المراهقة السياسية.. خطر يهدد ثورة يناير

ملفات محلية

الأحد, 07 أغسطس 2011 15:31
تحقيق: نشوة الشربيني

الثورة المصرية التي اندلعت يوم 25 يناير أصابها بعض ما يصيب البشر في أطوار حياتهم مما يطلق عليهم المراهقة السياسية ، فهذه الثورة ولدت في سن البلوغ لكنها لم تصل بعد إلي سن الرشد.. ويتساءل البعض: هل كثرة الائتلافات التي وصلت لحوالي 168 ائتلافاً وكلها تحمل اسم شباب الثورة أو يناير فضلاً عن الانقسامات والمصادمات وفقدان الرؤية وعدم تحديد الأهداف والمطالب وتغيير الآراء بين عشية وضحاها وبين ساعة وأخري، في حين يتمسك البعض بآرائه وأفكاره وإصرار البعض الآخر علي رأيه.. هل يعني هذا كله أن الثورة تمر بحالة مراهقة سياسية، فمن المعروف أن الثورات تقوم علي التغيير من واقع سيئ إلي واقع أكثر تقدماً وتحديثاً، غير أن هذه الثورة تعيش حالة غريبة من الانقسامات والاختلالات في الأهداف والأفكار والمقاصد، وعادة ما تظهر المراهقة السياسية بعد الثورات الناجحة بثلاثة أو ستة أشهر، للمطالبة بضرورة تنفيذ مطالب وتحقيق أهداف بسرعة وبشكل فوري والوقوف عند محاسبة الماضي دون النظر لبناء المستقبل أو الاهتمام بالإمكانية الفعلية لتنفيذ هذه المطالب، والمعروف علمياً أن السياسة تقوم علي فن الممكن، فإذا لم يتعامل الثوار مع هذا الممكن بواقعية تحولت مطالبهم إلي شكل من أشكال المراهقة السياسية سواء من خلال تحديد مطالب يصعب تحقيق تنفيذها أو المناداة بأمور يستحيل تحقيقها أو سرعة الانتقال بالمطالب من شبه المستحيل إلي الممكن.. فليس كل ما يطلبه الثوار قابلاً للتحقيق علي أرض الواقع.

وباختصار يمكن القول بأن بعض شباب الثورة نتيجة لمحدودية خبراتهم أو رؤيتهم السياسية أتاحوا الفرصة لبعض السياسيين والمنتفعين والمتسلقين إلي إظهار نوع من المراهقة السياسية المتأخرة في محاولة لسرقة الثورة أو القفز عليها أو تفريغها من مضمونها أو مجرد الوقوف عند الكلام والحديث والأقوال دون العمل والإنجاز والأفعال، وهذا نتاج طبيعي لعدم وجود قائد لهذه الثورة يكون علي دراية ووعي بخطورة هذه التوجهات غير الشريفة أو حتي وجود برنامج سياسي محدد أو أهداف أو حكماء يديرونها.. لذلك كانت مطمعاً لكل ما يسول له نفسه أن يوجهها كيفما يشاء وربما يرجع ذلك إلي مثالية الثوار التي تظهر في العديد من المطالب شبه المستحيلة لعدم درايتهم بالعمل السياسي، وهناك من يري أن التدخل في اختيار الوزراء حق له وهناك من يحاول الوقيعة بين القوي السياسية الموجودة في الميدان وبين الشعب والجيش، وهناك ما كان أخطر من ذلك في سرقة الثورة تحت اسم الدين أو الانسحاب إلي الماضي ولن يقدم لنا أحد رؤيته المستقبلية لمرحلة الرشد والعقلانية للثورة المصرية، وقد فتح الثوار الباب لما يعرف بـ «المطالب ذات العناوين العريضة» مثل: دم الشهيد والقصاص والعدالة الاجتماعية والحد الأدني والأقصي للأجور وتحقيق المطالب الفئوية.. بالإضافة إلي هتافات البعض بإقالة المجلس العسكري وعودة العسكر إلي ثكناتهم دون طرح البديل المناسب أو إقالة شرف والقضاء علي الفساد ورغم مشروعية المطلب الأخير إلا أن هذا المطلب لا يتم بين عشية وضحاها.. مما يشير إلي أننا نعيش ما يطلق عليه المراهقة السياسية أو المراهقة الثورية فما هي صور وأشكال المراهقة السياسية وأبعادها وما خطورتها في هذه المرحلة، وكيف يمكن تجاوزها للوصول بالثورة إلي مرحلة الرشد والعقلانية؟!

بداية هناك نوعان من التغيير المجتمعي كما تشير الدكتورة ماجدة جبريل - عضو وحدة بحوث الأزمات بكلية التجارة جامعة عين شمس - النوع الأول: التغيير الثوري وهو الأوسع، والنوع الثاني: التغيير التدريجي الذي يتم علي مراحل متعددة، فعلي مجلس الوزراء والمجلس العسكري المصري باعتبارهما الجهات المعنية باتخاذ القرارات الاستراتيجية ضرورة اختيار الأسلوب الأمثل للمرحلة القادمة حتي يمكننا الخروج من هذه الفترة الحرجة، وذلك بتحديد مجموعة من الأهداف المدروسة من خلال جمع بيانات وتحليلها عن متطلبات المرحلة القادمة حتي يمكن وضع خطة واضحة ومعرفة القرار الأنسب للنهوض بالأوضاع الراهنة التي تمر بها البلد.. فهل سيتم اتخاذ قرارات سريعة أم قرارات تسير تدريجياً علي مراحل متعددة وتأخذ وقتاً أطول حتي يكون ذلك واضحاً أمام كافة فئات الشعب، خاصة الثوار لكي تهدأ الأوضاع الحالية وتسير هذه الفترة الحرجة بسلام.

فيما يؤكد كمال زاخر - المفكر القبطي - أن المراهقة

الثورية بدأت مع انتفاضة الثوار والخطأ هنا كان من البداية فالأمر يحتاج من المجلس العسكري إلي استخدام الحسم والحزم وهي سمة من سمات القوات المسلحة، بالإضافة إلي المواجهة الحقيقية لكل المشاكل الموجودة في المجتمع لأنه لا ينبغي ترك الأمور هكذا، لأن ذلك ليس في صالح أحد.. لذا نطالبه بضرورة اتخاذ قرارات سريعة ومواقف واضحة تجاه المشاكل المجتمعية وعدم الانصياع للضغوط التي يتعرض لها ولا يتحسب لردود الفعل، فنحن الآن لا نملك طريق التجريب، بل إننا نمر بمرحلة انتقالية في منتهي الخطورة، والكرة حالياً في ملعب المجلس العسكري، وهو الذي يملك الشجاعة والثقة في اتخاذ القرارات وكفانا خراب ودمار وخسائر اقتصادية فادحة وتعطل في حركة الإنتاج والبلد بصفة عامة، وأخشي من توسع هذه المرحلة أكثر من ذلك.

وأعرب «زاخر» عن استيائه الشديد من أجهزة الإعلام باتخاذها الثوار والثورة كوسيلة للفرقعة الإعلامية وتغلب مصلحتها الشخصية علي المصلحة العامة، مما ساهم في تضخيم هذه المشكلة، حتي أصبح الثوار بين ليلة وضحاها نجوماً رافضين سماع أحد من أصحاب الخبرة أو الأكثر حكمة أو كفاءة أو سناً، وعادة ما تظهر المراهقة السياسية بعد الثورات الناجحة بمدة 3 أو 6 أشهر وهو ما حدث بالفعل فإذا تم التمسك بالقضايا الأساسية وعقاب الفاسدين وحدث حالة إعدام واحدة فقط سيتم الانتهاء من قضايا الانفلات الأمني.

ووصف الدكتور أحمد يحيي - أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قناة السويس - حالة المراهقة السياسية بأنها وبال علي الثورة وتدفعها إلي اتخاذ قرارات وأفعال ليس لها صفة الموضوعية أو العقلانية، وهذا ما حدث للأسف مع ثورة 25 يناير نتيجة لفقدان الرؤية السياسية القائمة علي أهداف سياسية محددة وعلي إمكانيات قابلة للتنفيذ مما أدي إلي ظهور الانقسامات والائتلافات والصراعات نتيجة لكثرة المطالب والوقوف عند محاسبة الماضي دون النظر لبناء المستقبل، وهذه المراهقة غالباً ما تضر الثورات وتزيد من حدة الصراعات بين عناصرها وفئاتها، ولهذا فالثورة الناجحة تحتاج إلي اتباع الخطوات العقلانية والرشادة السياسية التي يقوم بها الحكماء والعقلاء وأصحاب الخبرة في المجتمع الثوري.

ويري الدكتور «يحيي» أن الثوار ينظرون إلي آرائهم باعتبارها الرأي الصائب الوحيد وأن مطالبهم هي المطالب السريعة والفورية والقصوي، واعتقد أن حالة المراهقة السياسية لدينا نتيجة عدم خبرة من قاموا بها، فإذا فقدت العقلانية في الحركة الثورية تحولت الثورة إلي شكل من أشكال المراهقة السياسية يسمح فيها لكل من هب ودب صغيراً أو كبيراً بالتدخل في هذا الشأن لذلك فهي تختلف عن الثورات المنظمة.

ويأمل الدكتور «يحيي» بضرورة تجاوز مرحلة المراهقة والوصول إلي مرحلة العقلانية، حيث ستبدأ هذه المرحلة العقلانية مع استقرار الأوضاع السياسية الممكنة في ظل وجود دستور يقره الشعب ووجود البرلمانيات التي تعبر عن ممثلين حقيقيين للمجتمع ووجود حكومة قادرة علي إدراك شئون الدولة وفق خطط وبرامج محددة وواقعية وليست خيالية أو فورية مع وجود مؤسسات رقابية قادرة علي تصحيح مسار الحركة الثورية ووصول المجتمع إلي مرحلة الرشادة والتريث.

محمد سرحان - نائب رئيس حزب الوفد وعضو مجلس شوري وفدي سابقاً - أكد أن ظروف المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد حالياً فرضت ما يسمي بحالة المراهقة السياسية التي سرعان ما تنتهي بزوال هذه المرحلة الانتقالية بما فيها من أفكار مشوشة وغير ناضجة، ويتم ذلك من خلال إجراء انتخابات برلمانية جديدة علي أن يقوم مجلس الشعب بتشكيل لجنة لوضع دستور جديد ثم إجراء انتخابات رئاسية، حتي نتمكن من تحقيق الاستقرار للأوضاع الحالية.

وطالب «سرحان» المواطنين بضرورة ترك الفرصة الملائمة لصناع القرار لكي يتمكنوا من إصلاح الأوضاع غير

المستقرة في البلد وحتي تظهر ملامح هذا الإصلاح في الشارع المصري بوضوح، وذلك لأن سياسات الدولة لا تخضع لعلاج اللحظة ولكننا نأمل خيراً في الأيام القادمة.

فيما أكد محمد الجوادي - المفكر السياسي - أن المراهقة الثورية ظاهرة صحية وهي تدل علي الفترة العفية والحافلة بالصحة في حياة الثائرين وهذه الفترة لابد أن تستوعب في العمل أو الرياضة أو العبادة وإذا لم يتم استيعابها ستتحول إلي مشكلة كبري، والملاحظ أن جمود الوضع الحالي علي ما هو عليه جعل رئيس الوزراء الحالي وحكومته عاجزين عن استيعاب هذه المراهقة، فقد كان من الممكن إقامة معسكرات شبابية في سيناء والساحل الشمالي لزراعة الزيتون والبنجر، فهذه الزراعات يمكن لها أن تقوم علي ندرة المياه والمياه المالحة، وكانت ستعود بفائدة كبيرة علي هؤلاء الشباب، فضلاً عن إتاحة الفرصة لهم للتربية السياسية والتعبير عن الرأي لكل أصحاب النفوس الضعيفة الذين أنتجتهم ثورة 52 من قبل أعضاء الحزب الاشتراكي والحزب الوطني والمستفيدين من النظام الذين حرصوا أن يشعلوا المجتمع السياسي بقضايا مفتعلة مثل قضية الدستور أولاً وكانت النتيجة أن الشباب لجأ إلي مراهقته بما فيها من قوة وصحة لمواءمة هذا العبث الذي لم ينته لأنه في جميع الأحوال ستظل هناك أسئلة سياسية أبدية من قبل نسبة 50٪ عمال وفلاحين وكوتة المرأة وتوزيع الدوائر والسماح بالترشح لمزدوجي الجنسية ولمن لم يؤدوا الخدمة العسكرية.. إلخ.. وهذه القضايا يمكن أن تصبح ميداناً رحباً لتوظيف الشباب ضد الثورة والشعب.

وأعرب «الجوادي» عن أمله العميق في إدراك شباب الثورة لهذه الحقائق وأن لجوءهم لهذا الاعتصام كان لوضع حد لهذا العبث الذي تمارسه وتديره فلول الحزب الوطني والأحزاب الكارتونية التي عاشت معه في وئام وسلام حتي أصبحت أحرص علي مصالحها من فلول الحزب الوطني.

«لابد إذن من اتخاذ إجراءات سريعة في اتجاه وضع دستور ديمقراطي».. كما يشير نبيل زكي - أمين الشئون السياسية والمتحدث الرسمي باسم حزب التجمع - إلي أن مصر تعيش حالة من المراهقة السياسية وهو ما يعني اتخاذ مواقف أو رفع شعارات ومطالب أبعد ما تكون عن الواقعية، وتتجاوز كل العوامل التي تشكل الموقف وتؤثر فيه خلال ظروف معينة، كما أن المراهقة السياسية تعني نوعاً من العنترية التي تدعي البطولة ولا تحترم مواقف الآخرين وتسعي للتمايز عن هؤلاء الآخرين بأي صورة من الصور وتميل دائماً إلي المزايدة والقفز علي الأوضاع القائمة وتتخذ أحياناً شكل الشطحات.

وأضاف «نبيل زكي» أن الشعب يعيش حالياً في دوامة لا تنتهي فلن تحصل أي حكومة يتم تشكيلها علي مواقفة بالإجماع بسبب تعدد الآراء والتقسيمات والرؤي السياسية فالبعض يتقبل تشكيل الحكومة الجديدة ويرفضه البعض الآخر، أما في حالة تشكيل وزارة حصل عليها حزب سياسي أو مجموعة أحزاب متتالية علي أغلبية برلمانية فستكون قد حصلت علي تفويض من الشعب ولا أحد يستطيع أن يعترض عليها، مضيفاً أن من أهم صفات المراهقة السياسية الاستغراق في التفاصيل الثانوية والهامشية، موضحاً أن حركة المحافظين الأخيرة التي تم فيها إيفاد أشخاص غير مؤهلين للأعمال الموكلة إليهم أضاع هيبة الدولة وأهدر القانون.

وأوضح «زكي» أن المخرج الوحيد من هذه المرحلة الانتقالية يتمثل في وضع خريطة الطريق، أي وضع دستور ديمقراطي جديد وهو الذي يحدد لنا أسس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والحريات العامة وحقوق المواطنين ويضمن عدم عودة الديكتاتورية مرة أخري، وبالتالي سيشعر المواطن بالاستقرار وبأننا وضعنا نظاماً سياسياً مستقراً يحل محل النظام السابق، مع ضرورة تملك مجلس الوزراء كافة السلطات وأن يكون رئيس الجمهورية صاحب سلطات محددة للغاية.

وأكد د. نبيل زكي أهمية نقل مطالب الجماهير من الشوارع والميادين إلي داخل البرلمان وأن يتم تشكيل البرلمان من خلال تفويض شعبي أي من ممثلي الشعب الحقيقيين عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة 100٪ وأن تكون الحكومة ممثلة من هذا البرلمان ويرجع ذلك إلي الدستور الذي يجري علي أساسه الانتخابات ويطرح علي الرأي العام ومن ثم اختيار رئيس جمهورية ثم برلمان.

وحدد وحيد الأقصري - رئيس حزب مصر العربي الاشتراكي - خطوات أساسية لابد من اتباعها حتي تنتهي مرحلة المراهقة السياسية وتتمثل في اختيار قيادة موحدة يتم انتخابها من ميدان التحرير وبالتفويض من المحافظات الأخري، لتكون هذه القيادة عبارة عن مجموعة من الأفراد تمثل الثورة وتتحدث باسم الثورة وتناقش وتحاور المجلس الأعلي للقوات المسلحة والحكومة حتي يكون هناك مصداقية وشفافية وطهارة، لأن ما حدث يؤكد أن هناك تباطؤاً وتدخلات من جهات عديدة تحمل اسم الثورة قد تختلف كثيراً وتتفق قليلاً، للتعبير عن الديمقراطية الحقيقية وتكون أعظم ثورة في التاريخ.

وأضاف «الأقصري» أنه من الممكن أن تطرح قيادة الثورة علي كل المحافظات الأخري عن طريق الفيس بوك للاتفاق علي مطالب الشعب ومن سيمثلهم حتي ننتهي من هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد.

وطالب «الأقصري» الحكومة بضرورة نقل مبارك إلي سجن طرة ومحاكمته بشكل سريع هو وزوجته ونجليه لإثبات حسن النية وإعادة الثقة بين المجلس الأعلي للقوات المسلحة والمواطنين مع إعطاء الوزراء مهلة 3 شهور لإثبات كفاءتهم من عدمه مع تعهد هؤلاء الوزراء بحل المشاكل المجتمعية العاجلة خلال فترة وجيزة حتي تظهر معالم هذه السياسة بوضوح.

أهم الاخبار