة، ولم يكن غريباً ان يصاحب هذا اللغط، حالة من الرفض الرسمي والشعبي لتلك التصريحات، أما الدولارات التي تحدثت عنها فلم تكن سوي دفعة أولي، فقد جري الحديث أيضاً عن أن منظمات في الاتحاد الأوروبي وأمريكا. قدمت دعماً قيمته «160» مليون دولار أخري أي ما يعادل مليار جنيه.
علي خلفية تلك المعلومات التي جري تداولها، برزت علي السطح الاتهامات المتبادلة بين الحركات السياسية والأحزاب الناشئة، والمراكز الحقوقية المعلومات المتسربة من كواليس المعارك والحروب المشتعلة بين التيارات السياسية، تشير الي أن التمويل الأمريكي، يستهدف دعم الأحزاب الليبرالية الناشئة، لكي تتمكن من مواجهة الأحزاب والتيارات الدينية في الانتخابات البرلمانية المقبلة وعلي الجانب الآخر، يستهدف التمويل الخليجي، وأبرزه السعودي، تكريس الصعود السياسي للتيارات السلفية والوهابية،والتأثير السلبي علي محاكمة «مبارك» الذي يحظي بعلاقات طيبة ووثيقة مع هذه البلدان، وهو ما يعني أن النمويل الأجنبي كشف النقاب عن الوجه القبيح للسياسة الدولية ورغباتها في تحقيق مشروعاتها، وأن القوي التي تتلقي دعماً، ليست سوي أدوات تحركها الأطراف الدولية، وهذا هو مكمن الخطورة.
مشاهد عمليات التمويل، لم تكن وليدة للأجواء المشحونة بالاتهامات، لكنها برزت عندما تلقي أهالي الشهداء «بعض منهم» عروضاً من ناشطين ينتمون للتيار السلفي، بدفع ديات

سخية مقابل التنازل عن اتهام مبارك بقتل أبنائهم، ووقتها جري ربط هذا التمويل المزعوم بالسعودية.
هذه الاتهامات التي تنفيها الحركات السياسية مثل «6 إبريل» وكفاية والسلفيين محل جدل حتي يتم اسدال الستار علي هذه الفضيحة بإجلاء الحقيقة كاملة من خلال التحقيقات الجارية الآن.. والكشف عن المتورطين فيها، غير ان الحقيقات كانت دافعاً للأمريكيين بتوجيه انتقادات حادة للمجلس العسكري، ومنها انه وراء حملة المعاداة للولايات المتحدة من خلال التصريحات المتكررة التي تتضمن إدانة وتخويناً للمنظمات غير الحكومية التي تقبل أموال المساعدات الأمريكية، وفي نفس الوقت دافعت واشنطن عن سفيرتها في القاهرة ووصفتها بأنها من أفضل سفرائها في العالم.
ووسط هذه الأجواء سارعت الآلة الإعلامية الأمريكية، في شن حملة دعائية ضد مصر والمجلس العسكري والحكومة.. لأن الدولة اتخذت قراراً بالتحقيق في ما يمس الأمن القومي للبلاد.. وعلي خلفية ذلك، أصدر المجلس الوطني بياناً شدد فيه علي جملة من المطالب. رداً علي أسلوب الاختراق الذي تقوم به الإدارة الأمريكية للتيارات والحركات السياسية.. وكان البيان تعرية للتمويل الخارجي وإدانة لمن يقبل به أو يشجعه، وطالب بالكشف عن أسماء وقوائم الذين تلقوا أموالاً من أي دولة أجنبية، وعلي الأخص من الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية واحالة من يثبت توطه الي القضاء.
ولم يكن غريباً أمام حالة الرفض الشعبي أن يدخل البيان الذي أصدره المجلس الوطني، المشكل من ائتلافات عديدة، الي الدخول في المناطق المحظورة، حيث طالب السلطات المصرية بعدم قبول المعونة الأمريكية لكونها كانت سبباً مباشراً في ما آلت اليه الأوضاع في مصر من فساد وتبعية للهيمنة الأمريكية.
اضافة الي المعاملة بالمثل، وبذلك يرمي الي تخفيض البعثة الدبلوماسية الأمريكية في القاهرة، كما دعا البيان الي مقاطعة البضائع الأمريكية.
هذا التصعيد من قبل بعض القوي السياسية في الداخل، يختلف كثيراً عن الاسلوب الذي يتبعه المؤيدون لهذا التمويل باستخدام البلطجة الإعلامية في الدفاع عن ذلك، وهي ذات الطريقة التي تعمل بها امريكا في الهجوم علي الذين يرفضون سياستها.. «البلطجة وتزييف الحقائق بادعاءات دعم الديمقراطية.. رغم ان ذلك تدخل سافر في الشأن الداخلي»..
أما مايدفع الي طرح العديد من التساؤلات هو الموقف الصامت من بعض القوي المدعومة من أمريكا أو السعودية أو قطر أو غيرها من الدول العربية، وكأنهم في انتظار الهجمة الإعلامية علي مصر.. وما يبرز علي سطح العلاقات بين القاهرة وواشنطن، يشير بوضوح الي وجود محاولات دؤوبة لعدم فتح هذا الملف الشائك ـ الذي سيكشف بالضرورة عن التوجهات الحقيقية لبعض القوي التي ظهرت علي مسرح العمل السياسي
إبان ثورة يناير. والأدوار التي يلعبونها لصالح الجهات الأجنبية التي تسعي لاثارة الفتن في الداخل، ولعل أبرز ملامح هذه الفتنة، هي الحرب المشتعلة بالاتهامات المتبادلة من الحركات السياسية والتيارات الدينية، فالسلفيون متهمون من قبل الآخرين، بتلقي أموال من دول أجنبية أبرزها السعودية وقطر في اطار المشروع الوهابي المناهض في استراتيجيته للمشروع الشيعي الايراني.. والليبرالي الديمقراطي.
وفي المقابل، تجد التيارات الليبرالية من يشدد علي اتهامها، بتنفيذ الأجندة الأمريكية في مواجهة المشروع السعودي، وكأن مصر تحولت الي قطعة من الجاتوه، يحاول كل طرف اختطافها باستخدام سلاح التمويل غير المشروع.
وللتعتيم علي هذا الملف، لم يكن غريباً ان تنشط بورصة الشائعات في الآلة الإعلامية الأمريكية وخاصة الصحف.. لاخراج الرأي العام عن تداول هذه الفضيحة.. والوقوف أمامها، وتجد هذه الشائعات طريقها الي بعض القوي الناشئة لإثارة الفتنة وإشعال الأحداث بغرض إرباك الدولة واثارة الفوضي.
من بين ما يتم تسويقه من شائعات، هو ان نظام مبارك مازال قائماً ويتحكم في مصائر السياسة وصناعة القرار المصري، وأن الشرطة هي التي تقف وراء ما يجري من خلال البلطجية، الأمر الذي يتبعه بالضرورة، حالة من الكراهية للسلطة القائمة علي إدارة شئون الدولة.
لكن جوهر ما يحدث يختلف عن الظاهر منه، لأن كواليس اللعبة السياسية، تجري فيها صناعة المؤامرات وخزائن الدول مفتوحة علي مصراعيها لتحقيق الطموحات.
قضية التمويل، أو الفضيحة التي يراد بها سرقة ثورة يناير، والقفز علي ما حققته من انجازات وان كانت ضئيلة ولا تعبر عن الطموحات، دفعت احد الكيانات الناشئة «الائتلاف الشعبي لكشف التمويل الاجنبي لمنظمات المجتمع المدني» لتوجيه الاتهامات لعدد من الصحفيين، الأمر الذي دعا هؤلاء الصحفيين، للتقدم ببلاغ للنائب العام، للتحقيق معهم في ما ورد من اتهامات بشأنهم وطلبوا أيضاً البلاغ بالتحقيق مع المؤسسات التي وردت أسماؤها في البلاغات وإزاء هذه الحرب المشتعلة في كل اتجاه ربط بعض المراقبين تصاعد حرب التمويل في مصر لماتمثله الانتخابات القادمة من أهمية بالنسبة لحسم شكل الجمهورية الجديدة، والتأثير علي سياستها ودورها الاقليمي والدولي، فبينما يمثل قيام دولة إسلامية ذات توجهات سلفية فتحاً للمذهب الوهابي، وما يحمله من نفوذ سعودي، فإن قيام دولة مدنية ديمقراطية حديثة ليس سوي خطر علي كافة الأنظمة الرجعية والشمولية في المنطقة العربية وفي مقدمتها السعودية.
وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية تري أن قيام دولة يسيطر عليها السلفيون ويوجهون سياستها، تمثل ضربة قاسية لما تبقي لها من نفوذ، ويشعل أعمال العنف ضد المصالح الغربية، والأمريكية، وهنا تكمن حقيقة الدوافع التي ترعاها السفيرة الأمريكية والضغوط العربية علي الإدارة في مصر.. وتحقيق ما يريدون تحقيقه.. في مقدمة ذلك الدفع بسخاء، حتي وصلت الأمور الي مستوي ينذر بمخاطر بحجم التمويل ليس عادياً والمنتفعون منه لا هدف لهم سوي تنفيذ الأجندات الأجنبية والصراع بين الأطراف المستفيدة علي أشده والخلافات حول التمويل الأجنبي زادت في الآونة الأخيرة، لما دفع الي ظهور المعارك الضارية بين الذين تلقوا التمويل والآخرين الذين كانوا يعملون معهم، ووصل الصراع بين هؤلاء إلي حد الابتزاز، والرغبة في تقاسم السبوبة، التي وصلت الي قرابة المليار جنيه، وفضح أمرها «الوفد» كأول صحيفة عربية امتلكت الجرأة في طرح هذه القضية الشائكة، قبل ان تبدأ وزارة التعاون الدولي فتح التحقيق الرسمي، إثر إعلان باترسون أن بلادها وزعت «40» مليون دولار لمنظمات غير حكومية، الأمر الذي تبعه اجراء التحقيق القضائي، المرفوض من أمريكا.. لأن الأمر يخص منظمات غير حكومية..
بعيداً عن الصراع الخارجي علي فرض الإرادة علي مصر فان ما يجري من خلافات وتناحر داخل مصر علي الملايين التي تقذف بها الجهات الأجنبية.. مصر في خطر حقيقي ما لم يتم اظهار الحقيقة أمام الرأي العام.

 

أهم الاخبار