رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

من قال إنه رحل..؟

البابا شنودة..أسطورة جديرة بالاحتفاء

ملفات محلية

الاثنين, 17 مارس 2014 16:21
البابا شنودة..أسطورة جديرة بالاحتفاء
بقلم: سناء السعيد

فى العشرين من مارس 2012 دفن الجسد الطاهر لقداسة البابا شنودة الثالث بمقبرة خاصة بدير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون بناء على وصيته.وتستدعى لى الذكرى الثانية لرحيله اللقاءات العديدة بقداسته التى أجريت خلالها أكثر من 86 حوارا جمعتها فى كتب ثلاثة. الأول «الأنبا شنودة الثالث دنيا ودين» صادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2000 ،

والثانى «البابا شنودة بين السياسة والدين» صادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2010، والثالث «البابا شنودة قديس العصر» صادر عن دار الهلال عام 2012 .
صحيفة أعمال قداسته خير شاهد على أن هذا القديس كان عطاء لاينضب، فهو الأديب المبدع والشاعر المفوه والخطيب البارع. حباه الله كاريزما شدت إليه الجميع، عطاؤه الروحى كان بلا حدود، اجتذب الجميع بأسلوبه الهادىء الرزين، فهو السهل الممتنع. ملك موهبة نادرة استطاع من خلالها صياغة أجمل وأكمل العبارات التى تعكس الحكمة والفلسفة معا. وتبلور كل هذا فى مجموعة رائعة من الأقوال المأثورة هو صاحبها يؤمن بها ويطبقها. وأسوق هنا بعضا منها:
• يجب ألا يتم توظيف رجل الدين حسب الأهواء، فالمفروض أنه قائد لامقود.
• تعايش الأقباط فى مصر يتم بالتراضى والمودة، وعليه فإن اللجوء للخارج هو موضع نقد من حيث الولاء للوطن.
• الإنسان الصالح يكون صالحا فى غاياته وفى وسائله أيضا ولايجتمع الخير والشر معا فى عمل واحد.
• المفروض أن ينتصر الإنسان على الضرورات إذا واجهته حتى لا تنتصر عليه.
• ينبغى أن تعالج الأسباب قبل النتائج.
• عجبت لمن يضع كرامته فوق أبديته وقد يخسر أبديته من أجل كرامته.
• الإنسان البار يشتهى الموت مثلما يشتهى الحياة.
• العالم تحكمه القوة وليس السياسة ولا العدل.
• إذا اختلف العرب وهم خارج القمة فهل يمكن التوصل إلى حل الخلافات داخلها فيما إذا عقدت؟.
• يجب أن يكون المجتمع مؤهلا لقبول مبدأ المواطنة من خلال عدم التعصب مع مراعاة الآخر.
• دوام الحال من المحال. قاعدة تسود حتى بالنسبة للإمبراطوريات التى قامت وتوارت وطمرت.
• أمريكا تدعم اليهود حتى لو كانت ممارساتهم تتجاوز القانون.
• الحرب ليست لها مشاعر، فهى مشاعل بدليل أن من استخدم القنبلة الذرية فى «هيروشيما» لم تكن لديه مشاعر.
• تظل إسرائيل واجهة للقهر والتسلط وسلب الحقوق واغتصابها.
• منطق القوة يحتاج إلى رادع ولا يردعه إلا قوة مضادة.
• الناس دائما يجاملون القوى أكثر من الضعيف، ويجاملون المعتدى أكثر مما يجاملون المعتدى عليه.
• أحيانا تكون لغة الكلام مثل العملة النقدية المزيفة التى لاتصرف من أى بنك.
• المسألة ليست فى السؤال أين يوجد الحق وإنما فى سؤال يقول ما السياسة التى يجب تبنيها لمواجهة الواقع؟.
• السياسة غايتها المصلحة ووسيلتها القوة.
• سيظل السلام ضائعا فيما إذا استمر العرب فى فرقة وفيما إذا استمرت انتقائية المعايير وفيما لم تتحرك القوى الكبرى والمنظمات لوقف العدوان والقيام بدور فاعل لإرساء السلام وإلزام

الأطراف بتنفيذ الشرعية الدولية.
• فليصمت العاقل فى ذلك الزمان لأنه زمن ردىء.
• ليس معنى الحرية أن نحطم المثل أو نفسد أنفسنا باسمها.
• أمريكا أدانت عمليات الاغتيال الإسرائيلية. ولكن إدانة بلا عقوبة تكون مجرد كلام لاقيمة له.
• القوة هى عامل الحسم فى القضية الفلسطينية.
• من ملك القوة ملك كل شىء.
• القوة تستطيع أن تدوس على الحق بغير حق، والقوة لها تأثيرها ولابد أن يكون هناك غرض وراء استخدامها.
• طريق الديموقراطية ليس سهلا والمفروض لمن يحبها أن يطبقها فى كل المجالات.
• الهدوء يولد الصواب والانفعال يولد الاضطراب.
• كراهية الشر والخطيئة مشروع ولكن كراهية الخطاة غير مشروعة، فالخطاة نصلى من أجلهم كى يغير الله مسلكهم ويقودهم إلى التوبة، إذ إن الخطاة ضحايا لحيل الشيطان واغراءات العالم.
• الضمير العالمى تعرض للتشويش من دعايات يسوقها الكبار لتبرير مسلكهم وأهدافهم.
• إذا لم نجد العدالة المطلقة فعلى الأقل العدالة النسبية.
• ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس.

مواقف وقضايا
قداسة البابا شنودة الذاكرة الحية التى تنبض بالكثير من المشاعر دخل على خط القضايا والأحداث فى المنطقة والعالم، فكان يحلل كل حدث بموضوعية ودقة. وطنى غيور وقومى عروبى من الطراز الأول. تشهد له مواقفه بالشفافية، فهناك موقفه من قضية القدس والتحريم الذى أصدره بمنع الأقباط فى مصر من الحج إليها إلى أن تنسحب منها إسرائيل ويذهبوا يدا بيد مع إخوانهم المسلمين. وهناك رفضه لقاء حاخامات من إسرائيل، ورفضه زيارة فلسطين وهى محتلة حتى لايدخل الأراضى الفلسطينية بتأشيرة ممهورة بخاتم سلطات الاحتلال. ثم مناصرته لسوريا ولبنان وفلسطين، دعمه للجهود الداعية لوجوب إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل حتى لاتصبح إسرائيل هى الاستثناء فى المنطقة. ولاينسى له موقفه المشرف من الرئيس السادات رغم ماكان بينهما من خلاف حيث ثمن كثيرا حرب أكتوبر 73 والانجاز الكبير الذى قام به الرئيس السادات فى هذه الحرب التى رأى أنها ملحمة عسكرية وإعجاز يمكن أن يدرس فى الكليات العسكرية. واستطرد قائلا لى فى إحدى حواراتى معه: «يكفى أنها الحرب التى دعمت قوة مصر أمام الأعداء. وهنا لانستطيع أن نغمط السادات حقه فى الانتصار الذى شجعه بالتالى على تعمير مدن القناة، فهى نقطة تاريخية لايمكن لنا أن ننساها.».
ولاينسى له موقفه إزاء جريمة إسرائيل السوداء التى تمثلت فى قتل الأسرى المصريين فى حربى 56 ، 67 ليؤكد لى أن ماقامت به إسرائيل هو عمل غير شرعى من الناحية الدولية والعسكرية

وهى جريمة حرب لاتسقط بالتقادم وخاصة أن جرائم النازية التى أثارها اليهود لم تسقط بالتقادم.وأن مافعلته إسرائيل جريمة فظيعة ضد الإنسانية والشرعية لأنها تتعارض مع الاتفاقات والمعاهدات الدولية خاصة اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 .وموقفه عندما أدان جريمة العصر الكبرى التى ارتكبتها إسرائيل ضد غزة / 27 ديسمبر 2008 ــ 18 يناير 2009 / والتى أودت بحياة 1400 فلسطينى وجرح خمسة آلاف وتدمير البنية التحتية لغزة.

مواقفه من أمريكا
كثيرا ماعرض فى حواراته معى الموقف حيال أمريكا وجاء هذا فى معرض حديثه عن النظام الدولى الجديد الذى لم يرس شرعية ولم يرسخ القانون ولم ينشر العدالة ولم يتبن الانصاف. وعليه فلقد انتقد أسلوب الحرب الاستباقية أو مايطلق عليها الحرب الوقائية التى تبناها بوش الصغير وطبقها فى اجتياحه لأفغانستان والعراق. ورأى البابا شنودة أن الحرص يجب الالتزام به فى تلك المواقف أما التهور فهو الذى يقود إلى الخطأ. وكان له رأى حاسم حيال مشاريع أمريكا حول الاضطهاد الدينى الذى تتخذه مبررا للتدخل فى شئون بعض الدول بذريعة حماية الأقليات المضطهدة بما يعنى فرض عقوبات على أى دولة تصنفها أمريكا على أنها تمارس الاضطهاد الدينى. وعندما قدمت أمريكا هذا المشروع فى عام 1998 قال لى قداسته فى معرض التعليق « لكل دولة الحق فى أن تشرع ماتشاء من قوانين لتطبقها لديها لا لتفرضها على دولة أخرى. نحن لانقبل أبدا التدخل فى شئون مصر ولا نقبل أن تفرض عقوبات على مصر تحت أى  ذريعة، فهذا تدخل صريح فى شئونها الداخلية، وأى مطالب للأقباط تحل بروح الحب والتفاهم مع الدولة دون تدخل أى دولة أجنبية بيننا وبين بلدنا».
وفى 23 يناير 2010 بدأ وفد لجنة الحريات الدينية بالكونجرس الأمريكى زيارة لمصر، وفى اليوم التالى التقى بشيخ الأزهر ودام اللقاء ساعتين كان أشبه مايكون بجلسة تحقيق. وذهبت للقاء قداسة البابا شنودة وعلمت منه أنه اعتذر عن لقاء الوفد. وعندما سألته عن سبب الاعتذار قال قداسته: «قبل أن نسأل عن أسباب الاعتذار نستطيع أن نسأل عن أسباب مجئ هذه اللجنة» واستطرد قائلا: «الوفد يضم تسعة أعضاء منهم يهودية، وجاءوا للقاء المسؤولين واستطلاع رأيهم حول حادثة نجع حمادى التى راح ضحيتها ستة أقباط وجندى مسلم. والغريب أن الغرب لم يحرك ساكنا إزاء ما يحدث ضد المسلمين، لم يتحرك تجاه اغتيال «مروة الشربينى»، ولا تجاه الرسومات المسيئة للنبى ولا بمنع المآذن ولا بالسجلات العامرة والحافلة بانتهاكات حقوق المهاجرين المسلمين فى الغرب ممن يعانون من عنصرية مقيتة. ولكنه جاء اليوم إلى مصر ليسلط الضوء على هذا الموضوع الخاص بالأقباط لغرض فى نفس يعقوب. ولهذا رفضت اللقاء وقطعت عليهم الطريق نحو ما أرادوا إثارته من فرقة بين الأقباط والمسلمين».

وتبقى للعظيم بصماته
إنه قداسة البابا شنودة الذى جسد بفكره ذاكرة عصر كامل. إنه التاريخ الحافل بالعطاء والنموذج الذى تحول إلى أسطورة تستوجب الاحتفاء، فهو أيقونة الفكر المتوهجة التى عكست الوميض الساطع الذى أنار سماء الفكر. عرفته صامدا فى مواقفه.. صاحب مبدأ لم يتبدل ولم يتزحزح عنه. جسد الصورة المثلى لرجل الدين وهى صورة لم تنفصل عن الجانب الإنسانى والأخلاقى. ويكفى ارتباط قداسته بقضايا مصر والعالم العربى وهموم الشعوب فى المنطقة. عرفته من خلال مواقفه الإنسانية الرحبة. إنه القديس الذى تجلت عبقريته فى خلود أفكاره ومقولاته، فهو القائل: «مصر ليست وطنا نعيش فيه وإنما وطن يعيش فينا». لهذا أقول إن قداسته لم يرحل عن دنيانا إذ تبقى للعظيم بصماته ووميض نغماته الروحية وأفكاره التى تضىء الطريق للجميع....

أهم الاخبار