رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الاحتفال بدأ بـ100‮ ‬يهودي‮ ‬بعد كامب ديفيد‮.. ‬ووصل إلي5‮ ‬آلاف في عهد مبارك

الوفد الأسبوعي‮ ‬تقتحم موطن‮ أبو حصيرة‮

ملفات محلية

الجمعة, 03 يونيو 2011 22:48
أحمد أبوحجر- تصوير أشرف شبانة :


لم‮ ‬يكن النظام السابق‮ ‬يدعم إسرائيل فقط بامدادها بالغاز الطبيعي‮ ‬برخص التراب ويحرم أصحاب الحق منه ،‮ ‬بل وصل الأمر برجاله إلي‮ ‬كبت أنفاس المصريين في‮ ‬عقر دارهم،‭ ‬وشل حركتهم ومراقبتهم داخل بيوتهم لحساب حليفهم الصهيوني،‭ ‬ليتضح أن العقاب لم‮ ‬يشمل معارضي‮ ‬النظام فقط بل امتد ليشمل الوطن بالكامل‮ .

ومن منطق التجبر كان نظام مبارك المخلوع‮ ‬يعامل المصريين بطريقة‮ "‬اضرب المربوط‮ ‬يخاف السايب‮"‬،‮ ‬واستطاع أن‮ ‬يطبقه بجداره مع اكثر من‮ ‬5000‮ ‬نسمة هم أهالي‮ ‬قرية دميتوه بمحافظة البحيرة،‮ ‬التي تشهد سنويا الاحتفال اليهودي بمولد أبوحصيرة حيث اعتاد اليهود زيارة مصر نهاية كل عام للاحتفال به‮.‬

فقبل ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير التي اطاحت بالنظام كان أهم سمات الاحتفال السنوي‮ ‬تحويل القرية الي‮ ‬ثكنة عسكرية وشل حركة أهلها بفرض حظر التجوال‮ ‬غير المعلن عليهم لمدة تزيد علي‮ ‬15‮ ‬يوما قبل وأثناء الاحتفال،‭ ‬فضلا عن نشر أفراد أمن الدولة داخل بيوت الأهالي‮ ‬لتأمين اليهود،‮ ‬بل واستدعاء عدد كبير من الأهالي‮ ‬الي‮ ‬مقر أمن الدولة بالبحيرة ومنع آخرين من دخول منازلهم،‮ ‬‭ ‬وهو ما اضطر بعدد كبير من الأهالي‮ ‬الي‮ ‬مغادرة القرية والإقامة عند اقاربهم حتي‮ ‬ينتهي المولد المزعوم‮.‬

"‬الوفد الأسبوعي‮" ‬قررت رصد ما‮ ‬يدور بالقرية ومعرفة إذا ما كانت الحالة الأمنية المكثفة التي شهدتها القرية قبل الثورة لتأمين الاحتفال موجودة أم اختفت مع زوال النظام ورموزه،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬استطلاع رأي الأهالي‮ ‬حول مدي‮ ‬قبولهم استمرار‮ "‬أبوحصيرة‮" ‬بعد الثورة،‮ ‬وكذلك رأيهم في‮ ‬الدعوات التي اطلقتها بعض التيارات الدينية والسياسية بهدم الضريح‮.‬

وكأن الثورة لم تصل هناك بعد‮. ‬فعلي‮ ‬الرغم من قرب المسافة بين ميدان التحرير ومدينة دمنهور بما تجعل أهالي‮ ‬قرية‮ "‬ديميتوه"مدركين ما حدث لمصر من تغيرات،‮ ‬إلا انك تشعر وهم‮ ‬يتحدثون اليك أنهم‮ ‬يحتاجون الي‮ ‬سنوات وسنوات حتي تزول من مخيلتهم أشباح أمن الدولة التي جثمت فوق صدورهم،‮ ‬وحاصرتهم حتي في‮ ‬أحلامهم‮.‬

في‮ ‬مدخل القرية وبعد أن تمر من علي‮ ‬مصرف قامت الحكومة بردمه مؤخرا،‮ ‬انتشرت القمامة وهبت الروائح الكريهة وتصاعدت خطوط الدخان الناجم عن حرق القمامة،‮ ‬ولكي تتسلل الي القرية تمر مجبرا من أمام قبر أبوحصيرة،‮ ‬‭ ‬كل حواريها ضيقية‮ ‬غير ممهدة قد تتسع لفردين معا،‮ ‬أمام القبر توجد مدرسة دميتوه الابتدائية،‮ ‬المنازل والأراضي‮ ‬الزراعية تضيق الخناق علي‮ ‬الضريح،‮ ‬‭ ‬لكن الثورة زادت من ذلك الحصار بعد أن استغل البعض الانفلات الأمني في‮ ‬بناء منازل علي‮ ‬الاراضي‮ ‬الزراعية‮.‬

 

وفي‮ ‬نهاية الحارة المجاورة له لمحت رجلا في‮ ‬الأربعين من عمره عرفته بنفسي‮ ‬وطلبت منه مساعدتي‮ ‬في‮ ‬تصوير الضريح من اعلي‮ ‬سطح منزله لكنني‮ ‬فوجئت برفضه القاطع وتكررت المحاولة‮ ‬7‮ ‬مرات مع أشخاص مختلفين

لكنها جميعها باءت بالفشل‮.‬

بدت وكأنها المحاولة الاخيرة لي‮ ‬في‮ ‬التقاط عدد من الصور للضريح والتحدث الي‮ ‬اهالي‮ ‬القرية،‮ ‬فافراد الحراسة منتشرون حوله بزيهم المدني والعسكري،‮ ‬فيما تقف عجوز أمام منزلها وبرفقتها احفادها الذين لم تمنعهم حرارة الجو من اللعب بالشارع مع اقرانهم،‮ ‬عرضت عليها الفكرة فرفضت إلا إنها طلبت مني الدخول لمنزلها حتي‮ "‬تنور لي‮ ‬طريقي‮" ‬علي‮ ‬حسب قولها‮.‬

قبلت عرضها بالدخول وأثناء اعدادها الشاي‮ ‬كررت طلبي مرة اخري فقالت‮ "‬يابني أحنا مش اد الناس دي،‮ ‬أمن الدولة مبهدلنا وكان بيقفل البلد،‮ ‬ومكنش حد‮ ‬يقدر‮ ‬يستضيف أقاربه أو أصدقاءه خلال أيام الاحتفال،‭ ‬منقدرش نفتح الشباك بتعنا‮".‬

وقتها تذكرت مدي تحكم أمن الدولة في‮ ‬مصائر هؤلاء خاصة بعد عدم تنفيذ الحكم القضائي‮ ‬الذي‮ ‬حصل عليه مصطفي رسلان المحامي منذ‮ ‬2001‮ ‬بوقف قرار وزير الثقافة باعتبار ضريح أبو حصيرة والمقابر التي‮ ‬حوله بقرية دميتوه من الآثار الإسلامية والقبطية،‮ ‬بالإضافة الي‮ ‬منع الاحتفالية السنوية لمولد أبو حصيرة،‮ ‬ولم تقم الدولة بإلغاء المولد بل اتجهت نحو تخفيض أعداد الزائرين اليهود‮.‬

 

بعد لحظات دخل علينا احد الجيران ويبدو من كثرة ما تعرض له من ضغوط واستدعاء متكرر لامن الدولة،‮ ‬وكأنه‮ ‬يريد الانتقام مما حدث له،‭ ‬عرضت عليه الفكرة وبعد الحاح وطول تفكير بدا التحدث وشرع في‮ ‬سرد الحكاية قائلا لم‮ ‬يكن قبر أبوحصيرة الذي‮ ‬يعلو عن الأرض بحوالي‮ ‬4‮ ‬امتار نظرا لوجوده فوق ربوة عالية عن الأرض بالصورة التي عليها الآن فكان مجرد ضريح عادي موجود في‮ ‬ما سمي بالجبانة اليهودية التي تضم رفات حوالي‮ ‬88‮ ‬يهوديا ماتوا في‮ ‬مصر،‮ ‬إلا انه شهد خلال السنوات الأخيرة التوسعات،‮ ‬فتمت كسوة وجهة الضريح بالرخام وتم رسم عدد من النقوش والرسوم اليهودية بمدخله،‮ ‬إلا ان المهم في‮ ‬ذلك العدد هو‮ ‬4‮ ‬جبانات بداخل الضريح و4‮ ‬أخري‮ ‬خارجه‮.‬

ويضيف‮: ‬في‮ ‬بداية الثمانينيات عند بدء اليهود احتفالهم بأبو حصيرة كنا نعرف شخصية‮ ‬يهودية‮ ‬يبدو انها المسئولة عن القبر تدعي‮ "‬مانتا‮" ‬كانت تأتي برفقة الزائرين اليهود الذين لم‮ ‬يتجاوز عددهم‮ ‬120‮ ‬إلي‮ ‬150‮ ‬فردا‮ ‬يتوافدون من ناحية كوبري‮ ‬ابو الريش الواصل بين القرية وبين دمنهور‮ "‬بالحناطير‮"‬،‮ ‬كانوا‮ ‬يأتون للزيارة والتبرك دون أن تحدث منهم تجاوزات فاضحة،‮ ‬ثم بدأت الأعداد في‮ ‬الزيادة حتي أصبح عدد الزائرين‮ ‬يتجاوز‮ ‬5‮ ‬آلاف‮ ‬يهودي‮.‬

طقوس الاحتفال بمولد أبو حصيرة تبدأ منذ لحظة بدء المزاد علي‮ ‬مفتاح القبر ومن سيفتح المقبرة أولا ويتم ممارسة عادات وطقوس‮ ‬غريبة منها شرب الخمور،‮ ‬وسكبها فوق المقبرة ولعقها وذبح الأضاحي‮ ‬وشي لحومها والرقص الهستيري علي‮ ‬أنغام موسيقي‮ ‬يهودية وهم شبه عرايا حتي‮ ‬يصل الأمر إلي‮ ‬شق ملابسهم وذكر بعض التوسلات والبكاء بحرقة أمام المقبرة والتبرك وطلب الحاجة‮.‬

ومع الألفة التي جمعتنا بصاحبة المنزل وبعد تبادل اطراف الحديث ارسلت ابنتها الصغري لاحد جيرانها ليجلس معنا وبدا هو الآخر شديد التحفظ فمارست معه نفس سياسة الاقناع مستخدما ان شبح أمن الدولة انتهي بعد الثورة،‮ ‬سألته عن طبيعة عمله فقال‮: "‬نجار مسلح‮"‬،‮ ‬واضاف‮: ‬أنا من العائلة التي كانت مسئولة عن مفاتيح القبر،‮ ‬فكان جدي الخفير المكلف بحراسة القبر حتي بداية التسعينات،‮ ‬ومع بداية الاحتفالات الماجنة لليهود داخل القبر رفض الاستمرار في‮ ‬عمله،‮ ‬سألته عن اهالي‮ ‬القرية المستفيدين من وراء إقامة المولد سنويا فقاطعني قائلا:لم نعد نستفد منهم بأي‮ ‬شيء فالمحلات تغلق أبوابها نهائيا بقرار من أمن الدولة ورئيس مجلس مدينة دمنهور،‮ ‬إلا انه عاد ليؤكد في‮ ‬الثمانينات ومع بدء احتفال اليهود بأبو حصيرة كانوا‮ ‬يشترون منا الذبائح‮ "‬الخراف‮" ‬بأسعار معقولة ليتناولوها داخل القبر‮.‬

وكعادة عادة اليهود اذا أرادوا أن‮ ‬يستوطنوا مكانا بدأوا بشراء ارض اهلها،‮ ‬لكن اهالي‮ "‬دميتوه‮" ‬رفضوا محاولات اليهود شراء الأراضي‮ ‬الزراعية المحيطة بقبر أبو حصيرة بعد أن راودت اليهود فكرة إقامة فندق‮ ‬يسعهم عند الزيارة السنوية للضريح بسعر المتر الواحد‮ ‬يتجاوز عشرة آلاف جنيه‮.‬

 

إلا أن رجلا آخر بدأ الحديث‮ ‬يعجبه فبادر قائلا‮: ‬خلاص لا احنا عايزين منهم حاجة ولا هنخليهم‮ ‬يجوا تاني هنا،‮ ‬الحكومة اللي‮ ‬كانت بتحميهم رحلت فيجب علي‮ ‬كل من استفاد من النظام السابق ان‮ ‬يرحل هو الآخر،‮ ‬يعني من الآخر مفيش أبو حصيرة تاني احنا زهقنا‮.‬

لم‮ ‬يكن قوله بإن أبو حصيرة رجل مسلم‮ ‬يحمل أي‮ ‬مفاجأة فحول ابو حصيرة تدور روايات كثيرة تتفق كلها علي‮ ‬انه مغربي‮ ‬الأصل وتختلف في‮ ‬تحديد ديانته مسلما أو‮ ‬يهوديا إلا إن ما قاله بعد ذلك‮ ‬يشبه أفلام الخيال‮ "‬بعد بدء الاحتفال وحينما‮ ‬يبدأ اليهود بالنزول الي‮ ‬أسفل الضريح وتبدأ أفعالهم الماجنة بالداخل تشتعل النار في‮ ‬اعلي‮ ‬الضريح وهو ما نراه سنويا بحسب ما قاله أحد الحضور،‮ ‬مضيفاً‮ ‬بما‮ ‬يدل علي‮ ‬انه رجل مسلم ولا‮ ‬يرضي‮ ‬عن ما‮ ‬يحدث‮.‬

ويقسم آخر أن القرية التي تتحول مع نهاية كل عام الي‮ ‬قرية خمس نجوم بإعادة رصف الشوارع وزيادة حملات النظافة وصناديق القمامة في‮ ‬كل أنحاء القرية وصيانة الأعمدة الكهربائية إلا انك تشعر الآن وبعيدا عن موعد الاحتفال بأبو حصيرة أن القرية تحولت إلي‮ ‬مقلب قمامة واسع‮.‬

طلبت منهم أن‮ ‬يساعدني أحد للالتقاط عدد من الصور من اعلي‮ ‬اسطح منازلهم وكما تعودت منهم مداولات ومفاوضات بين الرفض والرفض القاطع حتي اقنعت أحدهم اصطحبني الي‮ ‬منزله التقطت الصور،‮ ‬وبعدها‮ ‬غادرت متجها ناحية الضريح‮.‬

ويبدو أن حالة الانفلات الامني التي تضرب مصر لم تتسرب الي‮ ‬قلب‮ "‬ابو حصيرة"بعد،‮ ‬فكرت في‮ ‬اختراق الضريح إلا انه بمجرد اقترابي ظهر أحد أفراد الأمن بزي مدني وارغمني علي الانصراف بعد أن قام بالإطلاع علي‮ ‬محتوي الكاميرا،‮ ‬وفي ذلك الوقت تمكن زميلي المصور من اخفاء كارت الكاميرا حتي لايهدم ماتوافر لنا،‮ ‬وظل الأمن‮ ‬يراقبنا ويتبعنا حتي تأكد تماما من رحيلنا عن القرية‮.‬

أهم الاخبار