مخاوف من حرب في ميدان التحرير

ملفات محلية

الخميس, 28 يوليو 2011 18:28
محمد عبداللطيف-حسام السويفي


لم يعد خافيا علي أحد، أن مصر الآن تمر بلحظات مشحونة بالتوتر والقلق، وتنامي حالة الاحتقان. علي خلفية المزاد العلني في تبادل الاتهامات والتخوين والتراشق بالكلمات. بين بعض التيارات والقوي السياسية المختلفة، ووسط هذه الأجواء الضبابية، يأتي الاستعداد المحموم لحشد مظاهرة مليونية غدا الجمعة 29/7/2011 وصفت بأنها ستكون الأهم، والأكثر لفتا للأنظار من كافة المتابعين للشأن العام دون غيرها من المظاهرات التي أعقبت ثورة يناير. باعتبار أن تداعياتها محرضة علي الصدام بين الأطراف المشاركة فيها. وربما يدفع الاستمرار في تنامي الصراعات والصدامات إلي خلق حالة من الفوضي العارمة، تكون هي أيضا محرضة علي ضيق صدر القائمين علي أمر إدارة شئون الدولة. فلا يكون أمامها سوي خيار وحيد لمواجهة الفوضي التي يخشي الجميع من حدوثها.. وهو فرض القوانين الاستثنائية.

مظاهرات الغد في ظل تلك الأجواء. ستكون مؤشرا حاسما وقاطعا لمسيرة الثورة. باعتبارها فرصة لإنجاز المهام، وتنفيذ المطالب، أو التناحر بين القوي السياسية والإخفاق. فهي حملت شعارات ومسميات من شأنها تعميق حالة الخوف من الانزلاق في متاهات الصراع الذي لن ينجو منه أحد. فلغة التهديد والوعيد بين الفرقاء السياسيين علت نبرتها بصورة لافتة. وحدتها تهدد ما تحقق من مكاسب وإن كانت ضئيلة وغير معبرة عن الطموحات والآمال المرجوة من الثورة. فالتيارات التي يتم ترويجها عن مظاهرات الجمعة القادمة. تذهب إلي أن حربا قادمة. لا أحد لديه القدرة علي التنبؤ بنتائجها وإلي أين سيكون مداها. فالتيارات الدينية أطلقت عليها جمعة التطهير والهوية. وترمي إلي تطهير ميدان التحرير من المعتصمين فيه، وبالتمسك بالهوية الإسلامية. ورفضا للتيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية.. وقوي الثورة باعتبار أن مثل هذه التيارات خروج علي الدين.. لكن هناك لغة متزنة، للقوي والأحزاب السياسية الفاعلة، التي قررت المشاركة بحشود من شبابها. وهي شعار مصر أولا.. والتي يرفعها حزب «الوفد» وأحزاب أخري رئيسية، من التي أعطت لشبابها التواجد مع المتظاهرين منذ اليوم الأول. فقررت تلك الأحزاب اتخاذ التدابير، لحشد المزيد من شبابها، بفرض إنجاح المليونية السلمية، وتفويت الفرصة علي بعض الأطراف من خلق الوقيعة بين المتظاهرين علي مختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية لدفع البلاد إلي هاوية الصدام والتناحر. وربما تكون اللغة المتزنة، هي الدافعة لصناعة الهدوء. فعلي خلفية الاستعدادات، كانت تجري مفاوضات بين أطراف عدة. لإبعاد المتشددين من ميدان التحرير خشية حدوث مشاحنات، حول ما تردد عن الاتهامات بالحصول علي مبالغ من جهات أمنية. الأمر الذي رفضته القوي السياسية لإبعاد لغة التخوين من الحوار الوطني، وحتي لا توصم الثورة بمثل هذه الاتهامات.

وفي المقابل اتخذ شباب ائتلافات الثورة، شعارًا آخرًا لمواجهة التيارات الدينية. وأطلقوا عليها جمعة الشرعية الثورية.

التناقض الشكلي في الأطروحات يحمل في مضمونه ما يثير الفزع من صدامات ومناوشات، ليتحول علي اثرها ميدان التحرير إلي ساحة متسعة للاقتتال والتناحر. ومنصات للمعارك الكلامية بين الفرقاء. وربما تقود مثل هذه الصراعات إلي أبعد من تلك التصورات. بأن يتحول شباب الائتلافات والمعتصمين والجماعات الإسلامية والسلفيين، إلي ميليشيات يواجه بعضها البعض. مظاهرة «الغد» صارت بقدرة قادرة محل اهتمام كافة التيارات، بغرض تحقيق مكاسب في الظروف التي يتم فيها إعادة بناء الدولة، علي أسس جديدة وبتصورات ترسخ لمفاهيم غير التي كانت سائدة في عهد النظام البائد، فالتيارات الدينية اكتسبت شرعية ممارسة العمل السياسي بصورة علنية من خلال تأسيس الأحزاب، والانطلاق عبر وسائل الإعلام، وتحاول الهيمنة واحتكار العمل العام مستغلة في ذلك قدرتها التنظيمية، وائتلافات شباب الثورة، والقوي الأخري. انتزعت حقوقا في ظل وجود قوانين، تمنع ممارسة هذه الحقوق ومنها التظاهر. والاعتصام.. وتري أنها الأولي برعاية المطالب الثورية. وفرض إرادتها علي صانع القرار.

كانت كل هذه المتناقضات والاختلافات في التصورات، أشبه بالنيران المستعرة تحت الرماد.. نفخت فيها تصريحات قيادات الجماعة الإسلامية من ناحية، والاعتداءات التي حدثت ضد بعض قيادات الجماعة السلفية، من ناحية أخري.. فظهرت بوادر النيران علي سطح الأحداث وساهم في إشعالها ما جري من مصادمات في منطقة العباسية.. وعدم انصياع المتواجدين في ميدان التحرير للدعوات المتكررة، بعدم الصراع مع الجيش، لأنه يخلق فتنة ستضر بالدولة.. ولا تتحقق معها أية مطالب من التي يرفعها المتظاهرون. الأمر الذي استفز الجماعات الإسلامية، التي تريد أن ترد بصورة علنية علي شباب الائتلافات وكفاية، والقوي

الأخري، بالحشد لمليونية الغد.. فقد انتهت قيادات من الاتصال بعناصرهم في المحافظات المختلفة، بغرض المشاركة واستعراض القوة، أما السلفيون فأعلنوا أنهم سيشاركون بـ 100 ألف من عناصرهم. صدرت لهم التعليمات بالتوافد إلي القاهرة عبر أتوبيسات تم تأجيرها لهذا الغرض.

المعلومات المتسربة من كواليس الجماعة تشير إلي أن اتفاقا تم بين كافة الاتجاهات الإسلامية علي تشكيل فرق من الشباب لتأمين جميع مداخل ومنافذ ميدان التحرير. وفي ذات السياق حذرت القيادات السلفية عناصرها بعدم الانسياق وراء أية استفزازات تحدث من أي فصيل.

الغريب في الأمر، أنه لأول مرة يجتمع التيار السلفي علي رؤية موحدة، وهي العداء المعلن للتيارات الليبرالية والعلمانية واليساريين، رغم وعودهم للمجتمع المدني، بقبول فكرة الانخراط في الدولة المدنية، والاتجاه الديمقراطي. وهو الأمر الذي يشير بقوة إلي أن الثورة تحولت إلي ساحة للصراعات، واستعراض القوة، بدلا من المطالبة بالمبادئ الأساسية، التي تجمعت من أجلها القوي والتيارات الشبابية المختلفة في ثورة يناير، وهو ما يدفع إلي تنامي الخوف من المواجهات، وخاصة أن كافة القوي والأحزاب والائتلافات قررت التواجد بفاعلية، في هذه المظاهرة، التي تأتي عقب أحداث ومواجهات بين المتظاهرين في ميدان التحرير، والأهالي في منطقة الظاهر والعباسية.. اثر محاولات التوجه إلي مبني وزارة الدفاع.. فاتخذت الجماعة الإسلامية موقفها المضاد لهذه التوجهات ومعها السلفيون. وانضم إلي المشاركين الهيئة الشرعية للإصلاح، التي تكونت عقب ثورة يناير، وأعضاؤها مجموعة من شيوخ الأزهر. الاتجاه القوي للحشد في هذه المظاهرات. جعل البعض ينتابه قدر من الخوف، ربما يختلف بشكل جذري عن المخاوف التي كانت تسبق الدعوة لمليونيات أخري، التي تعددت عقب اندلاع ثورة يناير.

وتأتي هذه المخاوف لدي الرأي العام. علي خلفية إعلان التيارات الإسلامية مثل الجماعة الإسلامية والإخوان والسلفيين عن نيتهم النزول إلي ميدان التحرير، وإصرارهم علي إطلاق شعار تطهير الميدان من المعتصمين. الأمر الذي دفع القوي المتواجدة في التحرير بإعلان شعار مضاد.. ليبدأ المشهد السياسي والثوري في التعقيد، فالتصريحات التي أطلقها عاصم عبد الماجد عضو مجلس شوري الجماعة الإسلامية التي وصف فيها المعتصمين بالعملاء والقيام بأعمال منافية للآداب ساهم في تنامي حالة النفور بين الجانبين، والاستنفار في حشد القوي المؤيدة لكل طرف من الأطراف. الأمر الذي سيقود إلي حالة من الصدام المتوقع. وهذه التوقعات جعلت شباب الائتلافات يحتمون بالسلفيين المعتصمين بالميدان.. وكان اتفاق قد جري في الكواليس برعاية محمد عبدالمقصود أحد مشايخ السلفيين، وعضو خيمة السلفيين في التحرير. علي تشكيل لجان حماية خشية أي اعتداء محتمل من الجماعة الإسلامية.. وهو ما يشير إلي إمكانية حدوث صدام بين الجماعات المختلفة في التيار الإسلامي.

الجماعة الإسلامية المتحفزة من ناحية والسلفيون المرتبطون باتفاق مع شباب ائتلافات الثورة من ناحية أخري. وعقب هذا الاتفاق تباينت الرؤي في صفوف قيادات الجماعة الإسلامية، منهم من يحاول تصعيد الخلافات إلي أبعد مدي، وجانب آخر يتزعمه عبود الزمر يرغب في التهدئة، ويري ضرورة الإعلان عن عدم الاعتداء علي أي من المعتصمين، وطالب كل فئات الشعب بالمشاركة في المليونية. وكانت هذه الرؤية التي أعقبها تصريح بهذا المعني من عبود الزمر، باعثة إلي حد ما في تقليل حدة التوتر والتحفز بين الأطراف المختلفة، قبل يومين من انطلاق المظاهرات الحاشدة التي يتنافس في الحشد لها كافة القوي، ما ذهب إليه عبود الزمر، كان متناقضا بشكل كبير مع ما رمي له عاصم عبدالماجد، الذي ينتمي إلي نفس الجماعة فكانت التهدئة بالنسبة له هي عودة المخاوف من جديد، وإن اختلفت العبارات، فقد أشار مساء الثلاثاء إلي أنه لن يسمح لأي شخص من شباب الثورة، بالاعتداء علي شباب الجماعة الإسلامية، مشيرا في نفس الوقت، إلي أن المعتصمين في ميدان التحرير، هم الذين بدأوا

بالعنف لافتا إلي أن جماعته لن تبدأ بأية أعمال تهدف إلي الصدام مع أي طرف. لكن سيكون الرد عنيفا إذا تجرأ أحد بالاحتكاك معهم.

كما وصف عبدالماجد، المعتصمين بالأقلية، ويريدون فرض ديكتاتوريتهم علي الأغلبية. مشيرا إلي أن المجلس العسكري وعصام شرف ساعدوهم علي أن ترتفع أصواتهم، بالرضوخ لابتزازهم وتحقيق مطالبهم بشكل مستمر ومستفز. مؤكدا أن الجماعة الإسلامية ستطالب خلال المليونية باحترام الإرادة الشعبية التي تمثل الأغلبية، بأن تكون الانتخابات أولا. ورفض المبادئ فوق الدستورية.

التصريحات التي أطلقتها الجماعة الإسلامية قادرة وحدها علي خلق حالة من الصدام، حال الإصرار علي رفع الشعارات المطروحة، لأن تلك الشعارات ليست مؤيدة من الليبراليين واليساريين.

حالة التوتر بدت مشاهدها واضحة لكافة المتابعين لما يجري من استعدادات. وربما كان ذلك دافعا لأن تسعي الجماعة السلفية، لتخفيف حدة التوتر بأن أصدروا قائمة أخلاقية علي الفيس بوك تتضمن عدم الصدام، أو الاستفزاز من طرف لآخر، بالقول أو الفعل وعدم رفع الشعارات التي تفرق صفوف المتظاهرين. مطالبا التيارات الإسلامية بأن تكون لها منصة واحدة، وأكدت الجماعة أن خطيب الجمعة سيكون مفاجأة من العيار الثقيل.

ولم تبعد جماعة الإخوان عن الأحداث المشتعلة، بل تقف في قلبها.. فهي تعتزم الالتزام بقرار اللجنة التنسيقية الإسلامية التي تتكون من قيادات الجماعة الإسلامية والتيار السلفي والإخوان علي التواجد في منصة واحدة. يلقي عليها الدكتور محمد البلتاجي كلمته. دون عرض أي مطالب تخص الجماعة. ولكن سيتم استعراض النقاط المشتركة المتفق عليها بين الفصائل الإسلامية. وجري الاتفاق بين قيادات الإخوان، علي الإعلان أيضا عن رفض المبادئ فوق الدستورية، وعدم التعرض للجيش مثلما حدث في مواجهات العباسية.. وهذا علي خلاف ما جري الاتفاق عليه من بقية القوي المشاركة، ومنها شباب الائتلافات والمعتصمين في الميدان.. الذين يرون طرح الدستور أولا. وفي سياق متصل بالتحضير تدرس الجماعة الإسلامية، تغيير شعار يوم الجمعة من التطهير، إلي «إيد واحدة». تجنبا لأية صدامات وفي المقابل دعا بعض المعتصمين والقوي السياسية، من الليبراليين واليساريين، لعقد اجتماع بغرض اقناع شباب ميدان التحرير. بعدم التعرض للإخوان والجماعة الإسلامية، وتحديدا عاصم عبدالماجد... ومن ناحية أخري متصلة بالأحداث.. أصر عدد من الائتلافات التي بلغ عددها 180 ائتلافا، علي مواصلة اعتصامهم والاشتراك في المليونية، التي تحمل شعارا بأنها المليونية الإسلامية.. إلا أن بعض التيارات قررت الانسحاب مثل الجبهة الوطنية، للتغيير، والحزب المصري الديمقراطي، وقاموا جميعا بإزالة الخيام الخاصة بهم من الميدان.

لم تغب مواجهات العباسية عن المشهد، فهي كانت بمثابة جرس إنذار بأن أية مواجهات أخري ستدفع بالبلاد إلي حافة الخطر. وخاصة أن الأمر متعلق بالقوات المسلحة، والدعاوي من بعض التيارات والقوي لإزالته تتمسك بأطروحاتها الرامية إلي خلق مصادمات مع الجيش، إضافة إلي الغلو في المواقف السياسية مع التيار الديني المتشدد ودخوله في حرب كلامية مع بعض القوي التي ترفع شعاراتها ضد المجلس العسكري.. هذه الأمور وغيرها حاضرة بقوة في مليونية الغد. التي تأتي علي خلفية اتهامات بالعمالة. والتخوين لبعض شباب الثورة والحركات السياسية ناهيك عن التربص الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق فنحن الآن أمام مشهد معقد، انقسام في الرأي داخل الجماعة الإسلامية ما بين مؤيد للصدام ورفع حدة الشعارات، والتهدئة وتحالف بين بعض السلفيين المعتصمين في ميدان التحرير، مع القوي والائتلافات التي تشكلت علي خلفية ثورة 25 يناير. ومشاركة من الإخوان لا تسبقها أية تصريحات سوي الشكلية التي تعبر عن هدوء في الرؤية.. وتحفز من شباب الحركات السياسية، التي دخل بعض منها في دائرة الاتهامات والتخوين، والعمالة لصالح أجندات أجنبية.

كل هذه التفاصيل تشير إلي أن الأمور ليس لها ضابط أو حاكم، وتسير في اتجاه الصدام، الذي يقود إلي الفوضي.. فالتيارات المختلفة التي توحدت أثناء الثورة بغرض إسقاط نظام مبارك، وطالبت بشكل لم يتم الاتفاق عليه.. بمحاكمة رموز هذا النظام. تتعرض الآن للتفكك، ومحاولة استحواذ بعض الأطراف علي مقاليد اللعبة السياسية في البلاد. إضافة إلي محاولات أخري تجري علي قدم وساق من بعض الشخصيات الداعمة للائتلافات، في الحصول علي دور بحثا عن الزعامة وأدت هذه الأمور إلي خلق حالة من النفور تجاه الاستمرار في المظاهرات، والاحتكاك بالقوات المسلحة وتعلية سقف المطالب، بما لا يتناسب مع إعطاء فرصة لإعادة بناء الدولة، بعد انهيار النظام.

الجميع الآن في انتظار ما سيحدث غدا، ويتطلع إلي نجاح المفاوضات التي تهدف إلي عدم التصعيد في لغة الحوار، أو طرح الشعارات والهتافات المستفزة للأطراف المشاركة.

وعلي جانب آخر من الأحداث المحيطة بالاستعداد لمليونية الغد، والتي تحاول بعض الأطراف احتكارها كنوع من الاستعراض، وإثبات الغلبة، صدرت عدة بيانات، في اتجاه رفض اتهامات التخوين التي صدرت من بعض قيادات الجماعة الإسلامية من بينها ذلك الذي أصدره ممدوح حمزة، رافضا فيه اتهامات بالعمالة والحصول علي تحويل من جهات أجنبية، والتشكيك في المواقف الوطنية، وذلك في إطار دفاعه عن قوي الثورة. وتزامن هذا البيان مع اللهجة التي ألقي بها قيادات الجماعة الإسلامية، الاتهامات بالعمالة والتخوين.

المخاوف مازالت تسيطر علي الرأي العام من الاحتكاك والسعي إلي إثبات الغلبة والقوة في ميدان التحرير بين قوي التقت مطالبها، وسرعان ما سعي كل منها لللفوز بجزء من التورتة، واعتبار أن العمل السياسي حكر علي فئة دون غيرها. ويأتي ذلك كله في ظل سعي الأحزاب الكبيرة لضبط الأمور وتهيئة المناخ لإقامة حياة ديمقراطية، يشارك فيها الجميع.

أهم الاخبار