رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أسرار وخفايا معركة 1986

ملفات محلية

الخميس, 18 أغسطس 2011 11:26
أسرار وخفايا معركة 1986

وقعت أحداث الأمن المركزي في أواخر شهر فبراير سنة 1986، وكانت المرة الأولي التي تقوم فيها قوات

نظامية مهمتها حفظ الأمن، بالخروج علي الأمن.. هرع جنود الأمن المركزي إلي الشوارع في عشر محافظات مصرية في وقت واحد، وقاموا بتدمير كل ما طالته أيديهم من ممتلكات خاصة وعامة في أكبر حوادث تخريب وفوضي تشهدها مصر في تاريخها الحديث.

طوال هذه الفترة، التي تجاوزت ربع قرن من الزمان، تم فرض سياج هائل من السرية والكتمان حول تلك الأحداث ولم تبذل أية محاولة للكشف عن أبعادها وأسبابها الحقيقية والجناة الذين أشعلوها.. المحاكم التي أحيلت إليها أوراق قضايا تلك الأحداث أصدرت قرارات بتأجيل نظر كافة القضايا إلي أجل غير مسمي، بعدما وجد القضاة أمامهم أوراقا خالية من أية معلومات أو أدلة، ولم يجدوا أمامهم سوي مئات من جنود الأمن المركزي «الغلابة» تم حشدهم داخل «أقفاص الاتهام» دون أن يكون لدي أي منهم أية معلومة تتعلق بتلك الأحداث!

آنذاك، كانت القراءة المتعمقة للأحداث تشير إلي أن الهدف الرئيسي من وراء إشعال تلك الأحداث كان هو التخلص من اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية ـ الذي جلس علي مقعده الوزاري لمدة عام والنصف فقط ـ قاد خلالها حربا حقيقية علي تجار المخدرات وأباطرة الفساد، أصابع الإتهام اشارت إلي مجموعة من أبرز رموز النظام القائم ممن يشغلون أكبر المناصب السياسية والتنفيذية والتشريعية، خططوا لإحراج اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية وإظهاره ـ أمام الرأي العام ـ كقائد غير مسيطر علي أفراد جهاز الامن، ولم يكن أمامه سوي الاستقالة والتواري بعيدا عن الأنظار مفضلا الصمت رغم يقينه بأبعاد المؤامرة التي تعرضت لها البلاد، وظل رموز المؤامرة والسلطة في آن واحد ظلوا علي مقاعدهم إلي أن هب الشعب المصري في مواجهة المفسدين خلال ثورة يناير 2011، وأطاح بهم خلف أسوار مزرعة طره.

اللواء أحمد رشدي خرج علي صمته مؤخرا ولأول مرة واعترف بكلمات قليلة ـ للزميل سيد عبد العاطي رئيس تحرير الوفد الأسبوعي ـ  كشفت عن المؤامرة التي تعرضت لها مصر سنة 1986 من جانب صفوت الشريف ـ وزير الإعلام ـ والعضو القيادي في الحزب الحاكم، ويوسف والي الأمين العام للحزب الوطني والدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق.. وإليكم التفاصيل»:

كنت واحدا ممن قاموا بمتابعة تلك الأحداث، بحكم عملي محررا أمنيا لجريدة «الأخبار»، وكنت واحدا ممن ساورتهم الشكوك حول تداخلاتها وأسبابها الحقيقية والمخططين لإشعالها، ولم يكن متيسرا لي أن أقوم بنشر ما لدي من معلومات خلال التغطيات الصحفية للأحداث، واختزنت ما لدي من معلومات وقمت بنشره داخل كتاب أصدرته عام 1999 تحت عنوان «وزراء علي كف عفريت»، وورغم هذا فإنني أعترف إنني رويت نصف حقيقة تلك الأحداث، فقد قلت إن اللواء أحمد رشدي أطيح به من وزارة الداخلية ولكني لم أكتب من الذي شارك في مؤامرة الإطاحة به، فقد كان النظام لا يزال قائما وكان عدد كبير من رموزه الفاعلين في تلك الاحداث لا يزالون يتبوأون مقاعد المسئولية، كما كان رأس النظام لا يزال قابعا علي كرسيه وأعترف إنني لم أتحل بالشجاعة الكاملة كي أوجه اتهاماً لمجموعة من كبار معاوني مبارك بالتخطيط لإشعال احداث الأمن المركزي، فكان الاتهام سيوجه له في ذات الوقت بأنه إما أن يكون شريكا لهم بشكل مباشر ولديه اطلاع تام علي كل ما جري، وإما أن يكون مغيبا عما جري وهو مسئول في كلتا الحالتين، وربما يغفر لي الله سبحانه وتعالي كتم الشهادة طوال هذه الفترة، وربما يسامحني القارئ علي هذا التقصير، وأقرر إنني لا أكتب هذه الشهادة الآن بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، للتشهير برموز النظام السابق - النزلاء الآن بسجن مزرعة طره - أو التشفي فيهم ، إن هذا ليس هو القصد، كل ما أقصده من رواية تفاصيل هذه الحلقة من مسلسل الفساد الطويل الذي شهدته مصر خلال العقود الماضية، هو أخذ العبر والعظات مما جري، ونحن نستشرف مستقبلاً جديداً لبلدنا، خصوصا وأن هناك تشابها أراه بين ما حدث في شهر فبراير سنة 1986، وبين ما جري يومي 25 و28 يناير سنة 2011، فقد كان الأمن المركزي قاسما مشتركا أعظم فيما جري في الحادثتين، بفارق واحد فقط هو ان وزير الداخلية في العام 1986 اللواء أحمد رشدي كان جادا مخلصا في مواجهة الفساد وحريصا علي أن يكون جهاز الشرطة في خدمة الشعب فسعي كبار رموز النظام للتخلص منه بإشعال ثورة جنود الأمن المركزي، بينما وزير الداخلية في العام 2011 اللواء حبيب العادلي كان أداة طيعة في أيدي رموز الفساد من رجال السلطة، فحول الشرطة إلي جهاز يحمي كرسي النظام ويستهدف الشعب بتزوير الانتخابات وقمع المعارضين واستهداف المواطنيين وإنتهاك الحرمات وفي النهاية وجه رصاصاته إلي صدور الشباب الذين خرجوا طلبا للخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، فقتل منهم ما قتل وأصاب ما أصاب، وانتهي به المطاف إلي الإحالة للمحاكمة مع رأس النظام السابق وأبرز رموزه النظام بتهم قتل المتظاهرين والفساد.

19 شهرا فقط!

عندما أبعد اللواء أحمد رشدي كان قد مر علي توليه مسئولية وزارة الداخلية عام واحد وسبعة شهور فقط ، فقد تولي الوزارة يوم 17 يوليو 1984، استهل عمله في الوزارة بالإعلان بأن إستراتيجية عمل وزارته تستند علي ركيزتين أساسيتين هما مكافحة الرشوة واستغلال النفود والقضاء علي تجارة المخدرات كما أعلن عزمه إعادة الانضباط إلي الشارع المصري، وأجبر كافة قيادات الشرطة من مختلف الرتب علي النزول إلي الشارع لتحقيق ذلك الانضباط، لم يصدر الرجل قرارا مكتبيا بتواجد القيادات في الشارع، ولكنه دفعهم إلي الشارع دفعا بما كان يفعله بنفسه، فقد اعتاد علي التعامل بنفسه مع المخالفات المرورية أو

التعديات الصارخة علي الأرصفة أو أنهر الطرق أثناء سيره في الشارع سواء كان متوجها إلي مكتبه أو عائدا إلي منزله، كان لايكتفي بتوقيع العقوبة علي السائق أو المواطن المخالف، بل كان يوقع اشد الجزاء علي ضابط المرور أو مأمور القسم أو ضابط المرافق المسئول عن المنطقة التي وقعت فيها المخالفة، كما كان يوقع أشد الجزاءات علي القيادات المسئولة عن المناطق التي شهدت وقوع المخالفات ودون تفرقة بين ضابط صغير أو كبير، أيضا اعتاد الرجل وبلا ترتيب علي مفاجأة أقسام ومرافق الشرطة للاطمئنان علي حسن سير العمل، وكثيرا ما أصدر أوامره الفورية بنقل المقصرين، كما أصدر عشرات القرارات بمكافأة المجتهدين .

أيضا استهل اللواء أحمد رشدي قيادته لوزارة الداخلية بالتخطيط للقضاء علي «أسطورة الباطنية»، تلك البقعة التي كانت تشوه صورة عاصمة مصر وكانت المخدرات تباع فيها علنا، وكان المدمنون يقفون بالطوابير وبنظام محكم للحصول علي احتياجاتهم من الحشيش والأفيون بهدوء ودون إزعاج من رجال الشرطة الذين كانوا لا يستطيعون مهاجمة المنطقة، أباطرة الكيف المسيطرون عليها ، كانوا يستخدمون جيوشا من «الناضورجية» لإحكام الرقابة علي مداخل المنطقة التي حباها جوهر الصقلي مؤسس القاهرة الإسلامية بالعديد من الموانع الطبيعية والجبلية، التي جعلتها أشبه بالقلعة الحصينة، أيضا استعان أولئك الأباطرة بالعديد من أفراد الشرطة الصغار كانت كل مهمتهم الإبلاغ عن أية محاولة أمنية من ضباط مكافحة المخدرات للاقتراب أو التسلل إلي الباطنية.

اللواء أحمد رشدي كان يعرف كل هذه المعلومات، فالرجل كان قبل سنوات قليلة من توليه مسئولية وزارة الداخلية يعمل مديرا لأمن القاهرة وعاني الكثير من وجود تلك البقعة السوداء في قلب القاهرة وحاول إزالتها دون جدوي، أما هذه المرة فقد وضع لها تخطيطا شاملا ودرس كل شيء بدءا بتوقيت الهجوم علي المنطقة ومرورا بتسلل القوات إلي شوارعها ودروبها، وانتهاء بشكل الحياة في تلك المنطقة بعد تطهيرها من أباطرة الكيف ، وبالفعل ومع بدايات عام 1985  بعد شهور قليلة من توليه الوزارة، أعلن اللواء أحمد رشدي - بحق وحقيق - انتهاء أسطورة الباطنية وبعدها فتح الرجل النار علي الفساد والمفسدين ومستغلي النفوذ، وبدأ يحقق ما قال.

بداية النهاية

ومع بدايات عام 1986، تواصلت خطي اللواء أحمد رشدي علي ذات النهج الذي سار عليه منذ أن تولي المسئولية ، وبدا واضحا للكافة انه لن يحيد عن سبيله ولن يميل إلي التوازنات، وبدا مصرا علي أنه لا استثناءات في مكافحة الفساد، ولا تمييز بين صغير وكبير، هذه المعاني والتأكيدات لم تكن كلمات مرسلة رددها اللواء أحمد رشدي أمام وسائل الإعلام، ولكنها كانت أقوالا تساندها أفعال ما أوغر صدور كبار الفاسدين حياله ، وشاء القدر أن تتواصل علي مدي أيام شهر فبراير عدة ضربات موجعة وغير مسبوقة ، فقد استهدفت مجموعة من كبار المسئولين، وكانت هذه الوقائع بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، وبمعني آخر كانت الدافع الرئيس للتخلص من اللواء أحمد رشدي الذي بات مع أجهزته يشكل خطرا داهما علي كبار الفاسدين ، الذين نحجوا في النهاية وقبيل انتهاء أيام شهر فبراير سنة 1986.

شقيق الرجل الثاني

الواقعة الأولي، حدثت صباح يوم الأربعاء 4 فبراير - قبل 22 يوما من استقالة أحمد رشدي -  فقد سافر اللواء محمد عبد الحليم موسي مدير الأمن العام - في ذلك الوقت - وبصحبته مجموعة من مفتشي المباحث الجنائية بوزارة الداخلية إلي مدينة الاسكندرية  هاجموا إحدي الشقق هناك وألقوا القبض علي متهمين هاربين من حكم صادر ضدهما بالسجن لمدة 10 سنوات في قضية رشوة هذان المتهمان كانا عبد الخالق المحجوب وكان يعمل خبيرا بإدارة النقد بوزارة الاقتصاد وشقيق رئيس مجلس الشعب د. رفعت المحجوب، أما الثاني فكان رفعت بشير وكيل أول وزارة الاقتصاد لشئون النقد الأجنبي.

كانت تلك هي المرة الأولي وربما الأخيرة في تاريخ مكافحة الجريمة في مصر، التي ينتقل فيها مدير الأمن العام بنفسه لتنفيذ مهمة أو مأمورية - كما يسمونها في جهاز الشرطة - كان من الممكن أن يقوم بها ضابط صغير برتبة ملازم ثان وبصحبته مجموعة صغيرة من المخبرين  فقد كان المئات من الهاربين من أحكام بالإعدام، وبالأشغال الشاقة المؤبدة يسقطون في أيدي الشرطة كل يوم بلا ضجة أو اهتمام، لا من الشرطة، ولا من الصحافة.. وإنما هذان الهاربان، وإن صح التعبير واحد منهما كان غير عادي كان شقيقا لرئيس مجلس الشعب الرجل الثاني في الدولة بحكم الدستور، من هنا كانت خطورة المأمورية التي قام مدير الأمن العام لتنفيذها بنفسه وبتعليمات صريحة ومباشرة من وزير الداخلية، الأكثر إثارة وخطورة أن شقيق رئيس مجلس الشعب لم يكن هاربا من حكم في قضية نفقة، أو جنحة ولكن قضية رشوة وصادر ضده ومعه متهمون آخرون حكم حضوري بالسجن لمدة 10 سنوات لكل منهم!

وقائع القضية كما تقول الأوراق أن تاجراً من مدينة بورسعيد ألقي القبض عليه بمطار القاهرة أثناء محاولته تهريب كمية من النقد الأجنبي وعقب ضبطه تنازل عن المبلغ

المضبوط حتي لا تقام ضده الدعوي الجنائية حسبما ينص القانون، وبعد فترة - حسب ما تقول الأوراق أيضا - تعرف هذا التاجر علي شخصين هما حمدي لبيب وحسن بجاتو الأول ضابط شرطة ويرتبط بصلة نسب بكل من عبد الخالق المحجوب وشقيقه د. رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب، هذان الشخصان وعدا التاجر بإمكانية استصدار قرار من وزير الإقتصاد برد المبلغ المضبوط معه إليه، نظير مبلغ مالي يدفعه «كرشوة» لعبد لخالق المحجوب ورفعت البشير نظير جهودهما في رد المبلغ الذي تمت مصادرته بما لديهما من امكانيات وصلاحيات في إدارة النقد الأجنبي بوزارة الاقتصاد، تظاهر التاجر بالموافقة ثم أبلغ الأجهزة الأمنية، التي تابعت اللقاءات والاتصالات بين التاجر والموظفين الكبيرين ووسيطيهما في الرشوة - وتم ضبط الواقعة - وأحيلت إلي محكمة جنايات أمن الدولة العليا (طوارئ)، باعتبارها قضية رشوة واستغلال نفوذ، وتداولت القضية في عدة جلسات بحضور المتهمين الأربعة ومحامين عنهم، إلي أن تم حجزها للحكم بجلسة 14 يناير 1986 ، ليصدر فيها الحكم حضوريا ضدهم بالسجن لمدة 10 سنوات، ويفاجئ الرأي العام باختفاء المحكوم عليهم الأربعة في نفس يوم صدور الحكم.

جريدة الوفد

أكثر الجهات اهتماما بإثارة هذه القضية في ذلك الوقت كانت جريدة الوفد التي يصدرها حزب الوفد الجديد اسبوعيا وكان يرأس تحريرها الأستاذ مصطفي شردي ، الصحفي اللامع الوطني - رحمة الله عليه - كما كان تناول الجريدة لهذه القضية يسبب إحراجا كبيرا للحكومة، وللسلطة التشريعية وللنظام كله، ومنذ هروب أو اختفاء المحكوم عليهم الأربعة عقب النطق بالحكم ضدهم صباح يوم 16 يناير 1986، كانت الأعداد الاسبوعية لجريدة الوفد لا تخلو من «الهمز واللمز» حول نفوذ رئيس مجلس الشعب ودوره في تسهيل هروب شقيقه من تنفيذ حكم بالسجن لمدة 10 سنوات مما كان يسبب أرقا وقلقا خاصة لدي وزير الداخلية اللواء أحمد رشدي الذي كان يردد ويؤكد دائما أنه ضد الرشوة والفساد والمفسدين ، وإن القانون يطبق في مصر علي الكبير قبل الصغير.

من هنا كان الاهتمام بالغا وشديدا من جانب وزير الداخلية شخصيا وأجهزة وزارته وسعيه كان دائبا لحل هذا اللغز، لنفي الاتهام الموجه للنظام بمحاباة شقيق المسئول الثاني في الدولة، وفي ذات الوقت لتأكيد سلطة الدولة وهيبتها في مواجهة الكبير قبل الصغير، خاصة بعد أن تقدم أحد أعضاء مجلس الشعب باستجواب - لرئيس الوزراء ووزير الداخلية عن أسباب وكيفية هروب شقيق رئيس مجلس الشعب وتحددت جلسة الخميس 5 فبراير 1986 لنظر الاستجواب وشاءت الأقدار أن يسقط شقيق رئيس مجلس الشعب ورفيقه رفعت بشير في قبضة مدير الأمن العام ورجاله صباح الأربعاء 4 فبراير 1986، وقبل موعد نظر الاستجواب بـ 24 ساعة فقط.

الواقعة الثانية والتي كانت تؤكد كذلك أن اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية جادا فيما يقوله ويعلنه دائما بأنه لا تهاون مع تجار المخدرات والمرتشين والمفسدين ومستغلي النفوذ، ففي الوقت الذي كان اللواء محمد عبد الحليم موسي مدير الأمن العام في الاسكندرية وبصحبته ثلاثة من كبار ضباط مباحث الداخلية لإلقاء القبض علي شقيق رئيس مجلس الشعب - الذي كان هاربا من حكم في قضية رشوة - كان اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية يلقي بيانا مهماً بمجلس الشعب أمام اللجنة البرلمانية التي شكلها المجلس لمناقشة كيفية مواجهة ظاهرة انتشار المخدرات حيث أعلن في بيانه في ذلك اليوم أن عام 1986 هوعام تطهير مصر من المخدرات تماما، مشيرا إلي أن الشرطة ستتعاون لتحقيق هذا الهدف مع أجهزة الدولة كافة خاصة القوات المسلحة وحرس الحدود، وقال إن أجهزة الشرطة قادرة باستخدام القانون العادي علي مكافحة المخدرات وتحقيق نتائج إيجابية دون اللجوء لقانون الطوارئ، وأضاف اللواء أحمد رشدي أن هناك تعاونا بين مصر والعديد من دول العالم لتبادل المعلومات حول مافيا المخدرات في العالم لتنشيط جهود المكافحة، واختتم الرجل بيانه بما قاله في البداية، إن عام 1986 سيكون عام القضاء علي المخدرات في مصر.

قضية الرشوة الكبري

أما الواقعة الثالثة فقد حدثت بعد ظهر يوم 11 فبراير 1986 حيث هاجم ضباط الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة بقيادة اللواء حسن الألفي - مدير الإدارة - مبني وزارة الصناعة بجاردن سيتي، وقاموا بضبط 11 وكيل وزارة ، كانوا جميعا شاغلي غالبية مبني الوزارة، وقام الضباط بتفتيش مكاتب وكلاء الوزارة المقبوض عليهم بحثا عن الأدلة والمستندات التي تفيد في القضية.

المكتب الوحيد في مبني وزارة الصناعة الذي لم يقترب منه الضباط، كان مكتب الوزير فقد كان اذن النيابة الذي استصدره الضباط للتفتيش والضبط لا يتضمن مكتب السيد الوزير.. وربما كان الضباط يطمعون في ذلك، ولكنهم كانوا علي علم تام بأن قانون محاكمة الوزراء لايسمح!

سميت هذه القضية - حينئذ - بقضية الرشوة الكبري ، وكانت أكبر وأخطر قضية رشوة في تاريخ مصر، فكانت تضم أكبر عدد من المسئولين معظمهم في وزارة واحدة ، هي وزارة الصناعة، يتقدمهم اثنان من الوكلاء الأول للوزارة واثنان من رؤساء الهيئات التابعة لها وكل منهم بدرجة نائب وزير و 8 من وكلاء الوزارة ومدير عام ورئيس مجلس إدارة و 7 من رجال الأعمال أحدهم ألماني الجنسية.. الاتهام كان تقاضي رشوة بلغت 5.5 ملايين جنيه لإرساء عطاء مصنع الورق بقوص علي شركة ألمانية بالمخالفة للقانون ودون اعتبار لصالح الدولة ومالها العام.

الإعلان عن ضبط تلك القضة كان أشبه بقنبلة شديدة الانفجار تناثرت شظاياها في كل مكان! فقد بادر وزير الصناعة بتقديم شكوي لرئيس الوزراء ضد وزير الداخلية وبحدة وغضب شديدين لرئيس الوزراء، ويطالب بأن يعامل بالمثل، كما يعامل وزيري الاقتصاد والمالية، حيث ينص قانون الإجراءات الجنائية علي ضرورة استصدار موافقة وزير الاقتصاد قبل تحريك الدعوي الجنائية في قضايا تهريب النقد، كما ينص علي ضرورة استصدار موافقة وزير المالية لتحريك الدعوي الجنائية في قضايا التهرب الضريبي، وعلي الرغم من أن واقعة وزارة الصناعة تختلف إلا أنه كانت المعاملة بالمثل مطلباً من وزير الصناعة!!

أيضا تعالت بعض الآراء في ذلك الوقت من جهات أخري تطالب بتقنين تقييد حركة الأجهزة الرقابية في تتبع قضايا الرشوة واستغلال النفوذ والفساد الإداري بوجه عام ، وطالبوا بإصدار تشريع خاص بذلك ، كانوا يهدفون إلي إجبار أجهزة الرقابة - قبل السير في الإجراءات - علي إبلاغ الوزير المسئول أو رئيس المصلحة بالتحريات أو المعلومات المتوافرة لديها عن أية سلوكيات تتعلق بأي من الموظفين أو المرؤوسين وتشكل جريمة رشوة أو استغلال نفوذ،كانوا يريدون أن يصبح عقاب الموظف أو المرؤوس المنحرف في يد وزيره أو رئيسه المباشر فقط!  دونما تدخل من النيابة أو الأجهزة الرقابية أو الأمنية! ، ودافعوا عن وجهة نظرهم بأن الوزير أو رئيس المصلحة يملك من السلطات والصلاحيات ما يمكنه من تقويم وعقاب موظفيه ومرؤوسيه الفاسدين دون شوشرة ، وصحافة وفضائح!!

الوحيد الذي لم يتعجب، كما تعجب الكثيرون، ولم يدافع عن نفسه أو عن وزارته فيما وجه لها من انتقادات ، كان اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية الذي خرج علي الرأي العام - حينئذ - ليؤكد في تصريحات صحفية أن سياسته في إدارة وزارة الداخلية ثابتة ومعلنة منذ أن تولي الوزارة  قبل عام وبضعة شهور.؟  

أهم الاخبار