قانون البناء الموحد هل يوقف انهيار العقارات؟!

ملفات محلية

الأربعاء, 22 ديسمبر 2010 16:47
تحقيق: أماني زايد


رغم ما جري من تعديلات منذ عدة أشهر علي اللائحة التنفيذية لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008. والصادر في 11 مايو 2008، والذي انطوي علي العديد من السلبيات جعلت خبراء الإسكان والمتخصصين يطالبون بإعادة تعديل بعض مواده، خاصة بعد تفشي الفساد في المحليات، وتراكم العشوائيات وتواصل مسلسل انهيارات العديد من العقارات والتي كان آخرها مصنع وعمارات في الإسكندرية وسوهاج والقاهرة، في ظل غياب الدور الرقابي للجهات المعنية، وانتشار ظاهرة الرشوة وعلي الرغم من مرور ما يقرب من عامين علي إصدار القانون إلا أنه مازال حتي الآن حبراً علي ورق.

كان من أهم التعديلات التي جرت مؤخراً علي قانون البناء الموحد المادة رقم 19 وفيها تمت زيادة الكثافة البنائية المسموح بها، عند إعداد الاشتراطات البنائية المؤقتة، كما تمت زيادة الكثافة لإجمالي مساحة الأراضي بالقري لتصبح 4 مرات بدلاً من مرتين وفي المدن 6 مرات بدلاً من 4 مرات، وفقاً لعرض الشوارع مما يتيح زيادة عدد الأدوار المسموح بها، هذا فضلاً عن المادة رقم 115 والخاصة بالمستندات المطلوبة في حالة استخراج تراخيص تعلية، فقد تم إلغاء مستند صورة الترخيص الصادر للعقار، مع تقديم تقرير من مهندس إنشائي لديه خبرة لا تقل عن 15 سنة للتأكد من السلامة الإنشائية للعقار مما سيسمح بالتعلية بدون ترخيص.

ووفقاً لتعديل المادة رقم 108 فإنه تم إعفاء القري من شرط توفير أماكن انتظار السيارات، مع جواز قيام المحافظ المختص بوضع اشتراطات لتوفير أماكن انتظار لبعض القري وذلك بعد العرض علي المجلس المحلي.

كما تم استحداث المادة رقم 135 مكرر بالتطبيق للمادة رقم 59 للقانون وتتضمن حدود التراجع عن الإزالة في بعض المخالفات التي تحدث أثناء التنفيذ، موضحاً أن التجاوز سيكون لبعض الأخطاء البسيطة في تنفيذ ارتفاعات المبني بحيث لا تشكل دوراً كاملاً للمبني.

ارتفاع أسعار العقارات

علي الرغم من صدور قانون البناء الموحد الذي قالت الحكومة: إن هدفه حل أزمة الإسكان، وتبسيط الإجراءات علي المواطنين، إلا أن الوضع ازداد سوءاً في ظل انتشار الرشاوي بين مهندسي الأحياء، وارتفاع أسعار الوحدات السكنية وعدم قدرة المواطنين علي شرائها، وذلك بعد أن رفعت الدولة يدها عن مسألة المساكن، وفتحت الباب علي مصراعيه أمام الشركات الاستثمارية التي قامت ببيع الوحدات السكنية بأسعار باهظة، في ظل تحول مشروعات الإسكان التي تهدف لمساعدة الشباب ومحدودي الدخل إلي مشروعات استثمارية يصل فيها سعر الوحدة السكنية المتواضعة إلي 150 ألف جنيه.

انهيار العقارات التي حدثت مؤخراً في محافظات الإسكندرية والقاهرة وسوهاج لن تكون الأخيرة، مادامت لم تطبق القوانين بصرامة، وتواصل مسلسل هذه الانهيارات أثار التساؤلات حول قانون البناء الموحد، وهل سيظل حبيس الأدراج.

الانهيارات مستمرة

فمنذ أيام لقي 6 أشخاص مصرعهم في انهيار منزل بسوهاج مكون من 3 طوابق وأرجعت المعاينة أن سبب الانهيار يرجع إلي عيوب في المنزل المبني دون أعمدة خرسانية.

كما انهارت شرفات منزل بالإسكندرية بخلاف كارثة المصنع، الذي راح ضحيته عشرات القتلي والمصابين، وأسفر عن مصرع 3 وإصابة 9 آخرين، حيث تبين أن العقار قديم وتقطنه نحو 6 أسر، حيث سقطت شرفة الطابق الثالث علي الطابق الثاني، وتم تشكيل لجنة هندسية لمعرفة أسباب الانهيار وحالة العقار.

كما أنهار منزل في منطقة السلخانة بالمنصورة، وتبين أن المنزل مكون من 4 طوابق ويعيش فيه نحو 27 شخصاً ونتج عن الانهيار وفاة 9 مواطنين بينهم 5 أطفال و14 مصاباً وتبين أن المنزل مقام منذ أكثر من 50 عاماً ولم تحدث له أية عمليات صيانة.

الصيانة

في دراسة بعنوان: »صيانة المنشآت السكنية في مصر«، أعدتها الدكتورة منار حسني عبدالصبور، حاصلة علي الدكتوراة في صيانة المنشآت السكنية، ومدير عام

المتابعة بمديرية الإسكان بمحافظة القاهرة، أكدت أن مصر شهدت تزايداً في حالات انهيار العقارات، وتعدد صدور قرارات التنكيس أو الإزالة، دون أن يتم تنفيذها، وانتهاء العمر الافتراضي لعدد كبير من المباني، مع إهمال جميع أنواع أعمال الصيانة، مما يشكل خطورة علي حياة المواطنين، ويهدد الثروة العقارية، فالمباني يجب البدء في صيانتها مباشرة بعد الانتهاء من تنفيذها، وفقاً لبرنامج علمي هندسي، يبدأ بالمعاينات الدورية لكل عناصر المنشأة، بواسطة خبراء متخصصين، فالصيانة الوقائية يقصد بها المرور الدوري علي فترات زمنية مناسبة، علي جميع عناصر المبني المدنية والميكانيكية.

وقالت: إن قانون البناء الموحد منذ أن تم صدوره تم تعديله بعد مرور فترة زمنية قصيرة، ورغم ذلك لم تعالج المشاكل الموجودة بالقانون القديم، فاللائحة التنفيذية تم عملها بعد صدور القانون، مما أصبح ذريعة أمام الجميع للتمادي في المخالفة، لذا لابد من إعادة دراسة القانون مرة أخري، حتي يتم تفعيل الدور الرقابي ومتابعة المباني، لمنع انتشار الفساد والمخالفات، كما أن هناك بنداً يسمي »اتحاد الشاغلين«، هذا البند خاص بضرورة صيانة المباني من قبل السكان وأصحاب العقارات، وهنا لابد من وجود تشريع مستقل لصيانة المباني عن طريق إنشاء جهاز قومي فالسكان لن يبادروا بإصلاح المبني، إلا إذا أصبح معرضاً للانهيار فوق رؤوسهم، والمالك أيضاً لن يهتم بالصيانة، لذا فلابد أن تتولي جهة مستقلة التعاقد مع العمالة والشركات من خلال صاحب العقار، لعمل قاعدة بيانات وتوضيح وضع كل عقار، وأن يقوم الحي بالإشراف علي ذلك، ولكي يتم تفعيل القانون، لابد من تبسيط إجراءات التراخيص، وعمل وعي إعلامي وتوعية الناس بالحفاظ علي الثروة العقارية ونشر ثقافة الصيانة حتي يتم وقف مسلسل انهيارات العقارات.

قانون غير عملي

الدكتور محمد سامح كمال الدين، أستاذ العمارة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشوري سابقاً. قال: القانون الجديد من حيث المبدأ، يدعو لتحسين الأوضاع لكن المشكلة تكمن في الأسلوب الذي يطبق الآن، فهو غير عملي بالمرة، مما يؤدي لتعطيل تنفيذه، وعدم التوصل إلي نتائج إيجابية سريعة، فالقانون يتكون من 4 أبواب: الباب الأول خاص بالتخطيط العمراني، ويتطلب تطبيق بنوده، ما لا يقل عن 4 سنوات حتي تظهر نتائج إيجابية، كما يتطلب عمل العديد من الدراسات الاستراتيجية لجميع مدن الجمهورية، وهذا يستغرق سنوات طويلة لإجرائها، فضلاً عن تطبيقها، وأهم ما يميزهذا الباب، أنه يهدف إلي عدم ترك المواقع البنائية بدون تخطيط سليم. ويتعلق الباب الثاني في قانون البناء الحوض الجديد بالتنسيق الحضاري ويهدف إلي قيام محافظات مصر بالحفاظ علي جميع المباني ذات القيمة التاريخية وإصدار قرار من رئيس الوزراء بمنع هدمها لكونها قيمة معمارية وقيام الحكومة بتعويض صاحبها، ومع الأسف هذا لا يحدث فالحكومة لا تبادر بتعويض أصحاب تلك المباني.

والباب الثالث من القانون يختص بالشروط البنائية، ويهدف إلي القضاء علي الفساد، بعد انتشاره علي أيدي مهندسي التنظيم في الأحياء، مما أدي لانتشار العشوائيات وقانون البناء الموحد لا يمنح الترخيص لمهندسي الأحياء بل تتولي المكاتب الاستشارية التي يتم اعتمادها من قبل وزارة الإسكان منحها، والهدف من ذلك الحد من سلطة موظفي التنظيم والفساد، لكن ما يحدث الآن يؤكد

أن الأمر مازال كما هو عليه، ويسير بالطرق التقليدية، كما كان من قبل.

أما الباب الرابع من القانون فيهتم بصيانة الثروة العقارية، وتكوين اتحاد للشاغلين له الصلاحية بإلزام المالك بصيانة العقار، لإطالة عمره، وكان من المفترض أن يتم تكوين اتحاد للشاغلين بعد تطبيق القانون بثلاثة أشهر، إلا أنه حتي الآن لم يتم تنفيذ سوي 10٪ فقط من إجمالي العقارات، لأن المواطنين غير مهتمين بالأمر، نظراً لأن الإجراءات عقيمة كما أن هناك العديد من العقبات التي تقف أمامهم، مما يجعل تطبيقه صعباً بالنسبة لهم.

لذلك، نحن الآن في مرحلة تخبط، فهناك تقاعس من قبل الجهات المعنية بتنفيذ القانون، كما يحتاج القانون لتعديل بعض المواد، وأهمها المادة التي تنص علي تكوين اتحاد للشاغلين، والتي لم تطبق فعلياً حتي الآن، لعدم وجود إمكانيات لدي المواطنين، ومن ناحية أخري، هناك مساوئ عديدة تكمن في تنفيذ القانون الذي جاء متراخياً في ظل عدم الاستجابة من الجهات المعنية والمواطنين أيضاً، واللامبالاة من قبل الطرفين، وعدم الثقة بتنفيذ الإجراءات الرادعة، التي نص عليها القانون، لذا فإن الأمر سيظل كما  هو عليه، دون الوصول لأية إجراءات أو نتائج إيجابية، فمازال باب الفساد والرشاوي مفتوحاً أمام الجميع، والزيادة السكانية مستمرة، والارتفاع في الأسعار أيضاً، لذا سوف تستمر الأزمة قائمة.

إعادة نظر

محمد الحلو مدير الوحدة القانونية بالمركز المصري لحقوق السكان، أكد: هناك العديد من السلبيات في قانون البناء الموحد، تتطلب التعديل وإعادة النظر، فهذا القانون يعد مثالياً أكثر من اللازم، فهو عبارة عن قانون تخطيط عمراني، ولم يضف أي جديد، ولم تنفذ الحكومة منه سوي قرارات الإزالة للعقارات المخالفة، لكن مازالت هناك أزمة إسكان، ومازال هناك العديد من المواطنين، الذين يقومون بالبناء بدون ترخيص، مما أدي لزيادة العشوائيات، واستمرت الأزمة قائمة في قانون البناء الموحد، فلم يتم حل أزمة الإسكان أو خفض الأسعار، فالمواطن يقوم ببناء العقارات من أجل تحقيق مزيد من الربح من خلال بيعها بأعلي الأسعار، والدولة أيضاً تكرر نفس الشيء، ويظهر هذا بوضوح في مشروع مبارك للإسكان والذي تحول إلي مشروع استثماري يهدف لجمع مزيد من الأموال، وليس لحل أزمة إسكان الشباب، ومحدودي الدخل، فالدولة تقوم ببيع الأراضي للشباب بأسعار مرتفعة مما ينعكس علي أسعار الوحدات السكنية بالزيادة.

ومن ناحية أخري نجد أن القانون فتح الباب أمام انتشار الفساد والرشاوي في المحليات، بعد أن رفعت الدولة يدها عن المسئولية تماماً، وأعطت مطلق الحرية للمكاتب الهندسية، باستخراج الرخص وشهادات الصلاحية، مما سيلقي بالمسئولية علي القطاع الخاص في حالة انهيار العقار، وفي نفس الوقت فإن مهندسي الأحياء، تفننوا في تقاضي الرشاوي خاصة بعد أن جعلوا لكل منطقة سعراً معيناً، كما أن بناء الأدوار له تسعيرة، حسب مستوي المنطقة التي يقع فيها العقار، ونجد هنا أن الحكومة تقوم بإزالة الأدوار والجدران فقط، وتترك الأساسات سليمة، مما يسهل علي المالك إعادة بناء العقار مرة أخري، كما أن القانون القديم كان يتضمن إمكانية التصالح في حالة البناء، قبل الحصول علي الرخصة، ومع الأسف تم إهدار هذا المبدأ في القانون الجديد، ومن الواضح أن قانون البناء الموحد الجديد، لن يحل أزمة الإسكان، بل سيزيد الأزمة اشتعالاً خلال الفترة القادمة، نظراً لعدم وجود إمكانيات لدي المواطنين، بشراء الوحدات الاستثمارية مما يفتح الباب لانتشار العشوائيات أكثر.

بطء التنفيذ

المهندس المعماري حسين منصور، سكرتير عام مساعد حزب الوفد، قال: قانون البناء الموحد لا يحتاج إلي تعديل في الوقت الحالي، وذلك لأننا لا يمكننا الحكم عليه إلا بعد تطبيقه بشكل جاد لمعرفة سلبياته، فكل ما نحتاج إليه هو الجدية في التنفيذ، خاصة أن الهيكل التنظمي للأحياء لا يسمح بالمتابعة الجادة التي تتطلب وجود تنسيق ما بين الأحياء والهيئات العمرانية، لأن مدن مصر فيها العديد من المباني التاريخية، وذات التراث المعماري، فالتنسيق الجاد يعمل علي خلق طابع خاص للأحياء المختلفة، حتي تصبح الشوارع ذات شكل يليق بآدمية المواطن، فلابد أن يكون هناك تعديلاً لقانون المحليات، لكي يتم إعطاء صلاحيات محددة للمحاسبة والمراقبة وأن يكون الجهاز التنفيذي للمحافظة بالانتخاب مما يتيح له قوة تنفيذية لسؤال ومحاسبة الجهاز الإداري التابع له، مما يعطي إمكانية لتنفيذ القانون، الذي لم يتم تطبيقه بصورة جادة حتي الآن، في الوقت الذي تقاعست فيه الحكومة عن تفعيله، وذلك لعدم وجود مسئولية أومحاسبة للمسئولين، فالدولة أصبحت في حالة رخوة، لذا يتعذر تحديد المسئول عن هذا التباطؤ في تنفيذ القانون.

ومن أكثر المواد التي نطالب بتفعيلها هي المادة الخاصة باتحاد الشاغلين والذي يتيح للملاك القيام بأعمال الصيانة الدورية للعقار.

 

أهم الاخبار