‮رحلة شاقة فى قطار الغلابة‮

ملفات محلية

الجمعة, 13 مايو 2011 18:43
حمادة بكر


لا‮ ‬يخفي‮ ‬علي‮ ‬أحد أن حال السكك الحديدية في‮ ‬مصر لا‮ ‬يرضي‮ ‬سوي‮ ‬الأعداء،‮ ‬وأن قرار قطع تذكرة لركوب أحد القطارات المعروفة بـ»قطارات الغلابة‮« ‬لا‮ ‬يختلف كثيرا عن صعود برج الجزيرة واتخاذ قرار بالانتحار‮.‬

وبعد قيام الثورة تفاءل كثيرون وراهنوا علي‮ ‬أن المرحلة التالية لـ25‮ ‬يناير ستشهد تطورا جديدا في‮ ‬العلاقة بين الحكومة والشعب‮ ‬ينتج عنه منح المصريين وأرواحهم الاحتراف الكافي،‮ ‬لكن‮ ‬يبدو أن شيئا من هذا لم‮ ‬يحدث‮.‬

فقطارات الصعيد مازالت تتعفف الحيوانات عن ركوبه بينما‮ ‬يلجأ الفقراء اليها لضيق ذات اليد،‮ ‬وهو ما دعا‮ »‬الوفد الأسبوعي‮« ‬للتوجه الي‮ ‬محطة رمسيس حيث‮ ‬يخرج‮ ‬30‮ ‬قطارا‮ ‬يوميا في‮ ‬الطريق الي‮ ‬الجنوب بينها‮ ‬14‮ ‬قطارا للغلابة‮.‬

توجهت الي‮ ‬رصيف‮ ‬10‮ ‬الذي‮ ‬سينطلق القطار من أمامه فوجدته مكتظا بالركاب من طلبة الجامعات والتجار والفلاحين والموظفين والسيدات وفي‮ ‬الساعة‮ ‬12‭.‬30‮ ‬حضر القطار رقم‮ ‬160‮ ‬متأخرا ربع ساعة عن موعده وإذا بالركاب‮ ‬يهجمون القطار دون أن أعلم وقتها سبب هذا الهجوم لكنني‮ ‬عرفته فور دخول القطار حيث لا‮ ‬يوجد أي‮ ‬مقعد خال وحتي‮ ‬طرقات القطار نفسها لا‮ ‬يوجد بها موضع قدم فالعربة تحتوي‮ ‬علي‮ ‬120‮ ‬مقعدا وتحمل علي‮ ‬الأقل‮ ‬500‮ ‬راكب‮.‬

ما بين جرار القطار وفواصل العربة الأولي‮ ‬كان مجموعة من الشباب‮ ‬يجلسون بالقرب من القضبان في‮ ‬مشهد مرعب كما وجدت جميع أبواب القطار مفتوحة أثناء السير ويتعلق بها الركاب من الخارج والنوافذ بلا زجاج تسمح للهواء والأتربة وغبار ماكينات حصاد القمح المنتشرة بطول الطريق بالدخول‮.‬

وأمام إحدي‮ ‬الطرقات كان هناك نساء‮ ‬يفترشن أرضية القطار وعلامات التعب واضحة علي‮ ‬وجوههن سألنا فايزة خاطر التي‮ ‬ركبت القطار من رمسيس عن سبب رضاها بهذا الوضع فقالت‮: ‬ابني‮ ‬مريض في‮ ‬المستشفي‮ ‬وركبت القطار لعدم امتلاكي‮ ‬ثمن المواصلة وسأنزل محطة الواسطي‮.‬

 

والتقطت رضا سيد‮ ‬يوسف خيط الحديث قائلة‮: ‬إنها بائعة خضار وفي‮ ‬إحدي‮ ‬المرات ألقي‮ ‬الكمسري‮ ‬بضاعتها خارج القطار بسبب عدم قدرتها علي‮ ‬دفع الأجرة‮.‬

فاطمة عبدالعظيم تركب القطار‮ ‬يوميا من محطة الفشن ببني‮ ‬سويف الي‮ ‬القاهرة حيث‮ ‬يرقد في‮ ‬أحد المستشفيات وعن سبب جلوسها علي‮ ‬الأرض قالت‮: ‬مش أحسن من الوقوف؟

هنيدي‮ ‬عويس ـ أحد الركاب ـ‮ ‬يشتكي‮ ‬من الزحام ومن تأخر القطارات عن مواعيدها فموعد قيام القطار من محطة رمسيس‮ ‬12‭.‬30‮ ‬ظهرا في‮ ‬حين أن القطار قد‮ ‬يتأخر ساعة أو أكثر دون سبب مما‮ ‬يتسبب في‮ ‬تعطيل مصالح الناس‮.‬

محمد بركات هو الآخر‮ ‬يتضرر من الزحام ومن أدخنة السجائر التي‮ ‬تصيب الركاب بالاختناق،‮ ‬ويستنكر عدم تنفيذ القانون في‮ ‬القطار وإلزام المدخنين بعدم التدخين في‮ ‬الأماكن،‮ ‬وصلنا

محطة الجيزة فبدأ اندفاع المزيد من الركاب نحو القطار حتي‮ ‬امتلأ عن آخره وباتت عرباته عبارة عن كتل ملتصقة من اللحم‮ ‬يصعب التفريق بينها‮.‬

ويقول إبراهيم صبحي‮ ‬إن الحكومة تعلم ما نحن فيه جيدا منذ أعوام ولم تحرك ساكنا فالأبواب مفتوحة ولا‮ ‬يوجد زجاج للنوافذ وذلك رغم تحصيل السكك الحديدية ملايين الجنيهات‮ ‬يوميا لا تفكر في‮ ‬استخدام جزء منها لإصلاح العربات حفاظا علي‮ ‬آدميتنا‮.‬

يضيف محمود مصطفي‮ ‬أن القطار‮ ‬يقوم بالتهدئة عند مناطق معينة مثل كفر عمار التابعة للعياط بسبب وجود انزلاق تحت القضبان منذ وقوع حادث اصطدام القطار المكيف والمميز في‮ ‬هذه المنطقة إلا أن الشركة‮ ‬غير مهتمة وتقوم بمعالجة وقتية برمي‮ ‬سن تحت القضبان وهو ما‮ ‬يهدد بانقلاب القطار في‮ ‬أي‮ ‬لحظة‮.‬

في‮ ‬نهاية العرب الأولي‮ ‬وجدت دورتي‮ ‬مياه علي‮ ‬اليمين واليسار وبفتحهما لم أستطع الوقوف بسبب الرائحة الكريهة فهي‮ ‬مليئة بالقاذورات،‮ ‬والأحواض بها مياه راكدة لتعطل صرفها‮.‬

دخلت العربة الثانية وجدت الركاب نائمين علي‮ ‬أرفف الشنط من شدة الزحام والشنط والأجولة تسد الطرقات والباعة الجائلون‮ ‬يسدون الطرقات ويتخطبون في‮ ‬الركاب ويفرضون عليهم بضاعتهم،‮ ‬وقمت بشراء قطعتي‮ ‬حلوي‮ ‬مغلفة لم أجد عليهما تاريخا للصلاحية أو علامة تجارية‮.‬

 

أوقفت بائع التمر هندي‮ ‬وسألته عن مهنته الأساسية فقال عبدالعال محمد عبدالتواب‮ "‬62‮ ‬عاما‮": ‬انه طوال حياته يعمل في هذه المهنة ويركب من الجيزة يومياً‮ ‬حتي محطة الواسطي ودخله اليومي‮ ‬15‮ ‬جنيها ينفق منها علي‮ ‬4‮ ‬بنات في سن الزواج‮.‬

وفي العربة الثالثة وجدت الأعداد كثيرة وأدخنة السجائر تغطي المكان ولا توجد أي عوامل للأمن والسلامة مثل‮ "‬طفايات الحريق‮" ‬وأجهزة الانذار‮"‬،‮ ‬أوقفني أحمد رمضان يشتكي من القمامة التي تملأ القطار والمتسولين الذين يتجولون داخله ويفرضون علي الركاب اعطائهم نقودا بسبب الالحاح متسائلا عن دور الشرطة وتركهم الباعة الجائلين والمتسولين يدخلون القطار‮.‬

وفي العربة الرابعة وأمام محطة بني سويف وجدت بعض المواطنين يلقي علي الركب أكياس المياه المثلجة من النوافذ بسبب الحر الشديد‮.‬

ويقول فوزي ابراهيم‮: ‬أن هناك بلطجية يركبون القطار خصيصاً‮ ‬لمعاكسة الفتيات والتحرش بهن والشرطة لا تمنعهم وعندما تقع مشاجرات بين الركاب والشرطة تتفرج عليها والركاب هم الذين يحلون المشاكل‮.‬

في العربة الخامسة وقعت مشاجرة بين بائعين بسبب تعدي أحدهما علي

منطقة الآخر،‮ ‬وأمام أرفف الشنط سألت أحد النائمين عن سبب صعوده الي أرفف الشنط‮.‬

فقال محمود فتحي‮: ‬نحن نعاني يومياً‮ ‬من الزحام ولا أجد مكانا أجلس فيه فصعدت فوق للأرفف وأضاف‮: ‬نحن نعامل بطريقة‮ ‬غير آدمية فالدول المحترمة تحترم شعبها ولكن نحن في مصر نعامل كالمواشي،‮ ‬وسمعنا الكثير عن الاصلاحات قبل الثورة ولم تحدث وبعد الثورة أيضا نسمع الكثير ولكن دون تنفيذ فنحن نريد أن توفر الحكومة قطارات تليق بالمواطنون المصري‮.‬

في محطة بني سويف توجهت الي مقدمة القطار وركبت مع السائق الذي يقود القطار معلقاً‮ ‬في رقبته أرواح‮ ‬7‮ ‬آلاف راكب‮.‬

 

اسمه أحمد أبو زيد سيد،‮ ‬قال‮: ‬إنه يحضر قبل قيام القطار من محطة رمسيس بـ‮ ‬3‮ ‬ساعات يمر علي الجرار ويجهزه ويمر علي‮ ‬12‮ ‬عربة ليطمئن علي الفرامل والرباط والفاقد الموجود بأسفل العربيات ويقوم بضم الجرار علي العربات وينطلق‮.‬

وأضاف‮: ‬مفيش انسان يستطيع أن يعمل‮ ‬11‮ ‬ساعة متصلة ولكن من أجل توصيل الركاب نتحمل هذه الصعوبات ومن المفترض أن أجد الجرار والعربات جاهزة حتي لا أنشغل بغير القيادة،‮ ‬وكما أن اغلبية أبواب ونوافذ الجرار بدون كاوتشات مما يتسبب في دخول الهواء والأتربة علي السائق ومساعده‮.‬

وأضاف أبو زيد‮: ‬أن لديه اسرة مكونة من‮ ‬7‮ ‬أفراد في مراحل التعليم المختلفة ومرتبه‮ ‬1450‮ ‬جنيه رغم أنه يعمل منذ‮ ‬30‮ ‬عاماً‮ ‬في خدمة الهيئة،‮ ‬والسائقون سبق ونظموا اضراباً‮ ‬من أجل زيادة الحافز حيث كنا نتقاضي‮ ‬175‮ ‬جنيها للدرجة الاولي و150‮ ‬جنيها للدرجة الثانية والثالثة‮ ‬125‮ ‬جنيها الوزير اصدر قراراً‮ ‬بزيادة الحوافز‮ ‬50٪‮ ‬ورئاسة الهيئة حرمتنا منها مع أن العاملين بالاشارات والحركة والهندسة يتقاضون الزيادة ونحن نعاني الامرين اكثر منهم‮.‬

كما لا يهتم بحالنا القيادات بالهيئة بأنهم لا يعرفون ما نعاني منه،‮ ‬فالمرتب ضئيل وننفق منه علي الاستراحة في المحطة والمواصلات لأن الهيئة لا توفر لنا اتوبيسات مثل بقية المصالح،‮ ‬ومن المفترض أن نتقاضي أجراً‮ ‬عن الساعات الإضافية،‮ ‬وحتي عندما أذهب الي استراحة الهيئة في نهاية الرحلة أجد الغرفة بها‮ ‬6‮ ‬أسرة ولو كان احد السائقين مريضاً‮ ‬ينقل العدوي الي الباقي كما أن مواعيد قيام جرارات السائقين تختلف عن الأخري مما يسبب قلقاً‮ ‬وتوتراً‮ ‬ولا يستطيع السائق ان يستريح حتي يكمل رحلته‮.‬

 

ويضيف أبو زيد أنه اثناء القيادة يتعامل مع الاشارات واللاسلكي وجهاز التحكم الآلي في لحظة واحدة علماً‮ ‬بأن حالة الاشارات سيئة لأنها تعمل بطريقة عشوائية وغير منتظمة،‮ ‬فقد تقلب اصفر أو أحمر أو أخضر وترسل الاشارة خاطئة لسوء صيانتها‮.‬

وفجر أبو زيد مفاجأة بالتأكيد علي أن الجرارات الألماني انتهي عمرها الافتراضي منذ نحو‮ ‬20‮ ‬عاماً‮ ‬ورغم ذلك فهو يعمل ولا يتم صيانته لعدم وجود قطع‮ ‬غيار.وسبق وأن اخطرت رئاسة الهيئة بذلك،‮ ‬لكنها ادخلت الجرارات قسم الدهان حتي يظن الركاب أنه تم تحديثها ولكن المحرك كما هو لم تتم صيانته لذلك ممكن يحترق في أي وقت‮.‬

وأضاف شريف رزق مساعد سائق القطار أن هناك ظلماً‮ ‬شديدا في ادارة التشغيل لأنهم يفرضون العمل علي ثلث السائقين ومساعديهم ويتركون الباقي نائمين،‮ ‬كما لا يوجد تأمين للمزلقانات،‮ ‬فالسيارات تمر وتصطدم بالقطار فضلاً‮ ‬عن قيام الركاب بفتح بلف الخطر في العربات مما يعوق حركة القطار ولا يتواجد الامن الذي يمنع هذه المهازل‮.‬

أهم الاخبار