رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدول الإسلامية سبقت أوروبا في‮ ‬اكتمال عنصري‮ ‬الإقليم والشعب

ملفات محلية

الأربعاء, 15 ديسمبر 2010 15:16

يقوم النظام الدولي‮ ‬في‮ ‬شكله الحاضر علي‮ ‬تقسيم أرض المعمورة إلي‮ ‬وحدات إقليمية‮ ‬يطلق عليها اسم الدول،‮ ‬والدولة هي‮ ‬حجر الزاوية في‮ ‬نظام القانون الدولي،‮ ‬فهي‮ ‬نظام قانوني‮ ‬وسياسي،‮ ‬يمكن تعريفها بأنها جمع من الناس‮ ‬يعيش علي‮ ‬سبيل الاستقرار علي‮ ‬إقليم محدود،‮ ‬ويدين بالولاء لسلطة حاكمة،‮ ‬لها السيادة علي‮ ‬الإقليم وعلي‮ ‬أفراد هذا الجمع،‮ ‬وقد نصت المادة الأولي‮ ‬من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول التي‮ ‬عقدتها الولايات المتحدة الأمريكية في‮ ‬26‮ ‬من ديسمبر سنة‮ ‬1933‮ ‬علي‮ ‬أنه‮ ‬يجب لكي‮ ‬تعتبر الدول شخصاً‮ ‬من أشخاص القانون الدولي‮ ‬أن تتوافر فيها الشروط التالية‮:‬

‮(‬1‮) ‬شعب دائم‮. (‬2‮) ‬إقليم محدود‮. (‬3‮) ‬حكومة،‮ ‬وعلي‮ ‬أساس هذا النص‮ ‬يمكن القول بأن هناك ثلاثة أركان رئيسية‮ ‬يجب توافرها لكي‮ ‬يصدق وصف الدولة علي‮ ‬وحدة إقليمية وسياسية معينة،‮ ‬وهذه الأركان هي‮: ‬الشعب والإقليم والسيادة‮.‬

ومادامت الدولة تتكون من جمع من الأفراد،‮ ‬وهم الذين‮ ‬يؤلفون شعبها،‮ ‬ويقطنون إقليمها،‮ ‬ويخضعون لسلطانها فإنهم بالتالي‮ ‬يخضعون لدستورها وأحكام قوانينها،‮ ‬بما تقرره لهم من حقوق وحريات،‮ ‬وما تفرضه عليهم من تكاليف والتزامات‮.‬

ويبين قانون الجنسية في‮ ‬كل دولة الأشخاص الذين‮ ‬يستمتعون بجنسية الدولة،‮ ‬وتربطهم بها رابطة الولاء،‮ ‬علي‮ ‬أنه‮ ‬يوجد عادة علي‮ ‬إقليم كل دولة أشخاص آخرون،‮ ‬يعرفون بالأجانب تربطهم بالدولة رابطة الإقامة أو التوطن‮.‬

أما إقليم الدولة فإنه ذلك الجزء المحدود من الكرة الأرضية الذي‮ ‬يخضع لسيادة الدولة،‮ ‬وتربط الإقليم الآن بالدولة رابطة وثقي‮ ‬تجعلهما لا‮ ‬يفترقان‮. ‬فإن كان الإقليم سابقا علي‮ ‬ظهور الدولة الحديثة من حيث تاريخ الوجود فإن أغلب الظن أنه سوف‮ ‬يبقي‮ ‬موجوداً‮ ‬حتي‮ ‬بعد زوال الدولة في‮ ‬صورتها الحالية‮.‬

والرابطة التي‮ ‬تربط بين الدولة وبين الإقليم رابطة حديثة النشأة‮ ‬يرجع وجودها إلي‮ ‬القرن التاسع عشر،‮ ‬وتوثقت في‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬فالإقليم لم‮ ‬يكن عنصراً‮ ‬أساسياً‮ ‬من عناصر الدولة عند اليونان وعند الرومان،‮ ‬ثم بدأت هذه الرابطة تظهر في‮ ‬العصور الوسطي،‮ ‬فعندما أنشأت الأمم الجرمانية الدول في‮ ‬غرب أوروبا ووسطها كان مظهر الدولة هو مظهر الجماعة الوطنية التي‮ ‬لا ترتبط بإقليم معين محدد برابطة دائمة‮.‬

وفي‮ ‬أواخر العصور الوسطي‮ ‬بدأ الإقليم‮ ‬يظهر في‮ ‬الإدراك القانوني‮ ‬للدولة،‮ ‬بوصفه عنصراً‮ ‬من عناصر تكوينها‮. ‬ومن هنا‮ ‬يتبين لنا أن السيادة الإقليمية هي‮ ‬أساس جميع العلاقات الدولية الآن،‮ ‬وأن كل الالتزامات الدولية تتعلق بالحقوق العينية علي‮ ‬إقليم الدولة‮.‬

والمعروف أن هذا الوضع كان مقصوراً‮ ‬علي‮ ‬دول أوروبا المسيحية التي‮ ‬طبعت قواعد القانون الدولي‮ ‬بطابعها،‮ ‬وقصرت العضوية في‮ ‬الأسرة الدولية علي‮ ‬الدول الأوروبية التي‮ ‬تدين بالدين المسيحي‮ ‬دون‮ ‬غيرها من الدول‮.‬

لذلك نجد أن الوضع السابق فيما‮ ‬يتعلق بالإقليم كان محدودا بالنظم التي‮ ‬سادت أوروبا،‮ ‬أما في‮ ‬غيرها كالنظام الإسلامي‮ ‬مثلاً،‮ ‬فقد كان الإقليم فيه مرتبطاً‮ ‬بنظام الدولة برابطة حتمية،‮ ‬ذلك أن النظام الإسلامي‮ ‬يقسم المعمورة إلي‮ ‬دارين‮:‬

دار الإسلام هي‮ ‬تلك الدار التي‮ ‬تمتد إليها ولاية المسلمين،‮ ‬أي‮ ‬تلك الدار التي‮ ‬تسودها أحكام الشريعة الإسلامية،‮ ‬وظاهر أن العنصر الذي‮ ‬يميز دار الإسلام من دار الحرب هو عنصر الإقليم،‮ ‬فالإقليم الذي‮ ‬تسوده أحكام الشريعة هو العنصر المكون لدار الإسلام،‮ ‬وهو الذي‮ ‬يحدد تلك الدار‮.‬

ولما كان النظام الإسلامي‮ ‬وغيره من الأنظمة‮ ‬غير المسيحية قليل التأثير علي‮ ‬النظام القانوني‮ ‬الدولي‮ ‬الذي‮ ‬صنعته الحضارة الأوروبية المسيحية،‮ ‬فقد ظل وضع الإقليم في‮ ‬القانون الدولي‮ ‬مطبوعاً‮ ‬بالطابع السالف بيانه‮.‬

وقد ثار النقاش في‮ ‬شأن الطبيعة القانونية لإقليم الدولة،‮ ‬وطبع هذا النقاش منذ قيامه بطابع الظروف التاريخية،‮ ‬ونظم الجماعات الإنسانية،‮ ‬وأسس العقائد الدينية التي‮ ‬لابست تطورات الجماعات الإنسانية في‮ ‬مختلف العصور‮.‬

ولعل أهم النظريات في‮ ‬الطبيعة القانونية للإقليم هي‮ ‬نظرية الملكية،‮ ‬ونظرية المساحة،‮ ‬ونظرية الاختصاص‮. ‬وأنصار النظرية الأولي‮ ‬يذهبون إلي‮ ‬أن الحق في‮ ‬الإقليم هو حق عيني‮ ‬يماثل حق الملكية،‮ ‬وقد نشأت هذه النظرية في‮ ‬بادئ الأمر متأثرة بالعقائد الدينية التي‮ ‬كانت سائدة حينذاك‮.‬

وكان مظهر نشأتها الأولي‮ ‬أنه كان لكل من مختلف الآلهة نطاق إقليمي‮ ‬محلي،‮ ‬وكان الآلهة المحليون‮ ‬يشكلون آلهة بكل معاني‮ ‬الكلمة،‮ ‬ويعدون فوق ذلك الأصحاب الحقيقيين للأراضي التي‮ ‬تخضع لسلطانهم الديني‮ ‬المحلي‮.‬

وإذاما ارتقي‮ ‬بعض هؤلاء الآلهة المحليين إلي‮ ‬مرتبة الآلهة الوطنيين،‮ ‬فإن معني‮ ‬ذلك أن دائرة ملكهم وملكيتهم قد اتسعت كل الإقليم الذي‮ ‬يحيا عليه المؤمنون بهم،‮ ‬العابدون لهم‮!‬

وقد ظلت هذه الظاهرة الدينية الإقليمية قائمة مدة طويلة من الزمان،‮ ‬وبدت واضحة المعالم بعد ذلك فيما ورد من بعض الأقوال في‮ ‬العهد القديم،‮ ‬وفيما ادعاه بعد ذلك رؤساء الكنيسة الكاثوليكية من الحق في‮ ‬التصرف في‮ ‬مختلف قطاعات الكرة الأرضية بإصدار المراسيم بتحويل ملكيتها للأسبان وللبرتغاليين إبان عصر الاكتشافات الجغرافية،‮ ‬وذلك‮ ‬يوصف أن البابا هو ممثل الرب المالك للأرض‮!‬

وعلي‮ ‬الرغم من أن نظرية الملكية في‮ ‬مظهرها الديني‮ ‬قد اندثرت تماماً،‮ ‬وانهارت أسسها إلا أن الصهيونيين قد استندوا إليها فيما جاء من أقوال في‮ ‬العهد القديم لتأسيس حقهم في‮ ‬العودة إلي‮ ‬فلسطين أرض الميعاد،‮ ‬بوصف أن الرب قد منحهم ملكيتها‮.‬

ويري‮ ‬الصهيونيون أن العهد القديم‮ ‬يثبت حقهم في‮ ‬ملكية فلسطين تأسيساً‮ ‬علي‮ ‬بعض ما ورد في‮ ‬العهد القديم‮.. »‬وقال له أنا الرب الذي‮ ‬أخرجك من أور إلي‮ ‬الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها‮ - ‬سفر التكوين‮: ‬الإصحاح ‮٣٢ -‬،‮ ‬ومنها كذلك ما جاء في‮ ‬سفر‮ ‬يسوع بن نون في‮ ‬الآيات من ‮١ ‬إلي ‮٦ ‬علي‮ ‬النحو التالي‮: ‬وكان بعد موت موسي‮ ‬عبدالرب أن الرب كلم‮ ‬يسوع بن نون خادم موسي‮ ‬قائلاً‮: ‬موسي‮ ‬عبدي‮ ‬قد مات،‮ ‬فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلي‮ ‬الأرض التي‮ ‬أنا معطيها لهم أي‮ ‬لبني‮ ‬إسرائيل،‮ ‬كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسي‮ ‬من البرية ولبنان هذا إلي‮ ‬النهر الكبير،‮ ‬نهر الفرات جميع أرض الحتين وإلي‮ ‬البحر الكبير نحو مغرب الشمس‮ ‬يكون تخمكم،‮ ‬لا‮ ‬يقف إنسان في‮ ‬وجهك كل أيام حياتك كما كنت مع موسي‮ ‬أكون معك لا أهملك ولا أتركك تشدد وتشجع لأنك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي‮ ‬حلفت لآبائهم أن أعطيهم‮.‬

نظرية الملكية‮!!‬

وقد بدت نظرية الملكية في‮ ‬المرحلة الثانية من مظاهرها عندما بدأت روما تقيم إمبراطوريتها بالاستيلاء علي‮ ‬الأقاليم المجاورة لها،‮ ‬وعلي‮ ‬أقاليم ما وراء البحار سواء بالفتح أو بطريق الخضوع الاختياري،‮ ‬فأخضع علماء روما ملكيتها لهذه الأقاليم لأحكام القانون العام الروماني‮ ‬فصارت أقاليم الإمبراطورية الرومانية ملكية مشتركة للرومانيين‮.‬

ولما دخل عهد الإقطاع في‮ ‬الأفول،‮ ‬وتركزت السلطات في‮ ‬يد الملك وبدأ ظهور الدولة في‮ ‬شكلها الحديث زالت ملكية الأمراء لمقاطعاتهم الإقليمية،‮ ‬وبقي‮ ‬حق ملكية الملك لها،‮ ‬وتكيف هذا الحق بأوصاف الملكية الخاصة،‮ ‬وصار التصرف فيه بوسائل التصرف في‮ ‬الملكية الخاصة‮!‬

وعلي‮ ‬أثر قيام الثورة الفرنسية

وزوال النظم الفردية في‮ ‬الحكم،‮ ‬تحولت الملكية الفردية لإقليم الدولة من الحاكم إلي‮ ‬مجموع الشعب‮.‬

أما نظرية المساحة فإن أنصارها‮ ‬يذهبون إلي‮ ‬أن الدولة لا تستطيع أن تمارس سلطانها إلا بالنسبة للأفراد ذوي‮ ‬الإرادة،‮ ‬وذلك لتنظيم تصرفاتهم وضبطها وفقاً‮ ‬لما تضعه الدولة من أحكام،‮ ‬وما الإقليم إلا المساحة التي‮ ‬تمارس فيها الدولة هذا السلطان‮.‬

ويذهب أنصار نظرية الاختصاص أن مبدأ السيادة الإقليمية الذي‮ ‬تمارسه كل دولة،‮ ‬وهذه السيادة في‮ ‬واقع الحال سلطة آمرة،‮ ‬هي‮ ‬مجموعة حقوق السيادة التي‮ ‬تزاولها الدولة في‮ ‬كل حالة معينة،‮ ‬كالسيادة التشريعية والسيادة العسكرية والسيادة القضائية،‮ ‬ومجموع هذه الحقوق‮ ‬يكون الاختصاص الفعلي‮ ‬لكل دولة،‮ ‬لتعيين هذا الاختصاص‮ ‬يجب تحديد المخاطبين بهذا الأمر،‮ ‬والمكان الذي‮ ‬ينفذ فيه الأمر‮.‬

والحقيقة أن الطبيعة القانونية لإقليم الدولة هو خليط من هذه النظريات وبالتالي‮ ‬فإنه‮ ‬يمكننا القول إن الإقليم هو النطاق الذي‮ ‬تمارس الدولة سيادتها في‮ ‬حدوده،‮ ‬فكل من‮ ‬يوجد علي‮ ‬الإقليم‮ ‬يعد جزءاً‮ ‬منه،‮ ‬إعمالاً‮ ‬للقاعدة المأثورة‮: ‬من‮ ‬يكون علي‮ ‬إقليمي‮ ‬فهو خاضع لسلطاني‮!!‬

وتقضي‮ ‬قواعد القانون الدولي‮ ‬بأنه ما من سلطة أجنبية تستطيع أن تمارس سلطانها داخل إقليم الدولة المستقلة،‮ ‬إذ إن سلطان الدولة علي‮ ‬إقليمها مانع ومنفرد،‮ ‬هذه هي‮ ‬الحقوق الثابتة لكل دولة مستقلة علي‮ ‬إقليمها وهي‮ ‬حقوق تمارسها الدولة منفردة لا تشاركها فيها سلطة أجنبية‮.‬

وإذا كان إقليم الدولة هو ذلك الجزء من الكرة الأرضية الذي‮ ‬تمارس الدولة عليه سيادتها ويسود سلطانها فإنه‮ ‬يتكون أصلاً‮ ‬من قطاع‮ ‬يابس وما‮ ‬يعلوه من الفضاء وما‮ ‬يحيط به من الماء،‮ ‬والعنصر الأصلي‮ ‬فيه هو القطاع اليابس،‮ ‬ولا‮ ‬يشترط في‮ ‬الإقليم أن‮ ‬يكون ذا مساحة واسعة،‮ ‬إذ لا‮ ‬يوجد في‮ ‬مبادئ القانون الدولي،‮ ‬ولا فيما جري‮ ‬عليه العرف المتواتر بين الدول حد أدني‮ ‬أو حد أعلي‮ ‬لمساحة الإقليم،‮ ‬وعلي‮ ‬هذا الأساس فإنه متي‮ ‬وجد عنصر الشعب وعنصر السيادة فإن عناصر الدولة تكتمل بوجود عنصر الإقليم‮.‬

ولكن‮ ‬يشترط في‮ ‬إقليم الدولة أن‮ ‬يكون معيناً‮ ‬محدوداً،‮ ‬صحيح أن الإقليم من الناحية القانونية كان‮ ‬يعتبر في‮ ‬المرحلة الأولي لتطوره ملكيته خاصة من أملاك الملك،‮ ‬أو الأمير،‮ ‬أو صاحب الولاية عليها مهما‮ ‬يكن لقبه‮.‬

ولذلك كان علماء القانون قديماً‮ ‬يذهبون إلي‮ ‬أن ملكية الإقليم تكتسب وتنتقل بالأسباب ذاتها التي‮ ‬تنتقل بها الملكية الخاصة،‮ ‬وكانت الأوضاع القائمة بين الدول الأوروبية في‮ ‬العصور الوسطي‮ ‬لا تعرف سوي‮ ‬الأسباب المكسبة لملكية الإقليم والأسباب الناقلة لهذه الملكية التي‮ ‬يقررها القانون الخاص في‮ ‬نطاق الملكية الفردية،‮ ‬كالبيع والشراء والتنازل بعوض أو بغير عوض والهبة‮.‬

وكان الإقليم أو جزء منه من الممكن أن‮ ‬ينتقل من ولاية ملك أو أمير إلي‮ ‬ملكية ملك أو أمير آخر علي‮ ‬أسالس نظام الدولة في‮ ‬الزواج الذي‮ ‬كان‮ ‬يتم بين البيوت المالكة المختلفة،‮ ‬وإلي‮ ‬جانب هذه الأسباب التي‮ ‬كان‮ ‬يقرها القانون الخاص لاكتساب الملكية كان‮ ‬يوجد سبب آخر‮ ‬يدخل في‮ ‬نطاق القانون العام وهو ضم الإقليم بالقوة العسكرية بعد القتال،‮ ‬وقد شاركت هذه الأسباب في‮ ‬تكوين الصورة التي‮ ‬ظهرت بها دول أوروبا في‮ ‬العصور الوسطي‮ ‬وفي‮ ‬القرون التي‮ ‬تلتها مباشرة‮.‬

أوروبا المسيحية

بيد أن هذه الحالة كانت مقصورة علي‮ ‬دول أوروبا المسيحية وحدها،‮ ‬أما في‮ ‬دار الإسلام فقد كانت الحال تجري‮ ‬علي‮ ‬خلاف ذلك،‮ ‬فدار الإسلام بدت أول ما بدت في‮ ‬الصورة الحديثة للدولة كما هي‮ ‬معروفة الآن،‮ ‬ذلك أن الدولة الإسلامية سبقت نشوء الدول الأوروبية من حيث اكتمال عنصر الإقليم وعنصر الشعب،‮ ‬وعنصر الولاية الذاتية فيها،‮ ‬وقد كان الأمر في‮ ‬أسباب دخولهم الإقليم في‮ ‬ولاية الدولة الإسلامية تجري‮ ‬وفق المبادئ التالية‮:‬

‮١‬ـ كل ما هو من الملكية العامة‮ ‬يكون حقاً‮ ‬لشعب الدولة الإسلامية،‮ ‬ويعد في‮ ‬حكم ملك الله تعالي‮ ‬ويتولي‮ ‬إدارته ولي‮ ‬الأمر المختار اختياراً‮.‬

‮٢‬ـ‮ ‬يدخل في‮ ‬عموم الدولة الإسلامية كل إقليم إسلامي،‮ ‬ذلك لأن الولاية من الله،‮ ‬وعلي‮ ‬ذلك فإن كل إقليم إسلامي‮ ‬يعد من الدول الإسلامية،‮ ‬وأي‮ ‬إقليم‮ ‬يختار أهله أو أكثرهم الإسلام ديناً‮ ‬ينتقل من وصف أنه دار حرب إلي‮ ‬أنه دار إسلام،‮ ‬وإذا أسلمت أقلية فإن ولايتها من حيث الحكم الشرعي‮ ‬ولاية إسلامية‮.‬

‮٣‬ـ أجاز الإسلام‮ »‬الفتح‮«‬،‮ ‬ولكنه‮ ‬يشترط في‮ ‬تسويغه أن تكون الدولة المفتوحة قد اعتدت علي‮ ‬الإسلام،‮ ‬أو بثت لدي‮ ‬المسلمين أنها تأخذ الأهبة للاعتداء،‮ ‬وذلك بألا تكون بينهم معاهدة تمنع الاعتداء،‮ ‬ويشترط قبل الفتح أن‮ ‬يعرض علي‮ ‬الدولة الأجنبية أحد أمور ثلاثة‮: ‬إما الإسلام،‮ ‬وإما العهد،‮ ‬وإما الحرب،‮ ‬فإذا لم‮ ‬يكن عهدا ولا إسلاما،‮ ‬تكون الحرب،‮ ‬والفتح‮ ‬يضم الدولة المفتوحة إلي‮ ‬دار الإسلام،‮ ‬علي‮ ‬أن‮ ‬يكون الخاضعون لهذه الدولة لهم ما للمسلمين،‮ ‬وعليهم ما علي‮ ‬المسلمين‮.‬

‮٤‬ـ تعد الصحاري‮ ‬والغابات،‮ ‬والجبال والبحار التي‮ ‬تتاخم الدول الإسلامية جزءاً‮ ‬من الدولة الإسلامية،‮ ‬وعلي‮ ‬المسلمين أن‮ ‬يحيوا مواتها،‮ ‬وأن‮ ‬يستغلوها من‮ ‬غير ظلم‮ ‬يقع علي‮ ‬سكانها الذين لا تحكمهم دولة أخري،‮ ‬فإن كانوا في‮ ‬حكم دولة أخري‮ ‬فإن أرضهم تأخذ حكم الأرض المفتوحة بشرط أن‮ ‬يكون الفتح شرعياً‮.‬

النظرية التقليدية

وقد ترتب علي‮ ‬التطور التاريخي،‮ ‬وعلي‮ ‬الطابع الأوروبي‮ ‬المسيحي‮ ‬الذي‮ ‬طبعت به أحكام القانون الدولي‮ ‬منذ نشأتها،‮ ‬أن ظهرت في‮ ‬الفقه الدولي،‮ ‬وفي‮ ‬العرف المتواتر بين الدول،‮ ‬نظرية تقليدية فيما‮ ‬يتعلق بأسباب دخول الإقليم في‮ ‬سيادة الدولة وفي‮ ‬ولايتها‮.‬

وتقضي‮ ‬هذه النظرية بأن أسباب دخول الإقليم في‮ ‬ولاية الودلة علي‮ ‬نوعين‮: ‬أسباب أصلية وهي‮ ‬الاستيلاء والإضافة،‮ ‬وأسباب ناقلة هي‮: ‬التنازل والفتح والتقادم‮.‬

والاستيلاء في‮ ‬حكم النظرية التقليدية هو‮: ‬فرض سيادة الدولة وولايتها علي‮ ‬إقليم هو في‮ ‬الأصل‮ ‬غير خاضع لسيادة أية دولة أخري،‮ ‬وذلك بقصد إدخاله في‮ ‬ممتلكاتها الإقليمية،‮ ‬فالإقليم الذي‮ ‬يجوز أن‮ ‬يكون محلاً‮ ‬للاستيلاء هو إذن الإقليم المباح،‮ ‬الذي‮ ‬لا تمتد إليه ولاية دولة أخري‮.‬

والتنازل هو الاتفاق الدولي‮ ‬الذي‮ ‬ينتقل به إقليم ما أو

جزء منه من ولاية الدولة المتنازلة ليدخل في‮ ‬سيادة الدولة الأخري‮ ‬المتنازل لها عنه،‮ ‬وأطراف التنازل‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون من الدول أي‮ ‬من أشخاص القانون الدولي‮. ‬وعلي‮ ‬ذلك فإن التنازل الذي‮ ‬يكون أطرافه أفراداً‮ ‬عاديين أو شركات أو قبائل لا‮ ‬يصدق عليه وصف التنازل الدولي‮ ‬حتي‮ ‬لو كان طرف من أطرافه دولة،‮ ‬وذلك مادام أن الطرف الآخر لا‮ ‬يصدق عليه وصف الدولة‮!‬

وإذا كان الوضع في‮ ‬الدول الأوروبية كان‮ ‬يعتبر أن الإقليم‮ ‬يدخل في‮ ‬الملكية الخاصة للملك أو للأمير وكان صاحبه‮ ‬يتصرف فيه في‮ ‬ملكه الخاص،‮ ‬علي‮ ‬أنه بعد ظهور السلطات النيابية تحول الوضع فيها،‮ ‬وصارت دساتيرها تنص علي‮ ‬أن انتقال الإقليم أو جزء منه بواسطة الاتفاقات الدولية‮ ‬يشترط لصحته أن‮ ‬يصادق عليه برلمان الدولة‮.‬

 

الفتح

والفتح هو احتلال إقليم الدولة‮ - ‬كله أو بعضه‮ - ‬بواسطة القوات العسكرية لدولة أخري‮ ‬في‮ ‬أثناء الحرب القائمة بينها،‮ ‬وضم الدولة المنتصرة للإقليم المحتل بعد انتهاء الحرب،‮ ‬ويتبين من هذا التعريف أنه‮ ‬يشترط‮:‬

أولاً‮: ‬أن تقوم حرب بين الدولتين،‮ ‬وهذا شرط جوهري،‮ ‬إذ بدونه لا‮ ‬ينتقل إقليم من ولاية إحدي‮ ‬الدول إلي‮ ‬ولاية دولة أخري‮ ‬عن طريق الفتح‮.‬

ثانياً‮: ‬أن تحتل القوات العسكرية لإحدي‮ ‬الدولتين المتحاربتين إقليم الدولة المعادية كله أو بعضه،‮ ‬وأن‮ ‬يستمر احتلالها له طوال المدة التي‮ ‬تكون الحرب فيها قائمة،‮ ‬أو أن‮ ‬يكون احتلالها له قائماً‮ ‬وقت انتهاء العمليات العسكرية‮.‬

ثالثاً‮: ‬أن تقوم الدولة بعد انتهاء العمليات الحربية باتخاذ إجراء ضم الإقليم المحتل إلي‮ ‬إقليمها هي،‮ ‬وإعلان الضم‮ ‬يجب أن‮ ‬يتم بعد انتهاء العمليات العسكرية،‮ ‬وإجراء الضم إجراء انفرادي‮ ‬تتخذه الدولة المنتصرة وحدها‮.‬

فالقوات العسكرية البريطانية مثلاً‮ ‬احتلت مصر في‮ ‬سنة ‮٢٨٨١ ‬علي‮ ‬إثر عمليات عسكرية اتخذتها ضد القوات المصرية وقتذاك،‮ ‬ولكن بريطانيا لم تتخذ إجراء ضم الإقليم المصري،‮ ‬الذي‮ ‬كان تحت السيادة العثمانية في‮ ‬ذلك الحين لتشمله بالسيادة البريطانية،‮ ‬ولذلك ظل الإقليم المصري‮ ‬خاضعاً‮ ‬علي‮ ‬الرغم من الاحتلال للسيادة العثمانية إلي‮ ‬أن فصل عن تركيا بإعلان بريطانيا الحماية الانفرادية علي‮ ‬مصر،‮ ‬وفصلها عن الإمبراطورية العثمانية في‮ ٥ ‬من نوفمبر سنة ‮٤١٩١‬،‮ ‬وقد أقرت تركيا هذا الانفصال في‮ ‬معاهدة لوزان المنعقدة في‮ ‬سنة ‮٣٢٩١.‬

تخطيط الحدود‮!‬

والأمثلة علي‮ ‬انتقال الأقاليم من سيادة دولة إلي‮ ‬سيادة دولة أخري‮ ‬عن طريق الفتح أمثلة عديدة في‮ ‬تاريخ العلاقات بين الدول،‮ ‬ولعل الفتح كان من أهم الأسباب التي‮ ‬أعادت المرة تلو المرة تخطيط الحدود السياسية بين الدول‮.‬

وكان الفتح سبباً‮ ‬جائراً‮ ‬ومشروعاً‮ ‬علي‮ ‬أساس أن الحرب ذاتها كانت نظاماً‮ ‬قانونياً‮ ‬معترفاً‮ ‬بوجوده،‮ ‬ومعترفاً‮ ‬بآثاره،‮ ‬علي‮ ‬أنه علي‮ ‬إثر انتهاء الحرب العالمية الأولي‮ ‬رأت الدول المنتصرة أن تقيم هيئة تشرف علي‮ ‬تنظيم العلاقات بين أعضاء الأسرة الدولية‮.‬

ومن هنا نشأت عصبة الأمم المتحدة،‮ ‬وتضمن عهد هذه الهيئة أحكاماً‮ ‬تضيق من نطاق الحرب ومن حالاتها،‮ ‬وفي‮ ٥٢ ‬من‮ ‬يونيه سنة ‮٥٤٩١ ‬انعقد ميثاق الأمم المتحدة وبانعقاده صارت الحرب أمراً‮ ‬محظوراً‮ ‬في‮ ‬نطاق العلاقات الدولية،‮ ‬وترتب علي‮ ‬ذلك أن الفتح فقد علته،‮ ‬ولم‮ ‬يعد سبباً‮ ‬تنتقل السيادة علي‮ ‬الإقليم بمقتضاه من دولة إلي‮ ‬أخري‮.‬

والمعروف أن‮ »‬أبا إيبات‮« ‬ممثل إسرائيل لدي‮ ‬الأمم المتحدة كان قد زعم أمام المجلس أن جزء الإقليم الذي‮ ‬احتلته قوات إسرائيل في‮ ‬فلسطين‮ ‬يدخل بمقتضي‮ ‬حق الفتح في‮ ‬سيادة إسرائيل‮..!!‬

كما أعلن‮ »‬بن جوريون‮« ‬رئيس وزراء إسرائيل في‮ ‬الكنيست عقب العدوان الثلاثي،‮ ‬واحتلال القوات العسكرية الإسرائيلية لجزء من سيناء ضم سيناء إلي‮ ‬إقليم إسرائيل،‮ ‬ولكن هذا الإعلان الإسرائيلي لم‮ ‬يحدث أي‮ ‬أثر في‮ ‬نطاق القانون الدولي‮ ‬بعد أن اضطرت القوات الإسرائيلية إلي‮ ‬الانسحاب إلي‮ ‬داخل خطوطها العسكرية التي‮ ‬عينتا لها اتفاقية الهدنة وبقيت سيناء في‮ ‬سيادة مصر بوصفها جزءاً‮ ‬من إقليم الدولة‮.‬

الترك والتخلي‮!‬

إن مباشرة حقوق السيادة من جانب إحدي‮ ‬الدول علي‮ ‬قطاع إقليمي‮ ‬تابع لدولة أخري‮ ‬علي‮ ‬صورة مستمرة وهادئة مدة طويلة وبنية اكتساب السيادة عليه‮ ‬يكفي‮ ‬سبباً‮ ‬لإدخال هذا القطاع الإقليمي‮ ‬في‮ ‬سيادتها،‮ ‬وذلك وفقاً‮ ‬لما‮ ‬يجري‮ ‬عليه العمل في‮ ‬نطاق العلاقات الدولية‮.‬

ويطلق علي‮ ‬هذا السبب وصف التقادم،‮ ‬والتقادم في‮ ‬نطاق القانون الدولي‮ ‬يختلف عن التقادم المكسب الذي‮ ‬نص عليه القانون الروماني،‮ ‬وذلك في‮ ‬أنه لا‮ ‬يفرق بين وضع اليد القائم علي‮ ‬حسن النية ووضع اليد القائم علي‮ ‬سوء النية‮.‬

وعلي‮ ‬هذا الأساس فسواء باشرت الدولة حقوق السيادة علي‮ ‬القطاع الإقليمي‮ ‬التابع لغيرها بحسن نية أو سوء نية،‮ ‬فإن القطاع الإقليمي‮ ‬يدخل في‮ ‬ولايتها إذا توافرت شروط الاستمرار والهدوء في‮ ‬وضع اليد مدة طويلة‮.‬

وبالتالي‮ ‬فإنه‮ ‬يشترط لكي‮ ‬يرتب التقادم آثاره‮: ١‬ـ أن‮ ‬يكون محل وضع اليد ومباشرة حقوق السيادة إقليماً‮ ‬تابعاً‮ ‬لإحدي‮ ‬الدول،‮ ‬أما إن كان الإقليم محل وضع اليد إقليماً‮ ‬مباحاً‮ ‬فإن التقادم لا‮ ‬ينطبق في‮ ‬هذه الحالة‮. ٢‬ـ أن‮ ‬يكون وضع اليد هادئاً،‮ ‬بمعني‮ ‬ألا‮ ‬يكون متنازعاً‮ ‬عليه،‮ ‬أما إذا كانت دولة الأصل قد احتجت علي‮ ‬وضع‮ ‬يد الدولة التي‮ ‬تدعي‮ ‬مباشرة حقوق السيادة علي‮ ‬الإقليم،‮ ‬واستمرت في‮ ‬احتجاجها عليه أياً‮ ‬ما كانت صور هذا الاحتجاج،‮ ‬أو كانت قد احتجت أول الأمر،‮ ‬ثم توانت بعد ذلك،‮ ‬أو وقفت موقفاً‮ ‬سلبياً‮ ‬فإن وضع اليد في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يصبح هادئاً‮!‬

وأخيراً‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون وضع اليد مستمراً‮ ‬مدة طويلة،‮ ‬ويشترط في‮ ‬المدة أن تكون طويلة بحيث لا تعيها الذاكرة،‮ ‬والمعروف أنه في‮ ‬الخلاف الذي‮ ‬قام بين بريطانيا وفنزويلا حول تبعية‮ »‬غيانا البريطانية‮« ‬اتفقت الدولتان في‮ ‬مشاركة التحكيم علي‮ ‬تحديد المدة التي‮ ‬تكفي‮ ‬في‮ ‬وضع اليد ليحدث آثاره بخمسين سنة‮.‬

ويبقي‮ ‬الترك،‮ ‬فهو التخلي‮ ‬الاختياري‮ ‬عن حيازة الإقليم بنية إخراجه نهائياً‮ ‬من ولاية الدولة ومن سيادتها،‮ ‬ويشترط فيها،‮ ‬ليحدث أثره في‮ ‬فقد السيادة،‮ ‬توافر العنصر المادي‮ ‬وهو التخلي‮ ‬عن الحيازة،‮ ‬والعنصر المعنوي‮ ‬وهو النية في‮ ‬التخلي‮ ‬عن السيادة‮.‬

وبالتالي‮ ‬فإن اجتماع العنصرين معاً‮ ‬أمر لازم قانوناً‮ ‬كي‮ ‬يعتبر الترك سبباً‮ ‬لنقد السيادة علي‮ ‬الإقليم‮.‬

أما التخلي‮ ‬عن حيازة الإقليم بنية العودة إليه فيما بعد فلا‮ ‬يترتب عليه فقدان السيادة علي‮ ‬هذا الإقليم‮.‬

والمعروف أن بريطانيا ادعت في‮ ‬وقت ما أن انسحاب القوات المصرية من السودان في‮ ‬أثناء ثورة المهدي‮ ‬كان‮ ‬يعد تركاً‮ ‬له،‮ ‬بحيث صار السودان في‮ ‬وجهة النظر البريطانية إقليماً‮ ‬مباحاً‮ ‬يتيح لها أن تكتسب السيادة المشتركة عليه مع مصر عن طريق الفتح‮.‬

غير أن وجهة النظر هذه لا تتفق مع الوضع في‮ ‬القانون الدولي،‮ ‬لأن انسحاب القوات المصرية وقتها كان استجابة لتعليمات بريطانيا التي‮ ‬كانت تحتل مصر وقتذاك،‮ ‬كما أنه لم‮ ‬يتوافر فيه نية التخلي‮ ‬عن السيادة المصرية‮.‬

ولاشك أن الانتقاص من الإقليم‮ ‬يعد سبباً‮ ‬آخر لفقد السيادة،‮ ‬والانتقاص من الإقليم‮ ‬يكون عادة بحكم الطبيعة،‮ ‬كما إذا‮ ‬غمر الماء جزيرة من الجزر التي‮ ‬تدخل في‮ ‬إقليم الدولة،‮ ‬أو كما إذا ترتب علي‮ ‬زلزال أو كارثة من كوارث الطبيعة زوال جزء من إقليم،‮ ‬وقد‮ ‬يكون الانتقاص بفعل الإنسان كما إذا حدثت حركة انفصالية في‮ ‬جزء من إقليم الدولة ترتب عليها خروج هذا الجزء من سيادة الدولة بصورة نهائية تعترف بها الدولة ذاتها‮.‬

جناب الخديو‮!‬

وأخلص مما تقدم أن الفتح كان أحد أسباب انتقال الأقاليم من سيادة دولة إلي‮ ‬سيادة دولة أخري،‮ ‬علي‮ ‬أساس أن الحرب ذاتها كانت نظاماً‮ ‬قانونياً‮ ‬معترفاً‮ ‬بوجوده،‮ ‬ومعترفاً‮ ‬بآثاره‮.‬

وبالتالي‮ ‬فإن مجرد احتلال إقليم الدولة في‮ ‬أثناء العمليات العسكرية لا‮ ‬يحدث تلقائياً‮ ‬أي‮ ‬أثر في‮ ‬انتقال الإقليم المحتل من سلطة الدولة الأصلية إلي‮ ‬سلطة الدولة المحتلة،‮ ‬بل إنه في‮ ‬وقت الاحتلال‮ ‬يظل تابعاً‮ ‬لسيادة دولة الأصل وهو لا‮ ‬ينتقل من سيادتها إلا بعد الانتهاء من العمليات الحربية وصدور إجراء الضم إلي‮ ‬سلطة الدولة المنتصرة‮.‬

والدليل أن بريطانيا بعد أن أجبرت مصر علي‮ ‬سحب قواتها من السودان،‮ ‬علي‮ ‬إثر قيام ثورة المهدي،‮ ‬ألزمتها بأن تعقد معها وفاق ‮٩١ ‬يناير ‮٩٩٨١ ‬بشأن إدارة السودان في‮ ‬المستقبل،‮ ‬وجاء في‮ ‬صدر هذا الوفاق هذا النص‮: ‬حيث إن بعض أقاليم السودان التي‮ ‬خرجت عن طاعة الحضرة الخديوية قد صار‮ »‬افتتاحها‮« ‬بالوسائل الحربية التي‮ ‬بذلتها بالاتحاد حكومتنا جلالة ملكة الإنجليز والجناب العالي‮ ‬الخديو،‮ ‬وحيث إنه من المقتضي‮ ‬التصريح بمطالب حكومة جلالة الملكة المترتبة علي‮ ‬مالها من حق الفتح وذلك بأن تشترك في‮ ‬وضع النظام الإداري‮ ‬والقانوني‮..‬

فهل مازال الفتح أحد أسباب انتقال الأقاليم من سيادة دولة إلي‮ ‬سيادة دولة أخري؟ وإلي لقاء‮!‬

 

أهم الاخبار