رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

"البرلمان الموازي".. "شرعية الشعب" ضد "الحكومة"

ملفات محلية

الأربعاء, 15 ديسمبر 2010 11:48
تحليل:محمد جمال عرفة

بإعلان قرابة 100 من نواب أحزاب المعارضة والإخوان المسلمين والمستقلين السابقين. تأسيس برلمان شعبى "مواز" أو "بديل"

لبرلمان 2010 الحالي المنتخب ، وحلف نواب هذا البرلمان البديل اليمين الدستورية بالتزامن مع حلف نواب البرلمان الرسمي ، بدأت حرب علنية صاخبة بين ما يمكن تسميته "شرعية الشعب" و"شرعية الحكومة" .

فنواب البرلمان البديل الذين بدأوا العمل يوم 13 ديسمبر الجاري،يعتبرون برلمانهم البديل «شرعيا» ويستمد شرعيته من الشعب وأغلبيته الصامتة باعتبار أن غالبية الشعب لم يصوت (نسبة التصويت الرسمية ما بين 27و35% ونسبة منظمات مراقبة الانتخابات 15%) فقط، وحتي من صوتوا في الانتخابات جري تزوير إرادتهم .

وهذا بعكس البرلمان الأصلي المنتخب الذي قالوا إنه "مزور" بسبب التدخلات الحكومية الأمنية لإسقاط رموز المعارضة مما نتج عنه سيطرة الحزب الوطني علي قرابة 86% من مقاعد البرلمان بخلاف قرابة 10% تقريبا لمستقلين ينتمون فعليا للحزب الوطني الحاكم أو منشقين عنه ، مما يجعل نسبة سيطرة الحزب الوطني فعليا علي مقاعد البرلمان تعادل حوالي 96% بما يسمح بتمرير تشريعات وقوانين تؤثر في حياة المصريين بدون مناقشة مستفيضة أو معارضة .

ويبدو أن ميدان المعركة أو الحرب الحقيقية المرتقبة بين هذا البرلمان البديل والبرلمان الرسمي سيكون ساخنا لأن خشية الحكومة من فكرة (البديل) أو (الموازي) التي ابتدعها طلاب الجامعات واتحادات العمال عام 2006 ردا علي تزوير انتخاباتهم أيضا ، باتت أكبر في ظل هذا البرلمان البديل ، وحديث البعض أيضا عن رئيس بديل لو جري تزوير انتخابات الرئاسة المرتقبة ، مما يجعل الصدام هنا صعبا ويدور بين شرعيتين قد تحدد نتيجته مسار الوضاع في مصر مستقبلا .

فالنواب السابقون من جماعة الإخوان المسلمين وأحزاب المعارضة والمستقلين يؤكدون أن هدفهم من تشكيل هذا البرلمان الجديد الذي أطلقوا عليه لقب (بديل) أو (مواز) هو السعي لمراقبة أعمال الحكومة والقوانين التي يجري طرحها من الحكومة وقيادات عمليات التغيير وتوحيد رموز المعارضة، وأن هذا البرلمان أو التجمع الشعبي سيضم – بخلاف المعارضين السياسيين – رموزا قانونية وجامعية ، وسيبدأ سلسلة من الوقفات الاحتجاجية ضم تزوير الانتخابات والمطالبة بالتغيير ، وهو ما بدأه رموز المعارضة بمظاهرة الأحد 12 ديسمبر أمام دار القضاء العالى احتجاجا على نتائج الانتخابات الأخيرة رفعوا فيها شعارات "باطل .. باطل" في إشارة للبرلمان الجديد.

أما الأخطر فهو – كما يقول عبد الحليم قنديل منسق حركة "كفاية" – فهو أن المهام الموكلة للبرلمان لن تقتصر علي مناقشات عامة ، وإنما تتمثل في المناقشة الفعلية لتطور مراحل التغيير التي تنادي بها كافة المنظمات المدنية، وستكون قرارات المجلس إلزامية لمنظمات المجتمع المدني ومختلف الحركات الشبابية الذين سينفذونها علي أرض الواقع وسيقودون الحركة الشعبية، أما الجانب التشريعي للبرلمان – الذي أطلق عليه قنديل مسمي "هيئة أركان عامة" - فسيشهد دورا لأساتذة الجامعات والقانونيين في مراجعة نصوص الدستور المصري والتشريعات التي سيناقشها البرلمان الحكومي وطرح وجهات النظر المختلفة وتعريف المواطنين بخطورة سن القوانين والعمل علي الوقوف ضدها .

وهنا تكمن حقيقة المواجهة بين البرلمان البديل والبرلمان الرسمي ، أي مسألة التغيير وتبني أدوار أخري تتعلق باستخدام هذا البرلمان كأداة تغيير ، لا كمجرد وسيلة للظهور بعدما انحصرت الأضواء عن هؤلاء النواب ، والقدرة علي الصمود في مواجهة انتقادات الحكومة والحزب الوطني وربما البطش الأمني ، التي يتوقع مراقبون أن تكون هي الفخ الذي تنصبه الحكومة للمعارضة كي يلقي برلمانها المواز مصير "الاتحادات البديلة" ، برغم أن لدي النواب ميزة عدم تحكم أحد فيهم أو التحكم في مصائرهم بعكس الطلاب والعمال .

أما العقبات فربما يكون أبرزها اعتبار الحكومة هذا البرلمان احتجاجا غير مشروع قانونا ولا تعترف به الحكومة ، وتضيق الجهات الأمنية علي أنصاره وتمنعهم من الاجتماع وعقد جلسات هذا البرلمان خصوصا أن العدد كبير ومن الصعب توفير قاعة كبيرة له إلا في الفنادق أو النوادي أو النقابات وكلها جهات يمكن لأجهزة الأمن أن تطالبها برفض استضافة هذا البرلمان الشعبي "غير المشروع قانونا" .

قصة البرلمان البديل

والحقيقة أن فكرة البرلمان الموازى أو البديل ليست جديدة ، فقد بدأت قوي المعارضة والاتحادات الطلابية والعمالية تلجأ لفكرة (اتحاد الطلبة الموازى أو البديل ) أو (اتحاد العمال الموازى أو البديل) منذ عام 2006 ، وهي أفكار بدأت تطرح

في سياق ما عرف بالعصيان المدني الذي طرحه عدد من القيادات الفكرية المصرية .

ففي أواخر عام 2004 وحينما تصاعدت حالة الاحتقان السياسي والفكري في أوساط الأحزاب السياسية والطلاب والمجتمع المدني عموما ، مع اقتراب انتهاء فترة حكم الرئيس مبارك الرابعة (نهاية 2005) ، واقتراب انتخابات البرلمان ، ورفض الحزب الوطني الحاكم لأي إصلاحات ديمقراطية جوهرية أو تغيير الدستور ، ظهرت لأول مرة دعوات وتهديدات جدية من جانب عدد من المفكرين والحزبيين للعصيان المدني بهدف الضغط علي الحكومة لتنفيذ إصلاحات .وكان أبرز ما ظهر في ذلك الحين هو دعوة المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة المصري – المشهور بأنه مفكر هادئ ولا يميل إلي الصدام مع الحكومة أو الدخول في معارك سياسية – المصريين للعصيان المدني ، حيث كتب مقالا في صحيفة "العربي" الناصرية بتاريخ 10 أكتوبر 2004 تحت عنوان (أدعوكم إلى العصيان) يؤصل فيه فكريا ونظريا لفكرة العصيان المدني السلمي ، ويشير إلي أن مصر قد وصلت إلى حالة لم يعد يجدي لإصلاحها سوى العصيان المدني السلمي بحيث يتخلي المصريون عن دور "المحكوم" ، و أن يفرضوا إرادتهم علي السلطة !.

كما كتب مجدي أحمد حسين أمين عام حزب العمل المصري (المجمد) – المسجون حاليا بتهمة دخول غزة عبر الأنفاق - مقالا نشر في موقع الحزب علي الإنترنت في 23 أكتوبر 2004 يدعو لنفس الفكرة قائلا: "لابد أن نتخلى عن دور المحكوم، وأن نفرض إرادتنا، و إلا سنبقى نرسف في الأغلال مدى الدهر " .

وقد أثمرت هذه الدعوات للعصيان المدني حراكا سياسيا تمثل في إعلان أحزاب المعارضة المصرية أو ما سمي وقتها "تجمع الإصلاح" قيامها بمظاهرة وتجمع سياسي كبير أمام القصر الرئاسي في منطقة عابدين بوسط القاهرة في نهاية نوفمبر 2004 (لم تصرح لها الحكومة) ، وأعقبها سلسلة مظاهرات لحركات "كفاية" و"الإخوان" وقوي أخري ، لتبدأ بعدها بودار استجابة حكومية انتهت بتعديل البرلمان المادة 76 من الدستور في 10 مايو 2005 وإجراء انتخابات رئاسية تعددية لأول مرة .

ولكن في أعقاب عمليات الشطب الجماعية لمرشحي المعارضة – خصوصا تيار الإخوان المسلمين واليسار – في الانتخابات الطلابية والعمالية لعام 2006 ، بهدف إفساح الطريق نحو مرشحي الحزب الوطني الحاكم للسيطرة علي الاتحادات الطلابية والعمالية ، تصاعد الحديث بين الأوساط الطلابية والعمالية عن السعي لتشكيل اتحادات شعبية "بديلة" أو "موازية" للاتحادات الرسمية .

وقد وصف مفكرون وخبراء سياسيون ما دعا إليه طلاب عدد من الجامعات المصرية وعمال حينئذ ، من إجراء انتخابات طلابية وعمالية بديلة تستهدف تشكيل اتحادات طلابية وعمالية حرة بعيدا عن اتحادات الجامعات والعمال الرسمية ، بأنه نوع من الاحتجاج علي تزوير هذه الانتخابات ، وعودة لفكرة العصيان المدني في شقها الثاني بهدف الضغط علي الحكومة لتحقيق قدر من الإصلاحات ، ولكن رد فعل الحكومة علي هذه الاتحادات كان عنيفا حيث تم فصل طلاب والتحقيق معهم وكذا مع العمال الذين دعوا للفكرة فلم تكتمل .

الآن عادت الفكرة لتطرح من جديد مرة أخري وبقوة في أعقاب انتهاء الانتخابات البرلمانية 2010 والتي حملت نفس الملامح والمخالفات السابقة لتطرح القوي السياسية والأحزاب المعارضة والإخوان هذه المرة فكرة البرلمان الموازي ، وهو تطور خطير بلا شك ، يضغط بقوة علي الحزب الوطني الحاكم لو نجح المعارضون في تشكيله ، وتفعيله والدعاية له إعلاميا بما يسحب البساط من تحت البرلمان الرسمي .

دور البرلمان البديل

هنا يقول مصطفى بكرى – النائب السابق ورئيس تحرير جريدة الأسبوع – إن ما حدث من تجاوزات في الجولتين الأولى والثانية من الانتخابات البرلمانية 2010 , جعل قيام برلمان موازٍ ضرورة ، لكل من زورت لهم

الانتخابات ، خاصة بعد أن أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها ببطلان انتخابات مجلس الشعب الحالي ؛ مضيفا "لن نعترف بذلك البرلمان المطعون في شرعيته" ، وسنقيم برلماناً شعبياً شرعياً موازياً يناقش القوانين والتشريعات ، ويراقب أعمال الحكومة ، ويبصر الناس بما يدور حولهم ، ويعبر عنهم ويناقش مشاكلهم ويدافع عن حقوقهم ، ويقول إن فكرة إنشاء برلمان موازٍ ليست بدعة؛ ففي كثير من الدول هناك برلمانات ظل وحكومات ظل وكلها تقوم بهذا الدور.

أما فيما يخص شرعية هذا البرلمان الموازى فيؤكد بكرى أن الشرعية هي شرعية الشعب ؛ وعليه فالبرلمان الحالي فاقد للشرعية وحول تطبيق قرارات البرلمان الموازى ، وهل ستكون مُلزمة أم لا ؟ يري أنه ليس بالضرورة أن تكون قرارات البرلمان الموازى مُلزمة , لكن المهم أن تعبر عن الناس ، وأن يجد المواطن من يتحدث بلسانه ويرفع صوته ويفتح عينيه .

ولا يرى الدكتور عاطف البنا - أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة – ضرورة لأن تكون قرارات هذا البرلمان الموازى ملزمة لأحد "لأنه مجرد تنظيم شعبي" ، ففكرة البرلمان الموازى هي عبارة عن تنظيم شعبي يضم عدداً من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وقوى سياسية وشخصيات عامة ، مهتمة مراقبة أعمال الحكومة وإبداء ملاحظات حول الأحداث و كيفية تعامل الحكومة وكذلك إصدار قرارات لمواجهة قرارات البرلمان المنتخب ؛ وهي فكرة تتشابه مع فكرة الحكومة الموازية التي أقامها حزب الوفد وتم تطبيقها بالفعل لذلك ، بحيث يقوم هذا البرلمان بدور من خلال اقتراحاته في مجال تعديل الدستور أو الضغط على الحكومة لتحقيق مطالب الشعب .

ويعتبر حافظ أبو سعده الأمين العام لـ "منظمة حقوق الإنسان المصرية " تشكيل برلمان مواز شكل من أشكال الاحتجاج السياسي وعدم الاعتراف بالبرلمان الحالي ، ولكنه يقول إنها كفكرة غير قابلة للتطبيق ومثل هذه الفكرة طبقت في الدول التي كانت تحت الاحتلال ، وهي فكرة سياسية أكثر منها قانونية في حين يري معارضون مثل جورج إسحاق - المتحدث الرسمي باسم حركة كفاية إنه يجب ألا نطلق عليه برلمانا (موازيا) لأن البرلمان الحالي باطل فكيف يكون موازيا لبرلمان باطل )؟ !.

معارضون للبرلمان البديل

وقد شن كتاب في صحف حكومية انتقادات عنيفة لفكرة البرلمان البديل واعتبروها نوعا من الخروج علي القانون وحثوا الحكومة علي ردع أصحاب هذه الفكرة ، ولكن خبراء سياسيين وقانونيين اعترضوا علي الفكرة بهدوء وقالوا إنها صعبة التحقيق ، فالدكتور لطفي البلشى أستاذ التشريعات بجامعة عين شمس يرى أن من عيوب هذه الفكرة أنها ستؤدى لانقسام المجتمع وتضارب الآراء وحدوث بلبلة لأن آراءه وقراراته لن تبنى على مستندات أو أرقام ومعطيات؛ عكس البرلمان الحقيقي الذي يحصل على هذه المستندات والخلفيات قبل مناقشة أي قضية . كما أن هذا البرلمان الموازى لن يمثل كل الشعب ؛ لأنه سيضم المعارضين والمحتجين على النظام فقط ، وسبق لطلاب الإخوان المسلمين أن شكلوا اتحاد طلبة موازي كان غالبية أعضائه من الإخوان فقط ، لكنه انهار ولم يعد له وجود لأن قراراته لم تكن مبنية على أي أسس .

ويرى الدكتور جهاد عودة عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني وأستاذ العلوم السياسية أن الفكرة "عبثية" ولا تعبر إلا عن الأشخاص الداعين لها والذين يعلمون جيدا أنهم لا وجود لهم بالشارع المصري والدليل هو المظاهرات الهزيلة التي ينظمونها والتي لا يحضرها إلا العشرات الذين تتكرر وجوههم في كل حدث يقومون به ولا يعرفهم الشارع المصري الذين يدعون أنهم يتكلمون باسمه وبالتالي فإن الفكرة فاشلة لأنها بدون أي مساندة شعبية .

كما قلل رئيس تحرير مجلة "أكتوبر" مجدى الدقاق" من أهمية هذا البرلمان البديل ووصف ذلك بأنه عمل ينافي العملية الديمقراطية ويعبر فقط عما أسماه بـ "دعايات الخاسرين" ، وأنها "دعايات لا تأتي إلا من الخاسرين"، والشعب قال كلمته .

وأرجع الكاتب كرم جبر رئيس مجلس إدارة مجلة روزاليوسف تكوين هذا البرلمان لصعوبة أن يجد نجوم الصخب السياسي في البرلمان السابق أنفسهم في الشارع، بعد أن فقدوا المسرح السياسي الكبير الذي يلعبون عليه، وخرجوا من تحت القبة، ويبحثون عن مسرح آخر يلعبون عليه، وهم في هذه الحالة خليط غير متجانس من الاتجاهات السياسية والشخصيات التي لا يمكن أن تجتمع تحت راية واحدة.

وأيا كانت طموحات المعارضين في نجاح البرلمان الشعبي البديل ، أو مراهنة الرافضين لهذا البرلمان علي انهياره كما انهارت من قبل فكرة اتحادات الطلاب البديلة ، فالأيام وحدها هي التي سوف تحدد مستقبل هذا البرلمان البديل ومستقبل مصر ككل بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية واقتراب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل بدورها بسبب "تفصيل" عمليات الترشيح علي رموز حزبية بلا شعبية تواجه الرئيس مبارك أو مرشح الحزب الوطني في معركة غير متكافئة ومحسومة سلفا ، مما سيعيد فتح ملفات المطالبة بالتغيير مرة أخري وتعديل الدستور .

معيار الانتصار في هذه المعركة بين البرلمان البديل وبرلمان الحزب الوطني الذي أطلق عليه معارضون اسم (برلمان عز) سوف يتحدد عبر حسم أمرين : (الأول) قدرة المعارضين في برلمانهم البديل علي نبذ الخلافات الأيدلوجية والتوحد في مواجهة الحزب الوطني وإلا انهار برلمانهم البديل كما انهارت اتحادات طلابية وعمالية بديلة سابقة ، وقدرتهم أيضا علي جذب أطايف الشعب لهذا البرلمان وتغيير التكتيكات التقليدية لتحريك عجلة التغيير في مصر .

أهم الاخبار