متي يحق لشعوب الأقاليم استرداد استقلالها؟

ملفات محلية

الأربعاء, 29 ديسمبر 2010 16:52

أشرنا في الحلقة الماضية إلي أنه ترتب علي التطور التاريخي الذي أجملناه،‮ ‬وعلي الطابع الأوروبي المسيحي الذي طبعت به أحكام القانون الدولي منذ نشأتها،‮ ‬أن ظهرت نظرية صارت تقليدية فيما يتعلق بأسباب دخول الإقليم في سيادة الدولة وفي ولايتها،‮ ‬وقد تأثرت هذه النظرية فوق ذلك ببعض ما يجري عليه العمل في القانون الخاص في نطاق اكتساب الملكية،‮ ‬ونقلها بين الأفراد العاديين،‮ ‬وتقضي هذه النظرية بأن أسباب دخول الإقليم في ولاية الدولة علي نوعين‮: ‬أسباب أصلية‮: ‬هي الاستيلاء والإضافة،‮ ‬وأسباب ناقلة هي التنازل والفتح والتقادم‮. ‬ويبدو ظاهرا أن هذه النظرية في وضعها الراهن لا تستجيب لمقتضيات التغيير الجوهري الذي حدث في نطاق العلاقات بين الدول،‮ ‬وفي الظروف التي تلابس العالم الحديث،‮ ‬فلم يزل الاستغلال والانحياز من سماتها،‮ ‬وهي نظرية مختلفة لم تطور بعد،‮ ‬والتغيير في الأوضاع وفي الظروف يجب أن يصاحبه تطور مماثل في أحكام القانون لكي تظل لهذه الأحكام حكمتها وفاعليتها وطابعها التنظيمي‮.‬

الخرائط السياسية‮!‬

أما بقاؤها علي حالها،‮ ‬علي الرغم من التغيير الجوهري في أسباب نشأتها،‮ ‬فلا يتفق علي منطقة الحياة،‮ ‬ولا بقوائم مع ضرورة التنظيم،‮ ‬ويجعل ضررها يغلب علي نفعها،‮ ‬فتبدو أحكامها زائدة بعد أن كانت لازمة،‮ ‬كما تبدو عاملا من عوامل الإضطراب في علاقات الدول،‮ ‬بعد أن كانت من عوامل الاستقرار في نطاقها‮.‬

فالأسباب التي تقررها النظرية التقليدية لبسط سيادة الدولة علي إقليم بذاته لا تقيم وزنا لحق كل شعب في تغير مصيره،‮ ‬وتجيز للدولة أن تدخل في ولايتها وفي في تبعيتها الأقاليم التي تحيا عليها شعوب تختلف في جنسها كليا عن شعبها،‮ ‬تختلف اختلافا في لغتها،‮ ‬وفي أمانيها القومية‮.‬

وهي تجيز للدولة ذلك أيضا من‮ ‬غير أن تدخل في الاعتبار رغبة الشعب في الدخول في السيادة الشخصية للدولة أو اعتراضه علي ذلك،‮ ‬مما يجعل من الشعوب سلعة ومحلا للملكية وللاستغلال،‮ ‬وهذه النظرية لا تقيم أي وزن للظروف الجغرافية أو للمطالب الاقتصادية أو للفروق الاجتماعية والسياسية الخرائط السياسية للعالم قبل الحرب العالمية الأولي هي خير دليل علي هذا كله‮!‬

وعقب الحرب العالمية الأولي كان أمل الشعوب منعقدا علي أن تغير الدول الأوروبية المنتصرة سياستها في هذا الشأن،‮ ‬غير أن هذه الدول عمدت إلي تطبيق معيارين‮: ‬فانحازت إلي بعض الأقاليم فردت إليها استقلالها‮. ‬كما حدث مع بولندا وتشيكوسلوفاكيا‮.‬

وطبقت التقييم والانفصال بالنسبة إلي أقاليم أخري،‮ ‬وأدخلتها في ولايتها بوسائل مختلفة منها‮: ‬التنازل،‮ ‬والضم،‮ ‬ونظام الانتداب،‮ ‬وتم ذلك كله علي الرغم من إدارة شعب هذه الأقاليم،‮ ‬وعلي الرغم من اعتراض الرئيس‮ »‬وودرو ويلسون‮« ‬رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي كان قد أعلن مبادئة الأربعة عشر لإرساء السلم الدولي علي دعائم مكينة‮.‬

وكان أن انعدمت معاهدات صلح فرسايل وسان جرمان،‮ ‬ونويي وتريانون،‮ ‬وسيفر،‮ ‬ولوزان وهي معاهدات رسمت فيها حدود سياسية جديدة في صالح الدول الأوروبية المنتصرة،‮ ‬من‮ ‬غير أي اعتبار لحق الشعوب في تقرير مصائرها،‮ ‬أو لحقها في التحرر من ربقة الاستعمار والاستغلال‮.‬

وقد كانت أحكام هذه المعاهدات وغيرها من الاتفاقيات الدولية التي انعقدت عقب الحرب الحالية الأولي ذات أثر بالغ‮ ‬في اضطراب العلاقات الدولية السياسية في الحقبة ما بين الحربين العالميتين،‮ ‬بل إنها كانت بحق من الأسباب الحاسمة في نشوب الحرب العالمية الثانية‮.‬

ثورة الشعوب‮!‬

وأمام السياسة الأوروبية القائمة علي القهر،‮ ‬لم ينفسح مجال التحرر إلا عن طريق ثورة الشعوب،‮ ‬وبالفعل أعقب صلح فرسايل ثورة شعب مصر علي الحماية التي فرضتها بريطانيا عليه‮.‬

وقد نجحت هذه الثورة في القضاء علي هذه الحماية الاستعمارية،‮ ‬واضطرت بريطانيا إلي إعلان استقلال مصر في تصريحها الصادر في‮ ‬28‮ ‬من فبراير سنة‮ ‬1922،‮ ‬وكان لهذه الثورة المصرية آثار بعيدة المدي لدي الشعوب الأخري المغتصبة،‮ ‬فقامت في الهند في سنة‮ ‬1930‮ ‬ثورة العصيان المدني التي أدت إلي رفع الهند من مرتبة الإقليم التابع إلي مرتبة‮ »‬الدمنيون‮« ‬المستقل‮.‬

وقامت في مراكش التي كانت تحت الحماية الفرنسية ثورة الأمير عبدالكريم الخطابي ضد إسبانيا أولا ثم ضد فرنسا،‮ ‬وقامت ثورة في دمشق ضد حكم الانتداب الفرنسي،‮ ‬وقامت ثورة السنوسي في ليبيا ضد الحكم الاستعماري الإيطالي‮.‬

وكانت هذه الثورات جميعا آثاراً‮ ‬لا يمكن إنكارها في الرقي بهذه الشعوب الثائرة إلي مرتبة الاستقلال فيما بعد،‮ ‬علي أنه لا يمكن إغفال ملاحظة‮: ‬أن هذه الثورات الشعبية لم تحدث تغييرا في السياسة الاستعمارية التي ظلت الدول الأوروبية تتبعها في تعنت ظاهر‮.‬

ويكفي للدلالة علي ذلك أن نذكر مثلا واحدا وهو الحملة الحربية التي شنتها إيطاليا في سنة‮ ‬1936‮ ‬علي الحبشة،‮ ‬وهي الدولة التي كانت عضوا في عصبة الأمم‮ - ‬والتي أسفرت عن ضم الحبشة إلي الإقليم الإيطالي‮.‬

وأشير إلي أن الشعوب الأوروبية وقفت كلها ما عدا بريطانيا في صف إيطاليا ضد الحبشة وكانت المظاهرات تقوم في كل مكان لتأييد إيطاليا،‮ ‬حتي أن المظاهرات في جنيف مقر عصبة الأمم كانت تقذف الإمبراطور هيلاسلاس بالطماطم والبيض الفاسد عند ذهابه إلي مقر عصبة الأمم للدفاع عن حق شعبه‮!‬

وإلي جانب ذلك قامت حركات شعبية أخري في أوروبا ذاتها بتعديل الحدود السياسية التي رسمتها معاهدات الصلح علي أساس التحكيم والبغي،‮ ‬فقامت ألمانيا الهتلرية بضم إقليم النمسا كله علي أساس رغبة الشعبين النمساوي والألماني،‮ ‬ثم قامت العناصر الشعبية الألمانية في تشيكوسلوفاكيا بالمطالبة بالانضمام إلي ألمانيا،‮ ‬وانتهي الأمر بسلخ إقليم‮ »‬السوديت‮« ‬من تشيكوسلوفاكيا وضمه إلي ألمانيا‮!!‬

الحكم الذاتي

وقد كان لهذه الأحداث،‮ ‬ولغيرها مما قام بعدها في ألبانيا وبولندا وفنلندا،‮ ‬آثر حاسم في تغيير الأوضاع الفكرية خلال الحرب العالمية الثانية،‮ ‬مما جعل الدول المجتمعة في سان فرانسيسكو في يونية سنة‮ ‬1945‮ ‬لوضع ميثاق الأمم المتحدة تعني بحق الشعوب في تقرير مصائرها‮.‬

وقد أثبت هذا الحق صراحة في‮ »‬مقاصد‮« ‬الأمم المتحدة،‮ ‬فنصت المادة الأولي في الميثاق في الفقرة الثانية فيها علي أن مقاصد الأمم المتحدة هي‮: (‬1‮)..(‬2‮) ‬إنماء العلاقات الودية بين الأمم علي أساس احترام المبدأ الذي يقضي للشعوب بحقوق متساوية،‮ ‬ويجعل لها تقرير مصيرها،‮ ‬واتخاذ التدابير الأخري الملائمة لحفظ السلم العام‮.‬

وتضمن أيضا الفصل الحادي عشر من الميثاق تصريحا يتعلق بالأقاليم‮ ‬غير المتمتعة بالحكم الذاتي،‮ ‬يرمي إلي إقرار أعضاء الأمم المتحدة،‮ ‬الذين‮ ‬يضطلعون في الحال أو في المستقبل بتبعات عن إدارة إقليم لم‮ ‬ينل شعبها قسطا

كاملا من الحكم الذاتي،‮ ‬بالمبدأ القائل بأن مصالح هذه الأقاليم لها المقام الأول‮.‬

وأنهم يقبلون أمانة مقدسة في أعناقهم الالتزام بالعمل علي تنمية رفاهية أهل هذه الأقاليم إلي أقصي حد مستطاع في نطاق نظام السلم والأمن الدولي الذي رسمه هذا الميثاق‮.‬

ولهذا الغرض ينمون الحكم الذاتي،‮ ‬ويقدرون الأماني السياسية لهذه الشعوب قدرها،‮ ‬ويعاونونها علي إنماء نظمها السياسية الحرة نموا مطردا وفقا للظروف الخاصة لكل إقليم وشعوبه،‮ ‬ومراحل تقدمها المختلفة‮.‬

كما تضمن الميثاق،‮ ‬في الفصل الثاني عشر منه،‮ ‬إقامة نظام دولي للوصاية،‮ ‬من أهدافه السياسية العمل علي ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في شئون السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم وإطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال حسبما يلائم الظروف الخاصة لكل إقليم وشعوبه،‮ ‬ويتفق مع رغبات هذه الشعوب التي تعرب عنها بملء حريتها وطبقا لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقات الوصاية‮.‬

ولا شك أن أحكام ميثاق الأمم المتحدة قد أدخلت تعديلاً‮ ‬حاسماً‮ ‬في سياسات الدول الاستعمارية ودفعت بها إلي العمل علي استقلال بعض الشعوب التي كانت قد اغتصبتها هي وأقاليمها في صورة أو في أخري‮.‬

غير أن هذا التعديل الحاسم لم يكن علي وتيرة مستمرة،‮ ‬كما أنه لم يكن تعديلا شاملا هذه الدول المستعمرة‮.‬

ففي فلسطين تخلت المملكة المتحدة عن انتدابها عليها في‮ ‬15‮ ‬مايو سنة‮ ‬1948،‮ ‬وطلبت من الأمم المتحدة أن تتولي تحديد مركز فلسطين القانوني في المستقبل،‮ ‬وكان أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصية بتقسيم فلسطين،‮ ‬علي الرغم من أن أحكام الميثاق لا‮ ‬يخولها أي اختصاص أو أية سلطة في هذا الشأن،‮ ‬وماتم بعد ذلك من تشريد شبه فلسطين خارج الحدود،‮ ‬وحلول شعب مستورد محله،‮ ‬وقيام دولة إسرائيل علي أساس من البغي والاغتصاب،‮ ‬يعد مأساة إنسانية واجتماعية وسياسية ليس لها في تاريخ العلاقات الدولية نظير في قسوتها،‮ ‬بل في همجيتها‮!!‬

وفي الجزائر كانت فرنسا تشن حربا مستمرة علي شعب الجزائر الذي كان يطالب بالاستقلال،‮ ‬وكانت فرنسا تعتبر الجزائر أيضا فرنسية علي الرغم من كل الأدلة التي تنهض علي خلاف ذلك،‮ ‬وقد وصل الأمر بفرنسا إلي بعث الروح الصليبية في حربها مع الجزائر،‮ ‬وإلي اتباع أساليب القهر والتعذيب التي كانت تتبعها إسبانيا في عهد التفتيش ضد المسلمين،‮ ‬وعلي الرغم من كل ذلك حصلت فرنسا علي استقلالها،‮ ‬بعد أن قتلت فرنسا ما يزيد علي المليون من الجزائريين‮.‬

وعندما أمم جمال عبد الناصر شركة قناة السويس تآمرت كل من إسرائيل وفرنسا وشاركتها الممكلة المتحدة علي العدوان علي مصر،‮ ‬وتم هذا العدوان الثلاثي ابتداء من‮ ‬19‮ ‬أكتوبر لسنة‮ ‬1956‮ ‬وذلك خرقا لكل الالتزامات التي أخذتها هذه الدول علي عاتقها،‮ ‬بوصفها من أعضاء الأمم المتحدة،‮ ‬في نطاق وجوب تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية‮.‬

وقد كان‮ ‬يفشل ضد العدوان،‮ ‬ولموقف الأمم المتحدة منه أكبر الأثر في الدلالة علي أن الأوضاع في النطاق الدولي قد تغيرت علي صورة حاسمة،‮ ‬وأن دور الاستعمار قد دخل في دور التصفية النهائية،‮ ‬ومع ذلك فقد ظلت البرتغال وبلجيكا وغيرها من الدول المستعمرة تتشبث بما تبقي من ذيوله لتسويغ‮ ‬تصرفاتها في أنجولا وكاتنجا وفي جوا‮.‬

وعندما استعدت الهند بقوة السلاح مقاطعة جوا وديو وداماو في‮ ‬23‮ ‬ديسمبر سنة‮ ‬1961‮ ‬ثارت ثائرة المستعمرين،‮ ‬حتي أن وزير خارجية المملكة المتحدة واللوردهيوم ألقي في‮ ‬28‮ ‬ديسمبر سنة‮ ‬1961‮ ‬خطابا يتهم فيه الدول الإفريقية والآسيوية بتطبيق معيارين،‮ ‬والكيل بكيلين في نطاق العلاقات الدولية،‮ ‬وتجاهل أو تناس أن دولته والدول الأخري الاستعمارية كانت تعتبر الشعوب الإفريقية والآسيوية سلعة تستغل ويتصرف فيها كما تستغل الأشياء ويتصرف فيها،‮ ‬وأن عهد الاستعمار أيا كانت طريقته قد أنتهي ودخل في دور التصفية‮.‬

المهم أن الوضع الجديد في نطاق العلاقات الدولية يقضي بأن الأسباب التي يدخل بها الإقليم في سيادة الدولة وولايتها قد تغير تغيراً‮ ‬أساسياً‮. ‬فمبدأ الاستيلاء قد زال موضوعه،‮ ‬وإن هو طبق في مناطق لم تكشف بعد كما هي‮ ‬الحال في‮ ‬بعض المناطق القطبية فإنه‮ ‬يجب أن‮ ‬يتقيد بحق السكان ورغبتهم في‮ ‬تقرير مصائرهم،‮ ‬وذلك في‮ ‬الحال الذي‮ ‬يكون هذا الإقليم المكتشف إقليماً‮ ‬مسكوناً‮ ‬علي‮ ‬صورة أو أخري‮.‬

أما الحالات التي‮ ‬كان الاستيلاء فيها سبباً‮ ‬للأقاليم في‮ ‬سيادات الدول،‮ ‬فيجب ان تصفي‮ ‬علي‮ ‬أساس حق شعوب هذه الاقاليم في‮ ‬تقرير مصائرهم‮.‬

وهذا الحق‮ ‬يجب أن‮ ‬يثبت للشعوب سواء عن طريق السلم وهذا هو السبيل الأهدي‮ ‬والافضل،‮ ‬أو عن طريق العنف في‮ ‬حالة فشل الوسائل السلمية‮.‬

والتنازل أيضاً‮ ‬يجب ان‮ ‬يكون سبباً‮ ‬في‮ ‬دخول الاقليم المتنازل عنه في‮ ‬سيادة الدولة المتنازل لها في‮ ‬حالة واحدة،‮ ‬وهي‮ ‬رغبة السكان،‮ ‬سكان الاقليم في‮ ‬الخضوع لهذه السيادة،‮ ‬والتقادم كما هو ظاهر أساسه اغتصاب،‮ ‬ويجب ألا‮ ‬يكون للمغتصب اي‮ ‬حق في‮ ‬نطاق القانون في‮ ‬الوقت الحاضر علي‮ ‬الأقل‮.‬

والفتح صار الآن‮ ‬غير ذي‮ ‬موضوع،‮ ‬ويجب ان‮ ‬يكون لشعوب الاقاليم التي‮ ‬سبق ان دخلت في‮ ‬ولاية دولة من الدول الحق في‮ ‬استرداد استقلالها واسترداد اقليمها لحكمها الذاتي‮.‬

وليست هذه المبادئ من عندياتي،‮ ‬ولا وليدة تأملي‮ ‬في‮ ‬التاريخ وأفكاري،‮ ‬انما هي‮ ‬قواعد النظام القانوني‮ ‬الدولي،‮ ‬الذي‮ ‬ارنضت الدول عامة الخضوع لاحكامه،‮ ‬ذلك القانون الذي‮ ‬ينظم العلاقات بين الدول‮.‬

معاهدة ضيافة‮!!‬

ولا ريب ان القانون الدولي‮ ‬العام بوصفه القانون الذي‮ ‬ينظم العلاقات القائمة بين الدول علي‮ ‬أساس رضاها المشترك بالخضوع لاحكامه هو الي‮ ‬حد كبير نتاج الحضارة المسيحية الغريبة،‮ ‬وهو لم‮ ‬يبد بمظهر القانون إلا

منذ اربعة قرون علي‮ ‬الأكثر،‮ ‬الا ان الجماعات المتحضرة ساهمت كلها في‮ ‬خلال عصور التاريخ في‮ ‬تكوين بعض قواعده‮.‬

وما من شك في‮ ‬ان المصريين القدماء والفرس والفينيقيين كانوا‮ ‬يخضعون علاقاتهم مع‮ ‬غيرهم من الشعوب لبعض الاحكام،‮ ‬كما ساهم اليونانيون مساهمة ذات أثر في‮ ‬تكوين هذا القانون،‮ ‬كما كان لدي‮ ‬الرومان قانون‮ ‬ينظم العلاقات التي‮ ‬تقوم بينهم وبين‮ ‬غيرهم من الأمم‮.‬

وكان‮ ‬يقوم علي‮ ‬وضع هذا النظام والاشراف علي‮ ‬تنفيذه هيئة مكونة من عشرين من رجال الدين،‮ ‬وكان هؤلاء الرهبان‮ ‬ينهضون بمهمتهم بتطبيق القانون الإلهي‮ ‬المقدس علي‮ ‬علاقات روما بغيرها من الشعوب،‮ ‬وكان الرهبان‮ ‬يقومون بوظيفتهم عند إعلان الحرب وعند عقد السلم،‮ ‬وعند إبرام المحالفات‮.‬

ووفقاً‮ ‬لعادات الرومان كانت علاقات روما مع الشعوب الأخري‮ ‬تتوقف علي‮ ‬ما اذا كانت تربط روما والشعب الآخر معاهدة صداقة أم معاهدة ضيافة ام معاهدة تحالف فإن افراد الشعب الاخر‮ ‬يستمتعون بالحماية في‮ ‬حالة انتقالهم او وجودهم بروما‮. ‬وكانت العلاقات بينهم وبينه افراد الشعب الروماني‮ ‬تحكمها قواعد قانون الشعوب،‮ ‬اما الشعوب الاخري‮ ‬التي‮ ‬لا تربطها بروما أي‮ ‬معاهدة فإن افرادها وممتلكاتها لا تتمتع بمثل هذه الحماية‮.‬

صحيح ان هذه الاحكام القليلة التي‮ ‬ساهم مختلف الشعوب في‮ ‬تكوينها كان‮ ‬يعوزها الأساس الذي‮ ‬يكسبها وصف الإلزام عند واضعيها،‮ ‬ولما طبقت احكام الاديان السماوية ارتكز بعض هذه الاحكام مضافاً‮ ‬اليها احكام جديدة علي‮ ‬اساس الدين فاكتسبت قواعد القانون الدولي‮ ‬من العقائد الدينية قدسيتها ومن العقاب الإلهي‮ ‬الجزاء المترتب علي‮ ‬مخالفتها‮.‬

وقد دامت هذه الحال الي‮ ‬ان زالت الامبراطورية الرومانية الغربية سنة‮ ‬476‮ ‬ميلادية باستيلاء الجرمان عليها،‮ ‬وفي‮ ‬سنة‮ ‬800‮ ‬أقام شرلمان امبراطوريته المقدسة التي‮ ‬شملت البلاد الاوروبية جلها ونصب ليون الثالث حاكماً‮ ‬عليها وتولي‮ ‬هو الحكم الديني‮ ‬فيها،‮ ‬وساد الامبراطورية قانونان القانون الزمني‮ ‬الذي‮ ‬ينظم العلاقات المدنية والتجارية بين رعايا الامبراطورية والقانون الكنسي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬ينظم كل العلاقات المتفرعة علي‮ ‬العقائد‮.‬

وهكذا ظلت الحال الي‮ ‬ان طالت عوامل الضعف والانحلال الامبراطورية الجرمانية المقدسة وزالت بوفاة اخر اباطرتها‮ »‬فردريك الثالث‮« ‬وتفرقت اوروبا دولا كثيرة،‮ ‬مستقلا بعضها عن بعض ودعت الحال عندئذ إلي‮ ‬ايجاد قانون دولي‮ ‬ينظم ما بين هذه الدول من علاقات‮.‬

من هنا اتجه العلماء نحو القانون الرومان‮ ‬يستوحون احكامه،‮ ‬ثم نشطت حركة التأليف وكان من نتائجها ان انفسح امام القانون الدولي‮ ‬المجال،‮ ‬فذاعت مبادئه وتأكدت ضرورة وجوده،‮ ‬ورسخت في‮ ‬حكم علاقات الدول قواعده‮.‬

وقد ساهمت عوامل أخري‮ ‬في‮ ‬اقامة احكام القانون الدولي‮ ‬وإنمائها،‮ ‬اهمها القواعد القانونية التي‮ ‬كانت تضمنها الدول معاهدات الصلح التي‮ ‬تبرمها مع‮ ‬غيرها من الدول،‮ ‬وظهور عدة دول جديدة بعد الثورة الفرنسية،‮ ‬والمؤتمرات الدولية التي‮ ‬عقدت لوضع قواعد القانون الدولي‮ ‬وتدوينها في‮ ‬اتفاقات،‮ ‬وتعتبر أهم هذه العوامل تلك الاتفاقات الدولية التي‮ ‬وضعت للجماعة الدولية تنظيماً‮ ‬جديداً،‮ ‬واهمها معاهدة فرسايل التي‮ ‬انعقدت سنة‮ ‬1919‮ ‬التي‮ ‬انشأت عصبة الامم المتحدة،‮ ‬واتفاقية سان فرانسسكو المنعقدة سنة‮ ‬1945‮ ‬التي‮ ‬انشأت هيئة الامم المتحدة‮.‬

الدول المسيحية

ومن الامور التاريخية المعلومة للكافة ان العضوية الاصلية في‮ ‬الاسرة الدولية كانت مقصورة علي‮ ‬الدول المسيحية القديمة في‮ ‬غرب اوروبا،‮ ‬وان نطاق تطبيق احكام القانون الدولي‮ ‬كان محدوداً‮ ‬بها،‮ ‬لا‮ ‬يتعداها الي‮ ‬غيرها‮.‬

وكلما كانت تنشأ دولة مسيحية جديدة في‮ ‬اوروبا كانت تعتبر إثر نشوئها من الاعضاء الجدد في‮ ‬الاسرة الدولية،‮ ‬وكانت قواعد القانون الدولي‮ ‬تمتد فتحكم علاقاتها بالدول الاوروبية المسيحية الاخري‮ ‬وقت الحرب ووقت السلم علي‮ ‬السواء‮.‬

لذلك انطبع القانون الدولي‮ ‬منذ ظهوره بطابع اقليمي‮ ‬طائفي،‮ ‬وهو لم‮ ‬يزل حتي‮ ‬هذه اللحظة نتاج الحضارة الاوروبية المسيحية‮.‬

ولا شك أن من الاسباب التي‮ ‬يسرت طبع القانون الدولي‮ ‬بهذا الطابع أن العلاقات بين دول أوروبا المسيحية والدول الإسلامية كانت علاقات عداء متبادل،‮ ‬واستمرت كذلك فترة طويلة من الزمان،‮ ‬كما أن العلاقات بين الدول الأوروبية المسيحية وكتلة الدول التي‮ ‬تديق بالبوذية كانت مفقودة تماماً،‮ ‬ولما ازدادت المواصلات بات حتمياً‮ ‬أن‮ ‬يتم الاتصال بين دول العالم الأوروبي‮ ‬من جهة وغيرها من الدول من جهة أخري‮. ‬إلا أن العلاقات الناشئة عن هذا الأتصال كان‮ ‬يتحكم فيها اتجاهان مختلفان‮:‬

الاتجاه الأول‮: ‬الاتجاه الديني‮ ‬الذي‮ ‬دفع الدول الأوروبية المسيحية إلي‮ ‬أن تفتح أبواب مجتمع أسرتها للدول المسيحية التي‮ ‬نشأت وترعرعت خارج أوروبا،‮ ‬أو التي‮ ‬تحررت من ربقة الاستعمار الأوروبي‮ ‬كالولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬وليبريا وهايتي،‮ ‬كما دفعت بها إلي‮ ‬إخضاع علاقاتها معها لأحكام القانون الدولي‮.‬

الإتجاه الثاني‮: ‬الاتجاه الاستعماري‮ ‬الذي‮ ‬دفع الدول الأوروبية المسيحية إلي‮ ‬البناء اعتبار الدول‮ ‬غير المسيحية خارجة نطاق الأسرة الدولية،‮ ‬وعلي‮ ‬نطاق القانون الدولي‮ ‬معاً،‮ ‬ولذلك فإنها أخضعت علاقاتها معها لحكم الاستغلال أو الاستعمار،‮ ‬فعملت علي‮ ‬توسيع نظام الأمتيازات الأجنبية في‮ ‬الدول الاسلامية‮.‬

وقد ظلت الحال علي‮ ‬هذه الوتيرة إلي‮ ‬النصف الأول من القرن التاسع عشر،‮ ‬وفي‮ ‬بداية النصف الثاني‮ ‬من هذا القرن حدث تطور له شأنه،‮ ‬إذ قررت الدول الأوروبية المسيحية الخمس العظمي‮ ‬وقت ذاك‮: ‬فرنسا والنمسا وبريطانيا العظمي‮ ‬وبروسيا وروسيا أن تقبل تركيا الإسلامية في‮ ‬عضوية الأسرة الدولية‮.‬

غير أن عضوية هذه الدولة في‮ ‬الاسرة الدولية ظلت عضوية ضعيفة،‮ ‬ثم قبلت اليابان بعد ذلك عضواً‮ ‬في‮ ‬الأسرة الدولية،‮ ‬وبدخول تركيا واليابان تحرر نطاق القانون الدولي‮ ‬من رابطتي‮ ‬الدين والإقليم الأوروبي‮.‬

وبعد الحرب العالمية الأولي‮ ‬أنفسح المجال أمام كثير من الدول للدخول في‮ ‬عضوية الأسرة الدولية ومن هذه الدول‮: ‬الصين وإيران وسيام والحبشة،‮ ‬ثم تمكنت دول أخري‮ ‬من التخلص من نظام الامتيازات الأجنبية ومن ربقة الاستعمار الأوروبي‮ ‬كمصر،‮ ‬فصارت أيضا من أعضاء الأسرة الدولية‮.‬

ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها شاركت في‮ ‬وضع ميثاق الأمم المتحدة جميع الدول الإسلامية والعربية والإفريقية والآسيوية وبذلك ثبتت عضويتها في‮ ‬الأسرة الدولية،‮ ‬ودخلت علاقاتها الدولية مع‮ ‬غيرها في‮ ‬نطاق القانون الدولي‮.‬

أزمة السويس

وعلي‮ ‬أثر أزمة السويس في‮ ‬نهاية أكتوبر سنة‮ ‬1956،‮ ‬وهزيمة العدوان الثلاثي‮ ‬علي‮ ‬مصر دخل نظام الاستعمار في‮ ‬دور التصفية النهائية،‮ ‬وكان لهذا أثره الحاسم في‮ ‬استقلال شعوب إفريقيا شعباً‮ ‬بعد آخر،‮ ‬وفي‮ ‬أرتقائها إلي‮ ‬مرتبة الدول المستقلة الأعضاء في‮ ‬الأسرة الدولية‮.‬

وليس هناك شك أن القانون الدولي‮ ‬بصورته الراهنة قد تحرر من عيوب الإقليمية والطائفية،‮ ‬إلا أن طابعه الأول لم‮ ‬يزل‮ ‬غالباً،‮ ‬فكثير من أحكامه لا‮ ‬يتواءم مع الروح التحررية،‮ ‬ولا‮ ‬يستجيب للمساواة بين مختلف الدول من‮ ‬غير تمييز بين أديانها وأجناسها وألوانها،‮ ‬ولا‮ ‬يلبي‮ ‬مطالب روح العهد،‮ ‬ولا‮ ‬يطابق بعد ظروف أحواله ويلاحظ أيضا أن انقسام العالم انقساماً‮ ‬سياسياً‮ ‬حطيراً‮ ‬بين المذاهب الشيوعية والرأسمالية والحيادية قد ساعد من جديد علي‮ ‬ظهور الطائفية في‮ ‬النطاق الدولي‮.‬

وقد بدأت ظواهر هذه الطائفية في‮ ‬التكتلات الدولية الحديثة،‮ ‬ومن هنا‮ ‬يحق لي‮ ‬أن أقول ان ملامح القانون الدولي‮ ‬بدأت تتسم بأنه‮ ‬أصبح قانون السلطة فالقانون الدولي‮ ‬اليوم‮ ‬يقوم بوظيفة طبع للمواقف التي‮ ‬خلقها انتصار القوة المسلحة بالطابع القانوني‮ ‬المشروع،‮ ‬وهذا ما تقوم به معاهدات الصلح عادة،‮ ‬كما أن بعض أحكامه تستعمل ذريعة قانونية تخفي‮ ‬السياسات العدوانية التوسعية أو الاستعمارية‮.‬

والقانون الدولي‮ ‬اليوم هو قانون التبادل،‮ ‬فهو‮ ‬يقوم الآن بفرض القيود علي‮ ‬استعمال القوة علي‮ ‬أساس التبادل،‮ ‬كما أنه‮ ‬يفرض امتيازات خاصة أو‮ ‬يفرض التزام نهج جديد في‮ ‬التعدي‮ ‬علي‮ ‬أساس تبادلي‮ ‬بحت،‮ ‬فان زال الأساس التبادلي‮ ‬زال الحكم القانوني‮ ‬تبعاً‮ ‬له‮.‬

والقانون الدولي‮ ‬اليوم اصبح أيضا قانون التناسق،‮ ‬فأحكامه تقوم احيانا بدور ايجاد التناسق بين تصرفات مختلف الدول إلا أن هذه الوظيفة الرئيسية لم تزل في‮ ‬مرحلتها البدائية‮.‬

وظاهر أن مستقبل أحكام القانون الدولي‮ ‬يتوقف علي‮ ‬تطورها ونموها إذ هي‮ ‬وحدها الكفيلة بأن تطبع القانون الدولي‮ ‬بطابع العالمية،‮ ‬وبأن تخلع عنه طابع الطائفية،‮ ‬وبأن تقيم أحكامه وقواعده علي‮ ‬معيار واحد‮ ‬ينطبق في‮ ‬جميع الاحوال بغير تمييز بسبب اللون أو اللغة أو الدين‮.. ‬وإلي‮ ‬اللقاء‮.‬

 

أهم الاخبار