رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سكان ومحلات وباعة جائلون تحت كباري آيلة للسقوط

جيران الموت

ملفات محلية

الأحد, 16 فبراير 2014 06:49
جيران الموت
تحقيق: نادية مطاوع تصوير: أحمد حمدي

لم تكن كارثة كوبري الشيخ منصور بالمرج، التي وقعت يوم الثلاثاء الماضي هي الأولي ولن تكون الأخيرة، فالمشهد يحتمل التكرار طالما ظل الإهمال واللامبالاة سيد الموقف فأسفل كباري القاهرة والجيزة قنابل موقوتة، عشش، أفران عيش ملتصقة بجسم الكوبري المعدني، «نصبات» شاي وقهوة وبجوارها بنزين للبيع

مقالب قمامة، ومواقف عشوائية، وباعة جائلون احتلوا أسفل أكبر وأشهر كباري القاهرة وحولوها الي أسواق للملابس المستعملة، والحكومة لا تتحرك إلا بعد وقوع الكارثة.
الأغرب من ذلك أنه حتي كباري المشاة المعدنية احتلها الباعة الجائلون، وأقاموا عششا للسكني أسفلها، ونظرا لغياب الصيانة فالجميع في انتظار وقوع كوارث جديدة ومع ذلك فهم يفضلون الموت أسفل الكباري بدلا عن الموت جوعا.
وتعد الكباري العلوية أحد أهم العلامات المميزة للقاهرة والجيزة، بعضها تم إنشاؤه منذ مئات السنين والبعض الآخر لا يتعدي عمره السنوات العشر أو أقل قليلا ولكن جميعها تشترك في الإهمال وضعف الصيانة وسلوكيات البشر الخاطئة التي كانت سببا في وقع كارثة انهيار كوبري الشيخ منصور في الأسبوع الماضي، مما ينذر بوقوع المزيد من الكوارث إذا لم تتحرك الحكومة وتغير استراتيجيتها في التعامل مع الكوارث بمنع وقوعها بدلا من الانتظار حتي تقع الكارثة ثم تتحرك باكية علي اللبن المسكوب.
لقد كشفت جولة «الوفد» في القاهرة والجيزة عن أن الكوارث آتية حتما لا محالة وما حدث في كوبري الشيخ منصور ما هو إلا جرس إنذار لينتبه الجميع فأسفل كوبري الطريق الدائري الجديد الذي لا يتعدي عمره 5 سنوات وتحديدا بمنطقة بين السرايات تقع «نصبة» شاي وقهوة تستخدم موقد غاز محظور استخدامه نظرا لخطورته لعدم وجود منظم به، والأخطر من ذلك أن صاحبة النصبة تبيع البنزين 80 بجوار الموقد المشتعل دائما، كل هذا بجوار مدرسة مصطفي  كامل للتعليم الأساسي وعلي بعد أمتار قليلة من قسم بولاق الدكرور، وبما أن يد الإهمال وضعت البنزين بجوار النار، ويد الفشل وعدم المتابعة تعاونت معها، فإن احتمالات وقوع الكارثة تتزايد كل يوم، وهذه المرة في واحد من أكثر الكباري حيوية للربط بين من محافظات القاهرة الكبري الثلاث القاهرة والجيزة والقليوبية الذي طال انتظاره لسنوات حتي نجح في حل جزء من أزمة المرور بالعاصمة.
ورغم أن محافظ الجيزة الدكتور علي عبدالرحمن قام منذ عدة أسابيع بالإعلان عن تطوير منطقة كوبري همفرس بشارع السودان وإزالة العشش المقامة أسفل كوبري المشاة بالمنطقة وتسكين عدد منهم، إلا أن زيارة «الوفد» للمنطقة كشفت أن الحال لم يتغير كثيرا، فمازالت العشش تحتل المنطقة أسفل الكوبري والأخطر من ذلك أن الكوبري نفسه آيل للسقوط، والكارثة الأكبر أن معظم السكان يعملون في صناعة «العيش الشمسي» وبيعه مقابل جنيه للرغيف، وأفرانهم ملاصقة لجسم الكوبري المعدني، وعدد كبير منهم يعمل في بيع السلع أعلي الكوبري أي أن الكارثة إذا وقعت ستكون عواقبها وخيمة، ولن ينجو منها أحد، خاصة أنهم يعملون إما أعلي أو أسفل الكوبري، ويقيمون بجوار الأفران في عشش مصنوعة من الأخشاب والصاج لا يوجد بها أي مرافق.
حليمة سليمان.. سيدة في العقد السادس من العمر، مقيمة في المنطقة منذ سنوات طويلة لا تعرف عددها، تقول: الكوبري كان بيتنا «نسترزق» من بيع العيش أسفله ولكننا فوجئنا بالحي يخبرنا بأنه سيتم نقلنا الي شقق

بعمارات مجاورة للمنطقة مقابل 160 جنيها إيجار الشقة في الشهر، ونحن علي باب الله لا نعرف من أين نأتي بهذا المبلغ خاصة أن الحي اشترط علينا هدم الأفران لننتقل للشقق الجديدة التي لم تبن بعد، فإذا هدمنا الأفران وسكنا الشقق من أين نأكل؟! نشحت أم نموت من الجوع؟! وعن خطورة الكوبري قالت: عارفين إنه ممكن يقع علينا في أي وقت لكن نعمل إيه.. ليس لنا مكان آخر ولا مصدر رزق ربنا يرحمنا أحياء أو أموت.
أم هاني - إحدي ساكني المنطقة، فهي أول خبازة أقامت فرنا أسفل الكوبري منذ 25 عاما ومنه تطعم أبناءها الثمانية وثلاثة من أبنائها يعملون في بيع السلع أعلي الكوبري، وتقول: الكوبري هو مصدر رزقنا فوق وتحت، لا نستطيع الاستغناء عنه حتي ولو انتقلنا للشقق لا نعرف ماذا نعمل ومن أين سنأتي بـ160 جنيها قيمة الإيجار للحي، لازم يعرف أننا علي باب الله، ورغم علمها بأن الكوبري آيل للسقوط، قالت: الأعمار بيد الله، أبنائي يعملون فوقه وأنا أعمل تحته، لنا الله.
وتكشف «أم أحمد» عن توقف أعمال المباني في المنطقة منذ عدة أشهر، فبعد أن قام المحافظ بتسليم الشقق لعدد من سكان العشش وضعوا أساس العمارات التي سيتم نقلنا اليها ومن وقتها وأعمال البناء متوقفة ونحن نعيش هنا بلا مياه ولا كهرباء، ولا صرف صحي، نغسل الأواني والملابس في «طشت» ونقوم بإلقاء المياه علي شريط السكة الحديد، والقطار عند مروره يهز العشش ونشعر أنها ستسقط علينا ولكن ما باليد حيلة، وحتي لو تم بناء الشقق فمن أين نأتي بـ160 جنيها كل شهر، يا رب الكوبري يتهد علي دماغنا ونموت ونستريح، هكذا اختتمت أم أحمد حديثها معنا، قائلة فالموت أرحم من الحياة دي، وإذا كانت محافظة الجيزة قد حاولت البحث عن حلول لإحدي المشكلات المزمنة أسفل كوبري همفرس فإن الوضع أسفل كباري القاهرة ينذر بكوارث أخطر فرغم وقوع حريق ضخم في سوق الجمعة أسفل كوبري التونسي في شهر يونية عام 2010 بسبب سقوط سيارة من أعلي الكوبري واشتعالها مما تسبب في وقوع حريق ضخم بالمنطقة أتي علي أكثر من 5 آلاف متر مربع من محتويات السوق الشهير ورغم قرار المحافظة بنقل السوق، إلا أن القرار لم ينفذ وعادت الأوضاع الي ما كانت عليه حيث عاد الباعة الي أحضان الكوبري مرة أخري، عارضين بضائعهم من أخشاب وموبيليا وشبابيك وأبواب وأثاث مكتبي وجلود وأجهزة كهربائية وخراطيم وكلها مواد قابلة للاشتعال بسرعة، وإذا كانت طبيعة المنطقة وازدحامها وعدم وجود وسائل أمن صناعي بها أدي الي استمرار الحريق لمدة طويلة في عام 2010 فإن الكارثة معرضة للتكرار وبشكل أعنف خاصة مع قيام باعة السوق بإغلاق بعض المناطق أسفل الكوبري وهو ما سيحول دون وصول سيارات الدفاع المدني
بسرعة للمنطقة في حالة حدوث أي حريق.
نفس السيناريو معرض للتكرار مرة أخري أسفل كوبري غمرة بمنطقة عزبة أبوحشيش، حيث تحولت المنطقة إلي محلات لبيع الأخشاب والموبيليات المستعملة، والأدوات الكهربائية، بالإضافة إلي مقلب قمامة عشوائي في منتصف الكوبري يتم حرق القمامة باستمرار فيه وهو ما ينذر بكارثة.
أما الكارثة المنتظرة التي ستشل العاصمة بأكملها فهي احتلال باعة الملابس المستعملة بوكالة البلح للمنطقة أسفل كوبري 15 مايو بامتداد شارع الجلاء، حيث استغل الباعة ضعف الحكومة منذ ثورة 25 يناير وامتد نشاطهم من الوكالة إلي شارع الجلاء حتي محطة مترو أنفاق جمال عبدالناصر، وقاموا بوضع الملابس أسفل الكوبري، ورغم تصريحات المسئولين بمحافظة القاهرة وشرطة المرافق، بقرب إزالة هؤلاء الباعة وإعادتهم إلي أماكنهم، إلا أن هذا لم يحدث، واستمر زحف الباعة حتي احتلوا الشارع كله والمنطقة أسفل كوبري أكتوبر أيضاً، وفي حالة وقوع حريق في هذه المنطقة فستكون العواقب أخطر وأفظع مما حدث في حريق كوبري الشيخ منصور وانهياره.
ورغم أن ميدان رمسيس هو قلب العاصمة النابض بالحركة، إلا أن الباعة الجائلين احتلوا قلب الميدان أسفل كوبري أكتوبر، وكوبري المشاة بالميدان، عارضين بضائعهم من مصنوعات جلدية وملابس وحلوي وأحذية وشاي وقهوة وموبايلات وكروت شحن، وكل ما تشتهيه الأنفس، في مشهد لا يتكرر في أي دولة من دول العالم، والحكومة تنتظر وقوع كارثة حتي تتحرك، وإذا كان ماس كهربي قد تسبب في حريق أودي بحياة أشهر كباري المشاة بالقاهرة بشارع الأزهر، الذي تمت إزالته منذ عام تقريباً، فإنه من المتوقع أن يتكرر نفس الحدث مع باقي الكباري التي رصدت «الوفد» بعضها، في حين تنتظر الحكومة وقوع الكارثة ليخرج علينا المسئولون بتصريحات لا محل لها من الإعراب.

 

«كامل» .. مريض ينتظر الموت تحت الكوبري

35 عاما قضاها عم كامل عبدالفتاح تحت كوبري المشاة بمنطقة بولاق، أصابه المرض وأضناه الفقر حتي أصبح ينتظر الموت في نفس مكانه، في أحضان الكوبري الذي شهد شبابه ومرضه وعجزه وقسوة الأيام عليه.
عندما جاء الي القاهرة للعمل بها كان يظن أن العاصمة ستفتح له ذراعيها، وخزائنها.. في هذا المكان وضع رحاله شاب في ريعان الشباب، راح يبيع الفاكهة في المنطقة القريبة من ترعة الزمر، وكان زبائنه العائدون من أعمالهم يحبونه نظرا لطيبة قلبه وتسامحه.
كان يربح جنيهات قليلة يعول منها أسرته المكونة من أب مريض و4 أشقاء، وكان الجميع راضين بالرزق القليل ولكن فجأة أدارت له الدنيا ظهرها، أصابه مرض الفلاريا الذي نقلته إليه حشرات الترعة المكشوفة المليئة بالقمامة والأوبئة، أنفق كل ما لديه من أجل العلاج، 13 ألف جنيه هي تحويشة العمر ضاعت علي العلاج دون جدوي.
أصبح أكثر فقرا، أقعده المرض عن العمل، لم يستطع حمل أقفاص الفاكهة ولا الحركة، راح يبحث عن علاج في مستشفيات وزارة الصحة المجانية إلا أنه لم يجده أصبح سجين المرض والفقر والعشة الصغيرة تؤويه، جدرانها من جسم كوبري المشاة، سقفها من الخشب، الذي يكشف أكثر مما يستر، ليس له مأوي ولا عمل، يقول: لم يعد لديّ شيء لأنفقه علي العلاج، خاصة بعد أن أصابني القلب وأصبح مطلوبا مني شراء علاج بـ80 جنيها شهريا، لجأت لبيع بعض السلع الخفيفة مثل العصائر والشاي وعلب الجبن والمشروبات الغازية ولكن الحي لم يرحمني، ففي الوقت الذي قاموا فيه بترخيص بعض الأكشاك للباعة في المنطقة، وتقدمت بأوراقي مثلهم مرفق بها تقارير طبية بالحالة إلا أن أوراقي ضاعت وأصبحت مهددا من البلدية بالطرد في أي وقت، وأنا لا أملك سكنا ولا مهنة ولا معاشا يساعدني علي دفع تكاليف العلاج.
وأضاف: فوضت أمري لله، وأصبحت أنتظر الموت في كل لحظة فهو أرحم من الحياة والفقر والمرض.
الغريب أن عم كامل لم ينل حظه من التطوير الذي أعلنت عنه محافظة الجيزة لأن عشته تقع في الناحية الأخري من كوبري همفرس التابع لحي بولاق الدكرور في حين قامت المحافظة بنقل سكان العشش التابعين لحي الدقي، ومازال «كامل» ينتظر رحمة المحافظ ووزيرة الصحة التي يوجد في وزارتها إدارة كاملة لعلاج مريض الفلاريا الذي أقعده عن العمل.

أهم الاخبار