رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لواء أ. ح متقاعد حسام سويلم يكتب:

ما لا يعرفه الإخوان عن كاهنهم الأكبر (3)

ملفات محلية

الأحد, 10 نوفمبر 2013 07:43
ما لا يعرفه الإخوان عن كاهنهم الأكبر (3)

- لم يكن امتناع الإخوان عن الانضمام لثورة 25 يناير في الثلاثة أيام الأولي منها إلا تخوفا من فشلها وبطش نظام الحكم آنذاك بكل من شارك فيها، لذلك آثروا الابتعاد عنها في البداية

ولكن ما إن تأكدوا من نجاحها وتنحي الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم، حتي سارعوا بالنزول إليها، بل وتصدر صفوفها الأولي وركوب موجتها الأولي، ثم استغلوها وسايروا موجاتها صعوداً وهبوطاً في تحالفات عديدة متناقضة.. تارة مع الأحزاب الليبرالية، وتارة ثانية مع الائتلافات الثورية التي برزت، وتارة ثالثة مع المجلس العسكري الذي أدار شئون البلاد لعام ونصف العام.. وطوال تلك الفترة مارست جماعة الإخوان الميكيافيللية السياسية في أحقر وأحط صورها، حيث نقضت كل اتفاقاتها وتعهداتها مع الجميع بعد أن تلاعبت معهم جميعا حتي أوصلوها إلي السلطة والحكم في 30 يونية 2012، وبعد ذلك حاربتهم جميعا، وربما كان نقض الإخوان لاتفاق فندق فيرمونت الذي أبرمته مع كل القوي السياسية أبرز مثال علي ذلك.
- ولم يكن هذا الموقف الميكيافيللي من جانب الإخوان وليد ظروف ثورة 25 يناير، بل كان انعكاساً راسخاً للعقيدة الإخوانية في بعدها السياسي التي أرساها كل من حسن البنا وسيد قطب، وبرزت بشكل جلي واضح ومماثل في موقف سيد قطب من ثورة يوليو 1952، التي انبري سيد قطب منذ أيامها الأولي إلي تأييدها ومساندة قادتها في الإطاحة بالنظام الملكي السابق، بل وتطرق في دعمه لقادتها مطالبا إياهم بنبذ الديمقراطية والدستور وحل الأحزاب وفرض ما أطلق عليه «ديكتاتورية» عادلة، ليس ذلك فقط بل طالب بإعدام كل من يقف في طريق هذه الثورة. ولكن عندما اكتشف عبدالناصر أن الإخوان يريدون في الحقيقة السيطرة علي الثورة وحكم مصر باسمها، وكان سيد قطب علي رأس من طالبوا من الإخوان بمنصب متميز له في الإعلام أو المعارف، سارع عبدالناصر إلي ضربهم في عام 1954، ثم عاودوا التآمر عليه ومحاولة اغتياله بتحريض من سيد قطب، فسارع عبدالناصر في عام 1965 إلي ضربهم مرة ثانية وأعدم سيد قطب، ما ألجأهم إلي الجحور تحت الأرض والهجرة إلي الخارج، مع إعادة تنظيم صفوفهم استعداداً لمحاولة الكرة في الوصول إلي السلطة والقفز إلي الحكم عندما تسنح الظروف بذلك، وهو ما أتيح لهم مع قيام ثورة 25 يناير 2011، ومن خلال خداع وتضليل القوي السياسية والشعبية والمتاجرة بالشعارات الدينية والديمقراطية وشراء الأصوات، نجحوا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية والوصول للحكم، وعندها قالوا للديمقراطية والقوي السياسية التي تحالفت معهم (وداعا)، وعندما بدأوا يمارسون الحكم لم يستوعبوا دروس التاريخ البعيد والقريب، وغلبت عليهم صفاتهم التي تميزوا بها منذ نشأتهم وعبر 85 عاما وحتي اليوم وأبرزها الغباء والغرور والاستعلاء والتكبر علي من ليس منهم، فاتجهوا بسرعة غريبة نحو السيطرة علي كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وأخونتها، ما أدخلهم في صراعات عديدة مع الجميع (أحزابا)، قضاء، إعلاما، شرطة، جيشا.. إلخ) غير مدركين أنهم ينساقون بإرادتهم نحو نهايتهم. وعندما سقطت الأقنعة الكاذبة التي كانت تخفي حقيقة الإخوان الفاشية والدموية، وتحقق الشعب من أنه كان مخدوعا فيهم، وأن استمرارهم في الحكم سيؤدي إلي ليس فقط سقوط الدولة، بل أيضا إلي ضياع مصر وتفككها بعد أن أبدي قادة الإخوان استعدادهم للتنازل عن الأرض والثروة والقناة، والخضوع للإرادة الأمريكية مقابل ضمان أمريكي باستمرار الإخوان في الحكم، أمام الشعب بثورته المليونية حقا في 30 يونية 2013 والتي أطاحت بالنظام الإخواني الغاشم، واستأصلت ذلك الورم السرطاني الخبيث من الجسد المصري إلي غير رجعة إن شاء الله.
دعم سيد قطب لثورة 23 يوليو
- كانت فنون الكياسة والمهادنة والنفاق والتملق والصياغات التوفيقية والتدرج مع الغموض والتعتيم، والممارسات المرحلية مع التلون السياسي والديني طبقا لظروف كل مرحلة، من السمات الرئيسية في سلوكيات قادة الإخوان، فقد كانوا شديدي التمسك بالمظاهر الدينية للجماعة إذا ما تولت الحكم حكومة قوية يرأسها رئيس وزراء قوي، في حين اهتموا بالآمال السياسية إذا ما تولت الحكم وزارات ضعيفة، مع الاحتفاظ بالهدف الأساسي وهو الوصول للسلطة والحكم. وبهذا النهج الميكيافيللي كان سيد قطب يتحرك في تعامله مع قادة ثورة 23 يوليو 1952.. فحين قام هؤلاء الضباط بالانقلاب علي الملك فاروق ليلة 23 يوليو، كان سيد قطب قد ابتعد عن الحياة الأدبية واتجه إلي الحياة السياسية، وقد ذكر سيد قطب لأحد أصدقائه (سليمان فياض - مجلة الهلال سبتمبر 1986) أنه كان علي صلة بعدد من الضباط الأحرار قبل يوليو 1952، وأن بعضهم كان يتردد علي منزله ويجتمعون معه. لذلك لم يكن غريبا أن يتحمس سيد قطب في تأييد ثورة 23 يوليو، بل كان أكثر الكتاب والإعلاميين تأييدا وبصوت عال لقادتها، منتقداً ومهاجماً كل من يتعرض لهم بالانتقاد. وقد كان سيد قطب هو أول من أطلق علي حركة الضباط الأحرار - كما كان اسمها في البداية - وصف (ثورة)، ولم يسبقه في هذه التسمية سوي محمد فريد أبوحديد في مقاله بمجلة الثقافة في 4 أغسطس 1952.
- واندفع سيد قطب في حماسه الدافق لثورة يوليو إلي حث قادتها علي سلوك النهج الديكتاتوري، ففي مقال له في صحيفة الأخبار 8 أغسطس 1952 بعنوان (استجواب إلي البطل محمد نجيب) نجده يعتب فيه علي الضباط ما أُشيع من أنهم ينوون العودة إلي ثكناتهم، وطالبهم بالاستمرار في الحكم قائلاً: «بدلا من أن تسيروا في هذا الطريق إلي نهايته، وبدلا من أن تضربوا الحديد ساخنا، وبدلا من أن تقتحموا أوكار اللصوص، آثرتم أن تنسحبوا إلي الثكنات، وأن تتركوا المجال إلي رجال السياسة، هؤلاء الذين امتطي الملك الراحل ظهورهم في أغراضه واتخذ منهم أدوات لاذلال الشعب وإهانته». ثم يستطرد قائلاً: «باسم الملايين الذين لن يسمحوا لكم بالعودة الي الثكنات لان مهمتكم لم تنته بعد، لأن واجبكم قد بدأ وعليكم أن تكملوه». ثم أعقب سيد قطب استجوابه هذا باستجوابات أخري طالب فيها بإلغاء الألقاب والمخصصات الملكية، والحد من الملكيات الضخمة، وتطهير الأحزاب السياسية، والقضاء علي الرجعية، ثم شن حملة شعواء ضد الأدباء والمفكرين والمطربين. ففي مقال له تحت عنوان: «اخرسوا هذه الأصوات النجسة» طالب فيها بمنع إذاعة أغاني الفنانين الكبار.. قائلاً: «إن واجبنا حماية الجماهير من الأصوات التي تحبها كما نحميها من المخدرات، وهذا واجب الثورة، ويتعين عليها أن تفعله مهما يكن فيه من اعتداء علي حريات الأفراد، لتخرس هذه الأصوات الدنسة إلي الأبد»!! أما الشعراء فقد وصفهم سيد قطب بأنهم (عبيد) والكتاب بـ «الانحلال» وأن أي استماع إليهم «هو خيانة للمُثل الجديدة» وطالب بمنعهم من الكتابة وقول الشعر «هؤلاء هم ممثلو أدب الانحلال، وهؤلاء هم الذين يجب أن يقصيهم الشعب عن الإنشاد في العهد الجديد». وعندما رفضت الإذاعة إذاعة حديث سيد قطب عن أدب الانحلال قال عن الذين منعوه «إن الكثيرين هناك يحبسون أنفسهم مقصودين بوصف (العبيد)، كما أن الحماية لاتزال مفروضة علي الأصوات الدنسة التي تذيع علي الناس (الدنيا سيجارة وكاس)، ويصف الكاتب حلمي النمنم هذا الموقف من سيد قطب في كتابه (سيد قطب وثورة يوليو) ص 137 قائلاً: «ان هذا الموقف يكشف عن رفض الكاتب للاختلاف في الرأي والموقف، وعدم الاعتراف بالمخالفة والمغايرة، والاستعداد لاتهام المخالف والتحريض عليه، بل والدعوة إلي منعه من حقه في التفكير والتعبير».
قطب يدعو إلي إسقاط الدستور، وديكتاتورية عادلة!!
- ثم تأتي ثالثة الأثافي حين دعا سيد قطب ضباط الثورة إلي إسقاط دستور 1923، حيث هاجمه واصفا إياه بأنه «الخدعة التي يطنطن بها رجال السياسة ليفرقوا بها وثبتكم، إن الرجعية اليوم تتستر وراء الدستور وتتشبث بهذه الخدعة لتعيش» ثم يمضي قائلاً: «إن الدستور الذي سمح بكل ما دفع من فساد.. هذا الدستور لا يستطيع حمايتنا من عودة الفساد إن لم تمضوا أنتم في التطهير الشامل الكامل الذي يحرم الملوثين من كل نشاط دستوري ولا يبيح الحرية السياسية إلا للشرفاء».
- ويكتمل المعني الذي ذهب إليه سيد قطب بقوله: «لقد احتمل هذا الشعب ديكتاتورية طاغية باغية شريرة مريضة مدي خمسة عشر عاما أو تزيد، أفلا يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة شريفة ستة أشهر؟ علي فرض أن قيامكم بحركة التطهير يعتبر ديكتاتورية بأي وجه من الوجوه». وهكذا وفي وقت مبكر جدا نجد سيد قطب يحاول أن يثير الفرقة في صفوف مجلس الثورة، محرضا البعض ممن يتشبثون بالسلطة ضد بعضهم، ومنهم خالد محيي الدين وضباط سلاح المدرعات الذين طالبوا مع محمد نجيب بعودة الجيش إلي ثكناته وعودة الحكم النيابي، ما أثار صراعا بين سلاح المدرعات وسلاح المدفعية الذي كان يمثله كل من صلاح سالم وكمال الدين حسين فيما عرف بثورة ضباط المدفعية عام 1954. ويعلق حلمي النمنم في كتابه ص 99 علي ذلك قائلاً: «الحقيقة أن مقال (الاستجواب) هذا يكشف عن توافق بلغ حد التطابق بين الكاتب وضباط مجلس قيادة الثورة، ويبدو لي أن المقال كتب باتفاق وترتيب بين الطرفين، خاصة أن القائد العام - اللواء محمد نجيب - كان قد أذاع بيانا في منتصف ليلة 31 يوليو دعا فيه الأحزاب والهيئات الي أن تطهر نفسها، أما سيد قطب فكان علي اتصال يومي بالضباط، ولم يكن هو ديمقراطيا، ولا هم أيضا، والتقي المزاجان في هذه الجزئية»!!
سيد قطب يخوض معركة ضد العمال
- كان سيد قطب رافضا لفكرة الاتحاد العام للعمال، مؤكداً أن النقابات بحاجة أولاً إلي ان تطهر صفوفها من الشيوعيين، كذلك خاض قطب معركة ضد محاولات الحركة العمالية لإلغاء المادة (39) من قانون عقد العمل الفردي التي كانت تجيز الفصل التعفسي للعمال. وبعد مقال (الاستجواب) بأيام، وقعت أحداث العمال في كفر الدوار والتي انتهت بمقتل جنديين من أفراد الجيش وجندي من الشرطة، بالإضافة إلي ثلاثة عمال وإصابة 28. وكان ذلك في يومي 12، 13 أغسطس، وبعدها كتب سيد قطب مقالا في هذا الموضوع بالأخبار يوم 15 أغسطس تحت عنوان: «حركات لا تخيفنا» قال فيه: «هذه الحوادث المصطنعة في كفر الدوار لا تخيفنا، لقد كنا نتوقع أشد منها. إن الرجعية لن تقف مكتوفة اليدين وهي تشهد مصرعها، إنها ستدافع عن نفسها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، إنها ستضرب ضربة هنا وضربة هناك، ولكن هذا كله لا يخيفنا، لقد كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا». واستمر سيد قطب في تحريضه ضد العمال فيقول: «إن عهدا بأكمله يلفظ أنفاسه الأخيرة في قبضة قوية مكينة فلا بأس أن يرفس برجليه، لكنه عهد قد انتهي، عهد قد مات، إنما المهم أن نشرع في الإجهاز عليه، وأن تكون المدية حامية، فلا يطول الصراع، ولا تطول السكرات، لقد أطلع الشيطان قرينه، فلنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة، أما الشعب فإن عليه أن يحفر القبر، وأن يهيل التراب».
- وتحدث سيد قطب عن سخط «الإقطاعيين والمستغلين والاستعماريين علي الثورة»، وكان قطب متفهما لأسباب سخطهم ولكنه لم يتفهم كيف يسخطون، وما الذي يمكن أن يسخطهم علي العهد الجديد، ويمكن أن يثير خواطرهم إلي حد الفتنة، ويقلقهم إلي حد التهور. فقد كان الرأي في مجلس الثورة يشير إلي مسئولية الشيوعيين عن أحداث كفر الدوار، لذلك هاجم سيد قطب الشيوعية في مقال له تحت عنوان: «الشيوعية المريضة» التي لا يهمها مصلحة العمال أو تحقيق العدالة الاجتماعية لهم، ولكن يهمها فقط الوصول إلي الحكم، وأنهي مقاله مطالبا بالتعامل الحازم والباتر مع الشيوعيين. وبالفعل تشكلت وبسرعة محكمة عسكرية، أصدرت أحكامها بسرعة أيضا بإعدام العاملين خميس والبقري باعتبارهما مسئولين عن أحداث كفر الدوار، ونفذ الحكم رغم تأكيدات معظم المراقبين ببراءتهما.
معركة قطب مع ملاك الأراضي
- كانت المشكلة الاجتماعية والفوارق الحادة بين الأغنياء والفقراء مصدر التأزم في مصر قبل ثورة 23 يوليو، ولذا سعي قادة الثورة إلي حل هذه المشكلة، بدءا بفرض ضرائب ورسوم للحد من الدخول الكبيرة، ثم أصدروا قانون تحديد الملكية الزراعية بـ 200 فدان حدا أقصي للفرد، وظهرت مخاوف من نتائج سلبية بسبب تفتيت الرقعة الزراعية، وهنا تدخل سيد قطب في الموضوع بالكتابة محذراً منذراً كبار الملاك بأسلوبه المتحمس، وذلك في مقال له بمجلة روز اليوسف في 26 أغسطس 1952 تحت عنوان: «من مصلحة كبار الملاك أن يخضعوا للثورة». مهددا إياهم بقبول ما سيجري وإلا فالمسألة إليهم حياة أو موت، ناصحاً لهم «ألا يقاموا الثورة وإلا فإن الأمر سينتهي بما هو أشد من فقدان مائتي فدان، وأن يحمدوا الله علي نعمة الحياة».
- ويستمر قطب في توجيه تحذيراته وإنذاراته إلي أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة قائلاً: «من الخير للرأسماليين الكبار أن

يكتفوا بعشرين أو ثلاثين أو أربعين أو خمسين في المائة من دخولهم الخيالية في ظل القانون، من أن يقاوموا الثورة المنظمة فينتهي الأمر بما هو أشد من ضريبة المال». ثم ينتقل بتهديداته إلي من أطلق عليهم «أصحاب الجاه والسلطان الذين لا يعجبهم اليوم أن تنزل الثورة المنظمة بهم إلي صفوف الشعب الذي وقفوا علي جثته طويلا ليرتفعوا.. إنه من الخير لهم أن يعيشوا مواطنين صالحين في جو يطمئن كل إنسان فيه علي روحه وماله وحرياته العامة من أن يتولي الشعب بنفسه تعليمهم كيف يعيشون». وواضح أن سيد قطب بهذا التهديد إنما يُلوح بثورة شعبية أشبه بالثورة الفرنسية. التي أطاحت بكبار الملاك والإقطاعيين في فرنسا. ويُخيرهم بين قوة الجيش المنظمة الآمنة، وقوة الجماهير التي تصاحبها الفوضي والعنف قائلاً: «إذا لم تكن إحدي الطريقتين فستكون الأخري، وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يحسن أن يدركها الجميع». ويواصل تحذيراته ويكررها «إننا نحذر اللاعبين بالنار أنهم لن يحرقوا إلا أنفسهم».
قطب يهاجم جميع الأحزاب ويطالب بإلغائها
- هاجم سيد قطب الأحزاب جميعا، وفي ذلك قال: «لم يخب ظني في هذه الأحزاب القديمة، كنت أدرك أنها أحزاب انتهت، تجمدت، فقدت القدرة علي الحركة فلم تعد صالحة للبقاء، ولا قابلة للشفاء، إن مشكلة هذه الأحزاب أنها لم تدرك أنها قد تحولت إلي تروس صدئة في الجهاز الاجتماعي الفاسد الذي يكافحه الشعب». ثم يشن هجوما شديدا علي حزب الوفد بالذات لكونه حزب الأغلبية، وذلك رغم اعترافه بانضمامه للوفد عندما تعرف علي العقاد عقب مجيئه إلي القاهرة، وظل عضوا في الحزب حتي سنة 1942 حيث استقال منه، وفي ذلك يقول: «استكمل حزب الوفد الطابع الرجعي بانضمام الاقطاعي سراج الدين إلي صفوفه، وبروزه في هذه الصفوف، وسيطرته عليه في النهاية، وكانت هذه نهاية الوفد كحزب يعبر عن اتجاه الجماهير». ولا يكتفي سيد قطب بالتهجم علي الأستاذ فؤاد سراج الدين، بل ويتهجم أيضا علي مصطفي النحاس باشا، فيقول: «إن حزب الوفد شاخ وانتهت أيامه، ومصطفي النحاس رجل شاخ وانتهت أيامه». وسيد قطب في هذه الاتهامات الباطلة يتجاهل حقائق مهمة في تاريخ حزب الوفد أبرزها أنه قاد ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني، وأن الأستاذ فؤاد سراج الدين كان وزير الداخلية الذي أدار معركة الشرطة ضد القوات البريطانية في منطقة القناة، وسحب العمال المصريين من المعسكرات البريطانية هناك، وأن مصطفي النحاس باشا هو الذي طالب البرلمان بإلغاء معاهدة 1936 في عام 1951، كما تجاهل حقيقة أخري مهمة وهي أن الوفد كان يضم شرائح عديدة من المجتمع المصري من الفلاحين والعمال والمتعلمين ولم يكن مقصورا فقط علي كبار الملاك والاقطاعيين والرأسماليين، كما حاول سيد قطب أن يصوره مفتريا علي هذا الحزب وتاريخه ورجاله. كما تجاهل أيضا أن الوفد هو الذي تصدي للملك فاروق حتي أقصاه الأخير بعد حريق 26 يناير 1952 المدبر بواسطة الملك والإخوان.
- وفي دعوة سيد قطب إلي تطهير الأحزاب، بل وإلغائها لم يبال بمبادئ العدل والقانون، بل رأي ضرورة أن يختفي من مجال النشاط القومي كل رجل حامت حوله الشكوك، دون الاهتمام بالتحقق من هذه الشكوك، بل نجده يقول صراحة ودون مواربة «لأن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت»!! وكانت النتيجة أن بدأت المحاكمات العسكرية تُعقد لمحاكمة رؤساء الأحزاب والقوي السياسية أمثال فؤاد سراج الدين وإبراهيم عبدالهادي وإدانتهم والحكم عليهم بالسجن.
صدام الإخوان مع الثورة لرغبتهم في السيطرة عليها
- مع قيام ثورة 23 يوليو تبوأت جماعة الإخوان في البداية مكانا مرموقا لدي قادة الثورة وضباطها، بحكم اتصالات سابقة بين بعض هؤلاء القادة والجماعة، حتي قيل إن عبدالناصر وعبدالمنعم أمين وأنور السادات وكمال الدين حسين كانوا أعضاءً فيها. إلا أن التعاون بينهما ما لبث أن تعثر لأن الجماعة كانت تتصرف وكأنها طليعة القوي السياسية في مصر، والمحور الرئيسي للمسار العام خارج شرعية النظام، بل وأرادت أن تفرض وصايتها علي قادة الثورة، ليس فقط فيما يصدر عنهم من قرارات ولكن أيضا في تشكيل الوزارات، حيث أرادت أن تحتفظ لنفسها بعدد من الوزارات السيادية والتربوية، بل وأرادت أن تفرض رؤيتها في صغائر الأمور مثل ضرورة ارتداء الفتيات الحجاب!، وهو ما رفضه عبدالناصر، كما هاجمت قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في سبتمبر 1952، وطالبت برقابتها علي كل القوانين والتشريعات قبل أن تتخذ الحكومة قراراً بشأنها، كذلك عارضت إنشاء هيئة التحرير، وحاربت اتفاقية الجلاء، وطالبت بإصدار دستور إسلامي يطبق الشريعة، وعلي أن يتم ذلك فوراً، وقبل أن تحل القضية الوطنية بإجلاء قوات الاحتلال البريطانية أو القضايا الديمقراطية والاجتماعية، وهدَّدت بإحياء نشاط التنظيم العسكري إذا لم تتحقق مطالبها.
- وعلي ما يري د. فؤاد زكريا في كتابه (الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة) ص 63 أن العلاقة بدأت بين النظام والجماعة تتخذ نمطا مميزا هو محاولة كلا الطرفين استغلال الآخر لتحقيق مصالحه الخاصة، والانتقال إلي العنف كلما أصبح التعارض بين مصالح الطرفين صارخا. ففي العامين الأولين من الثورة، تصور الإخوان أنهم يستطيعون استغلالها لصالحهم، وتصورت الثورة أنها قادرة علي استخدام الإخوان لمحاربة الأحزاب، وحدث تحالف مؤقت، ثم جاء الصدام، وهو صدام كان في جوهره سياسيا لا عقائديا، وكان صراعا للقوي لا صراعا بين الأفكار. وهكذا تحولت الجماعة من المهادنة والتوفيق والتدرج في ظل السلطة الملكية إلي المعارضة والصدام مع السلطة الناصرية حتي انتهي الأمر بالصدام الدموي عام 1954، وبشنق عدد من قادتهم وبسجن وتعذيب ما يقرب من ألف من أعضائها، وهروب آلاف آخرين إلي دول أخري أبرزها السعودية.
ابتعاد قطب عن الثورة والتصادم معها
- عندما قامت ثورة 23 يوليو كان سيد قطب من أكثر المصريين تأييدا ومساندة لها، وسخّر قلمه منذ البداية لمؤازرتها ومهاجمة من يقف في طريقها، ودعا إلي الإفراج عن السجناء السياسيين، وإعادة إنشاء إدارة حكومية جديدة، بل واعتبرها أعظم انقلاب في تاريخ مصر الحديثة علي الإطلاق، مما دعا بعض الكتاب أن يخلعوا عليه وقتذاك لقب (ميرابو الثورة المصرية). وعقب وقوع الثورة مباشرة أُختير سيد قطب مستشاراً لمجلس قيادة الثورة للشئون الثقافية والعمالية، وكان المدني الوحيد الذي يحضر جلسات المجلس في أحيان كثيرة، كما كان له مكتب خاص به في مقر قيادة الثورة. وقد أوكل قادة الثورة له مهمة تغيير مناهج التعليم. وقد ذكر قطب أنه «كان يعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا تقريبا مع رجال الثورة ومعهم ومع من يحيط بهم». ولكن بدأ ابتعاد سيد قطب عنهم في فبراير 1953، وأرجع ذلك إلي اختلاف رأيه عنهم حول هيئة التحرير ومنهج تكوينها منذ نشأتهم وعبر 85 عاما وحتي اليوم رغم تعيينه سكرتيراً عاما مساعداً لها، وأيضا إلي محاولة أمريكا احتواء الثورة، وهو ما لم يقتنع به كثير من الكتاب لأن علاقات قطب مع الأمريكيين كانت قائمة منذ بعثته هناك عام 1950، كما أن علاقة ضباط الثورة مع الأمريكيين أيضا كانت قائمة من قبل الثورة بواسطة رجل المخابرات (مايلز كوبلاند) الذي دبّر لقاءات بينهم وروزفلت رجل المخابرات المركزية في مارس 1952، وهو ما أكده حسنين هيكل في (وثائق القاهرة). كما ادعي البعض ان ابتعاد سيد قطب عن رجال الثورة كان بسبب كونهم لا يعملون بالمنهج الإسلامي. كذلك أرجع آخرون سبب الابتعاد إلي أن سيد قطب كان يريد أحد منصبين: وزير المعارف أو مدير الإذاعة، ولكن عبدالناصر عين غيره في المنصبين، وفوجئ بهم يعرضون عليه منصب (وكيل الوزارة)، فآلمه ذلك كثيرا ورفض المنصب، حيث اعتبر ذلك عدم تقدير من جانب رجال الثورة للجهد الضخم الذي بذله في تأييدهم ومساندتهم والدفاع عنهم.
- وعندما شعر سيد قطب أن الثوار خذلوه، ولم يحققوا له طموحاته، بدأ يقارن بين ما يمكن أن يحصل عليه لو استمر مع ثوار يوليو، وبين ما يمكن أن يجنيه من مساندته للإخوان، وكانوا بدأوا بدورهم الابتعاد عن الثورة، فقرر أن يلقي بثقله كله ورهانه علي جماعة الإخوان وشغل منصب الإشراف علي قسم نشر الدعوة التابع لمكتب الإرشاد، وكان قد سبق أن نفي لجمال عبدالناصر انضمامه للإخوان. ومن المعروف أنه قبل 23 يوليو 52 بشهور كان يطلق علي نفسه أنه واحد من «أصدقاء الدعوة الإسلامية»، وانتقد موقف الإخوان من معركة القناة بعد إقدام حكومة الوفد علي إلغاء معاهدة 1936، وشاء أن يخرج الهضيبي، فطالبه علي صفحات (المصري) بتحديد موقفه قائلاً: «إن رأي الإخوان يجب أن يكون واضحا في مناهج وبرامج محددة ولا يحيل إحالة غامضة إلي رأي الإسلام، بل أن تقول وتعلن: «ما هو رأي الإسلام الذي يراه الإخوان؟.. إن آراء الإسلام في كل حقل من حقول الحياة يمكن أن تصور تصويرا مغرضا مشوها إذا تُركت بغير تحديد واضح في صورة مناهج وبرامج محددة في كل جانب من جوانب الحياة، وأنه ينبغي أن تعلن للناس هذه المناهج المحددة وهذه البرامج الواضحة»، وهو ما جعل الهضيبي يرد عليه منتقداً كثرة حديثه عن موقف الإخوان. وفي واقع الأمر أن سيد قطب كان في السنوات الأولي للثورة يسير في علاقاته مع الثوار والإخوان في خطين متوازيين. وكان حريصا علي توثيق صلاته بكل من مجلس الثورة ومكتب الإرشاد، حتي إنه شارك في مؤتمر في 18 أغسطس 52 عقده الهضيبي طالب فيه قادة الثورة بالإفراج عن سجناء الإخوان منذ عهد الملكية، وقد وصف قطب سجناء الإخوان بأنهم «الكوماندوز.. طلائع حركة محمد نجيب، ولهذا فالإفراج عنهم أمر مكمل للحركة. والواقع أن سيد قطب كان في حاجة إلي انغماسه في جماعة الإخوان حتي النخاع، ليس فقط لاتفاقها مع أفكاره وآرائه ولكن لكونه في حاجة إلي شبابها ليشكلوا له النموذج الذي يهواه ويبحث عنه منذ عمله بالأدب، وهم تلاميذ ومريدون يعجبون كما كان الأمر مع عباس العقاد وطه حسين، وافتقده قطب عندما عمل بالأدب والنقد، فأراد أن يحققه عند العمل مع جماعة الإخوان.
- وحقيقة الأمر أن سيد قطب بعد انتمائه لجماعة الإخوان ومراقبة سيرها العملي والصراعات والأخطاء التي وقعت فيها، اقتنع برأي مفاده أن اغتيال حسن البنا فجأة وغيبته عن الجماعة دون أن يكون وراءه صف ثان يعرف منهجه الطويل، هو الذي أوجد ارتباكا واضطرابا في الجماعة، وهو ما يعني أن النقيصة الأساسية في حركة الجماعة من وجهة نظره هي غياب المنهج الواضح، وفي حقيقة الأمر أن سيد قطب لم يجد المرشد الهضيبي أهلا لتولي هذا المنصب وأنه أحق به إلا أن ذلك لم يمنع من بقائه داخل الجماعة والعمل في صفوفها مراهنا بكل أوراقه عليها بعد أن ترك الثورة وتحوله نحو انتقادها، وبروز الأزمة بين الإخوان ورجال الثورة، واعتبرت الأجهزة الناصرية أن الأزمة تعود إلي امتلاك الجماعة لتنظيم سري عسكري دفعها لفرض الوصاية علي الثورة.
- وفي نهاية عام 1953 قرر مرشد الجماعة إصدار جريدة أسبوعية (الإخوان المسلمون) علي
أن يتولي سيد قطب رئاسة تحريرها، وفيما كان قطب يستعد لإصدار الجريدة ساءت العلاقة بين الإخوان والثورة، وصدر قرار بحل الجماعة في يناير 1954، وتم إلقاء القبض علي عدد من الإخوان كان سيد قطب من بينهم وظل في المعتقل حتي مارس من نفس السنة، حين انفرجت الأمور بين الإخوان والثوار مؤقتا، فأفرج عنه، وعاد إلي إصدار الجريدة مرة أخري في 20 مايو 1954.. ولكن عندما بدأ عبدالناصر نشر دعوته إلي القومية العربية، عارضها سيد قطب ودعا في المقابل إلي الوحدة الإسلامية. كما شن هجوما علي بعض بنود اتفاقية الجلاء، وصار يصف قادة الثورة بـ «الحكام الجدد»، بل وصار يحذرهم من المساس بالإخوان المسلمين حتي لا يحدث بالثوار ما حدث مع الملك فاروق عندما نكلَّ بالإخوان وقتل مرشدهم حسن البنا، فتمت الإطاحة بالملك ونظام حكمه، فكانت النتيجة أن أوقف عبدالناصر إصدار المجلة بعد 12 عدداً، لاسيما بعد أن عارضت اتفاقية الجلاء.
سنوات السجن الأولي، وكتابة الظلال والمعالم
- ومع أحداث أكتوبر 1954، والتي تمت فيها محاولة اغتيال عبدالناصر وهو يلقي خطابا له في ميدان المنشية بالإسكندرية، والتي بدئ علي أثرها في اعتقال أعضاء الجماعة، وتشكيل (محكمة الشعب) لمحاكمة زعمائهم، وكان نصيب سيد قطب خمسة عشر عاما من الأشغال الشاقة لاتهامه بكتابة منشورات سرية للإخوان ضد الثورة، وكانت النشرة بعنوان (الإخوان في المعركة)، وقضي أغلبها في مستشفي السجن الملحق به لسوء صحته. وقد سمحت له الحكومة بالكتابة داخل السجن، وتردد يومها أن الشيخ محمد الغزالي عُيَّن رقيبا دينيا علي ما يكتبه، وكان أن تمكن من كتابة 13 جزءا من كتاب (في ظلال القرآن).
- وفي كتاب الظلال تحول سيد قطب من الاهتمام بواقع حال لمجتمع محدد من واقع فهمه الخبرة الإسلامية، إلي ضيقه بكل المجتمعات الإسلامية القائمة بدعوي أنها لا تسترشد بالإسلام. وقد عبر محمد خلف الله في كتابه (الصحوة الإسلامية في مصر) عن أثر فترة اعتقال سيد قطب بقوله: «إن المحنة السجينة لسيد قطب كانت العامل المباشر في تحول فكرة وتصلبه وانضمامه إلي الفكر الإسلامي الناشئ في الهند وباكستان ممثلا في (أبوالأعلي المودودي) و(أبوالحسن الندوي).
- ولقد ساعد ما عاناه قطب في السجن علي عملية مراجعة شاملة للفكر الذي تتبناه الجماعة. فقد كانت النواة حاضرة وتصاعدت خميرتها، وكانت في شطر كبير منها حقداً علي الدولة وعلي النظام الثوري، حين دار حوار السجناء حول غيبة الله (حاشا لله)، من حيث إنه لم يقض علي أعداء الإخوان الذين ينالون منهم ويعذبونهم. وقد أثري سيد قطب هذا الحوار بمؤلفاته التي تمثل الاتجاه الحركي في خطابه، وهي (هذا الدين) الذي أوضح فيه خصائص المنهج الإسلامي وما يمتاز به عن المناهج الوضعية، ثم كتب (المستقبل لهذا الدين) وركز فيه علي عدم جدوي محاولات ضرب طلائع البعث الإسلامي، وهاجم أنظمة الحكم التي كانت تقوم بهذا الدور ناعتا إياها بالجاهلية «مهما تعددت أشكالها وبيئاتها وأزماتها»، ثم أخيرا كان كتابه (معالم في الطريق) الذي اكتسب شهرة علي امتداد عالمي، وتشبث به وانتسب إليه ألوف من المتأسلمين علي نطاق العالم والذي هدف به أن تعرف الجماعة طبيعة دورها وحقيقة وظيفتها.. كما تعرف طبيعة موقفها من «الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعها» (ص 9 من المعالم).
- وقد تصدي المرشد الهضيبي لهذا الفكر القطبي بكتابه (دعاة لا قضاة) مستنكرا تكفير المسلمين جميعا بغير استثناء، ومفسراً أن الحاكمية لله لا تنفي أن الله تعالي ترك للإنسان الكثير من أمور الدنيا لينظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا». أما الأستاذ حلمي النمنم فقد قال في كتابه السابق الإشارة إليه ص 145 (إن معالم في الطريق هو أضعف كتب سيد قطب فكريا، وأسوأها في الكتابة، إنه يضم فكرة واحدة قديمة لديه، أخذ يلح عليها ويكررها يعيد ولا يزيد شرحا وتوضيحا بلا ملل، وبأسلوب أدبي يعتمد علي الاستطراد والإنشاء فقط، إنه مونولوج طويل يمتد حوالي 200 صفحة، مونولوج يقطر حزنا ومرارة وشعوراً بالثأر والرغبة في الانتقام». أما الأستاذ عادل حمودة فيؤكد في كتابه المشار إليه آنفا ص 142 «من المؤكد أن مذبحة سجن طرة حسمت الأمر داخل سيد قطب، فقد أصبح مقتنعا بأن النظام الذي يحكم لا يمت للإسلام بصلة، ولانه نظام غير إسلامي، فلابد أنه نظام جاهلي لابد من مقاومته ومحاربته، وفرض الإسلام الصميم عليه. لقد أصبح الآن (سيد قطب) وبسبب محنته ومحنة الإخوان يؤمن بضرورة الجهاد بالسيف للتخلص من هذا المجتمع الكافر الذي يعيش في جاهلية وينطق الشهادتين ولا يعمل بهما».
- وإذا يحاول بعض الإخوان أن يبرروا عنف أفكار سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) بأنها «نتيجة تعرض سيد قطب للتعذيب والاعتقال» فإننا ننفي ذلك لأن سيد قطب لم يخضع للتعذيب فقد قضي كل فترة السجن تقريبا في عنبر مستشفي لسجن بليمان طرة. أما الصحيح فهو ما يقوله البعض الآخر «لا يمكن أن يكون الضغط هو السبب في بروز هذا الفكر، ذلك لان الإخوان بصفة عامة تعرضوا للضغط أكثر من سيد قطب، فهذا الفكر هو اعتقاد وإيمان نابع من سيد قطب ومن المجموعة التي آمنت به».
- وفي مايو 1964- أي بعد عشر سنوات من السجن - صدر لسيد قطب عفو رئاسي لأسباب صحية بوساطة من الرئيس العراقي الأسبق عبدالسلام عارف، في ظروف كانت المعركة ضد قوي الرجعية العربية قد زادت من حساسية المسألة الدينية، ووضعتها في منطقة الضوء. وحتي بعد الإفراج عنه، فإنه ظل ينفي التهمة الموجهة إليه في 1954.
من الإفراج إلي الإعدام
- قبل الإفراج عن سيد قطب بعدة أعوام، رُشّح سيد قطب لقيادة التنظيم السري، وعندما أُسعف بالإفراج عنه بدأ علي الفور ممارسة مسئوليات القيادة، مستثمرا المكسب السياسي الذي جناه من مرحلة الاعتقال، والذي منحه (شرعية) نضالية، فقد كانت لديه قناعة محددة تقوم علي أمرين أساسيين هما: الأول أن تبدأ الحركة من القاعدة وليس من القمة، وذلك عبر «إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول والتربية الإسلامية الصحيحة، والابتعاد عن إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية أو محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء علي الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي الساعية إلي النظام الإسلامي لأنها عرفته علي حقيقته وتريد أن تحكم به». أما الأمر الثاني فهو «رد الاعتداء الذي يمكن أن يقع علي الحركة، ثم يوضح سيد قطب كيفية إجراء هذه الحماية «هذه الحماية تتم عن طريق مجموعات مدربة تدريبا فدائيا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق». وكان المخطط طبقا لما تقوله زينب الغزالي: «أن نسخر مدة التربية والتكوين والأعداد.. وأن يستغرق برنامجنا التربوي ثلاثة عشر عاما، عمر الدعوة في مكة.. ولكن رغبة الانتقام واستعجال التغيير كانت أسبق».
- وعقب خروج سيد قطب من السجن التقي عددا من شباب الجماعة .. منهم عبدالفتاح إسماعيل، وعلي العشماوي وأحمد عبدالمجيد.. وغيرهم، وأخبروه بأنهم يشكلون تنظيما منذ حوالي أربع سنوات ومشكلتهم أنهم بلا قيادة ويريدونه قائداً لهم خاصة أنهم ذهبوا إلي الجيل القديم من الإخوان ولكنهم لم يجدوا بينهم من يصلح قائداً لهم، خاصة بعد أن قرأوا كتبه وسمعوا أحاديثه ويريدون تحويلها إلي أعمال علي الأرض، وفي ذلك يقول قطب «كنت أمام أمرين: إما أن أرفض العمل معهم، وهم لم يكونوا علي النحو الذي أنا مقتنع به، وإما أن أقبل العمل علي أساس تدارك ما فاتهم من المنهج الذي أتصوره للحركة، وعلي أساس إمكان ضبط حركاتهم بحيث لا يقع اندفاع في غير محله.. وقررت اختيار الطريق الثاني والعمل معهم وقيادتهم».
- قام بعض الإخوان القدامي - مثل منير الدلة - بتحذير سيد قطب وتنبيهه إلي خطورة هؤلاء الشبان وتهورهم، وأنهم يفكرون في التعجيل بضرب مكتب المشير عبدالحكيم عامر، وأنهم دسيسة علي الإخوان من المخابرات الأمريكية، وأن المخابرات المصرية «كشفاهم». وفي نفس الوقت اشتكى هؤلاء الشباب إلى سيد قطب قادة الإخوان الذين يتهمونهم بأنهم جواسيس الحكومة. ولكن سيد قطب استبعد تحذيرات قدامى الإخوان تماماً وانحاز بالكامل إلي الشبان وقرر أن يدافع عنهم، ولم يكشف قطب بأن يقودهم فقط، ولكنه أخذ يحدثهم عن اختراق الماسونية لجماعة الإخوان، وأن وكيل الجماعة خميس حميدة أحد الماسونيين، لذلك اخترقت المخابرات البريطانية قيادة الجماعة وجندت حلمي المنياوي من مكتب الإرشاد، وأن حسن البنا كان يعلم ذلك، ولكنه ظل محتفظاً بهذه المعلومات لنفسه إلي أن وقعت عملية اغتياله، فمات معه السر.
- ظل سيد قطب يلتقي أعضاء التنظيم ليشرح لهم أفكاره ويقدم آراءه، وأعلن لهم أن لديه معلومات مؤكدة أن مكتب المشير عامر يفكرون في ضرب الإخوان الآن، وإن علينا أن نستعد لذلك خاصة أن قائمة اغتيالات جديدة تشملهم جميعاً، وأنه -أي سيد قطب- يتصدر هذه القائمة، ومن ثم فإن الصدام قائم وآت لا ريب فيه، وبالتالي فعليهم الاستعداد العسكري للرد والدفاع، وصارحه الأعضاء بأنهم يجدون صعوبة في الحصول علي السلاح، إلا أنهم يعدون عبوات متفجرة بأنفسهم، ولكن قطب أخبرهم بأن لديه خبرا بقرب وصول عربة من السودان محملة بالسلاح خلال شهرين. أما عن التخطيط للضربة فقد أوضح لهم قطب أن عليهم تحديد الأهداف التي يسهل ضربها وأن تكون «ضربة رادعة» ويجب أن تشمل «إزالة الرؤوس وفي مقدمتها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومدير مكتب المشير ومدير المخابرات ومدير البوليس الحربي، ثم تنسف بعض المنشآت التي تشل حركة مواصلات القاهرة لضمان عدم تتبع بقية الإخوان فيها وفي خارجها كمحطة الكهرباء والكبارى» (سيد قطب - كتاب لماذا أعدمونى). وكان من ضمن الأهداف المخطط ضربها نسف القناطر الخيرية ولكنهم استبعدوها لأنها ستغرق الدلتا.
- وعندما كشفت الأجهزة الأمنية هذا التنظيم وخططه وبدأت حملة الاعتقالات، ولم تكن هناك أسلحة وردت من السودان كما كان متوقعاً، أرسل سيد قطب شقيقته (حميدة) إلي علي عشماوي لتبلغه رسالة من قطب مفادها: «أنا لا أريد زوبعة في فنجان، إذا كنتم قادرين علي تنفيذ عمل ضخم يهز أركان البلد فافعلوا، وإن لم تكونوا علي مقدرة بذلك فالغوا جميع الأوامر والخطط المتفق عليها وهذا خير لنا جميعاً. وكما يصف حلمي النمنم حال قطب في هذه الحالة «كان سيد قطب بهذه الرسالة يعتقد أن الاعتقال خير من المواجهة الضعيفة». وتم القبض علي أعضاء التنظيم ومنهم سيد قطب في 9 أغسطس 1965 وتمت محاكمته وصدر ضده حكم بالإعدام نفذ في 29 أغسطس 1966. ولقد كان هذا التنظيم محكوما عليه بالفشل لكثير من الأخطاء التي وقع فيها، ولكن وهو الأهم ما جاء في اعتراف علي العشماوي الذي قال فيه: «إذا كانت الماسونية وأجهزة المخابرات الغربية اخترقت الجماعة في قياداتها العليا، فما جدوى هذه الجماعة أصلاً وما دورها؟!.. لقد عشت التجربة علي أعلي مستوي واكتشفت أيضاً الخيبة عند أعلى مستوى في الجماعة» (لقاء حلمي النمنم مع علي عشماوي يوم 19 مارس 99).
خلاصة القول:
- نكشف محتويات هذه المقالة عن الفكر الميكيافيللي لجماعة الإخوان في الاقتراب من الثورات الشعبية وركوبها ثم استغلالها حتي وصول الجماعة للسلطة والحكم، ثم تنقلب علي كل من أوصلهم وتحالف معهم من قبل شاهدنا ذلك في محاولة الجماعة ركوب ثورة 23 يوليو والسيطرة عليها، وعندما رفض عبدالناصر ذلك حاولوا اغتياله والإطاحة بنظام حكمه عبر مخططات الاغتيال والتخريب والتدمير، فهل اختلف ذلك عما فعلته جماعة الإخوان مع ثورة 25 يناير 2011 عندما ركبتها بعد أن أدركت انتصارها وسقوط نظام حسني مبارك، ثم هادنت الجماعة الجميع حتي وصلت إلي الحكم ثم أطاحت بهم جميعاً بمن فيهم قادة المجلس العسكرى حتي كشف حقيقتهم الشعب المصري وأطاح بهم مع الجيش والشرطة في ثورة 30 يونية 2013، إنه تاريخ قديم وحديث لا يتغير أبداً بسبب ترسُّخ معتقد لدي الجماعة بأن هدفها الرئيسى الذي لا يغيب عنها أبداً هو الوصول إلى السلطة والحكم مهما كان السبب، وما الدين الإسلامي إلا وسيلة وغطاء خداعي لهذا الهدف، وليُقتل في سبيل ذلك من يُقتل، ويُخرب ويدمر لأجل ذلك كل ما علي أرض مصر حتي ولو كانت القناطر الخيرية كما أراد سيد قطب عام 1965، وحتي لو أحرقت مصر بالكامل كما أراد خيرت الشاطر عام 2013 إذا ما سقط نظام حكم الجماعة ورئيسها محمد مرسى.
- ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا تتورع الجماعة عن الإطاحة بالآلاف من أرواح المصريين، برز ذلك واضحاً في كلام سيد قطب الذي أشرنا إليه آنفاً بقوله «لئن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة تذبل وتموت». فهل يختلف هذا القول عما قاله الرئيس المعزول محمد مرسى «إننا علي استعداد للتخلص من بضعة آلاف من أجل ألا يعيش باقي الملايين من المصريين فى فوضى».  لذلك لم يكن غريباً أن يهدد قادة الإخوان الفريق السيسي بحرق كل مصر إذا ما سقط نظام حكم الإخوان في مصر، بل هددوا أيضاً باستدعاء الأمريكيين إلي مصر لحماية نظام حكمهم، وهو ما فعله فعلاً التنظيم الدولي للإخوان باللجوء إلى كل الدول والمنظمات الأجنبية للتدخل من أجل إرجاعهم للحكم، وهو ما يؤكد للمرة الألف تبعية واعتماد هذه الجماعة علي القوي الخارجية والاستقواء بها علي حساب أمن واستقلال الوطن ووحدة أراضيه، ويعني أيضاً سقوط الجماعة في مستنقع الخيانة حتي النخاع، فقد سبق في الخمسينيات والستينيات أن اخترقتهم الماسونية وأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية وهو ما اعترفوا به.
- كما تكشف أحداث علاقة الإخوان بنظام ثورة 23 يوليو، وأحداث ما بعد سيطرة الإخوان علي نظام الحكم في مصر في يوليو 2012 أن ما تتشدق به من تمسكها بالديمقراطية والتعددية الحزبية وحرية السلطة القضائية وحرية الإعلام، ما هي إلا شعارات جوفاء لا معني لها في معتقدات الإخوان وسلوكياتهم. فقد طالب سيد قطب في يوليو 1952 بإلغاء الأحزاب والدستور والقوانين القائمة، ورفض حرية الصحافة والكتابة والفن، وتدخل الدولة للحد من الملكيات والرأسماليات الخاصة، وأن لا مكان لما يسمي حقوق الإنسان، ولا دور حقيقيا للجماهير وأنهم في عرف سيد قطب (قطيع يجب أن ينصاع للقائد)، كما رفض سيد قطب أن تكون مصر كياناً مستقلاً بذاته، ولا وطناً خاصاً بالمصريين، بل جزء من الجبهة الإسلامية.. فهل اختلف ما نادي به وطبقَّه الإخوان في عام 2013 عما أرساه سيد قطب من هذه المعالم والمبادئ؟! فقد احتكروا كل شيء في الدولة لصالح تمكين الإخوان منها، واستباحوا حرمات المصريين من أرواح وثروات علي النحو الذي جرى في المجازر والجرائم التي ارتكبوها في الاتحادية والمقطم وكرداسة والمنيا ورابعة والنهضة.. وغيرهما علي كل الساحة المصرية، وطبخوا لمصر دستوراً في ليلة واحدة، وحاصروا المحكمة الدستورية، وأقالوا النائب العام وسعوا إلي أخونة الإعلام والتعليم والشرطة والقضاء والجيش والنقابات المهنية والعمالية من قبل.. إلي غير ذلك من أخونة كل مؤسسات وهيئات الدولة طبقاً لخطة التمكين التي وضعها خيرت الشاطر عام 2005 تحت اسم (فتح مصر).
- ولكن، وكما اعترف علي العشماوى بأن جماعة الإخوان مخترقة من قبل الماسونية وأجهزة المخابرات الأجنبية، وتساءل عن جدوى هذه الجماعة أصلاً وما دورها، معترفاً بخيبتها وفشلها، فقد تحقق نفس الأمر وتكرر في العام 2013 الشؤم الذي سيطرت فيه الجماعة علي الحكم في مصر، فقد أثبتت تبعيتها واختراقها بواسطة أجهزة المخابرات الأمريكية والماسونية، ولكن بفضل الله ووعي الشعب المصرى فشلت جماعة الإخوان في كل محاولاتها للتمكين لها في مصر، وخابت في كل ممارساتها الإجرامية من تحقيق أي أهداف سياسية أو استراتيجية، كما خاب تنظيمها الدولى في استعداء العالم الخارجي ضد مصر، وهذا واقع حديث سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم القائل فيه عن مصر «من أرادها بسوء قصمه الله».

أهم الاخبار