فيديو.‬أول رحلة صحفية لـ‮ "جبال الذهب‮"

ملفات محلية

الجمعة, 06 مايو 2011 15:34
تحقيق‮ -‬عبد الوهاب عليوة - تصوير محمد فوزى:


أثارت الأنباء التي‮ ‬ترددت عن تهريب ذهب منجم السكري‮ ‬إلي الخارج العديد من علامات الاستفهام حول مصير الكميات الكبيرة التي تردد تهريبها علي‮ ‬يد رجال النظام السابق،‮ ‬فمع اندلاع ثورة‮ ‬25‭ ‬يناير انطلقت شائعات عن تهريب‮ ‬500‮ ‬كيلو ذهب،‮ ‬ومؤخرا نشر في‮ ‬بعض وسائل الإعلام معلومات عن تهريب‮ ‬250‭ ‬كيلو جرام،‮ ‬لذلك ذهبت‮ "‬الوفد الأسبوعي‮" ‬إلي منجم السكري‮ ‬للوقوف علي‮ ‬حقيقة هذه الأنباء ومدي‮ ‬الحماية المتوافرة للذهب المستخرج من المنجم‮.‬

وبعد رحلة شاقة استغرقت‮ ‬12ساعة وصلنا إلي صحراء البحر الأحمر وتحديدا علي بعد‮ ‬30‮ ‬كيلو متر من مدينة مرسي علم‮ ‬،‮ ‬حيث ترقد كنوز الذهب في قلب جبل السكري،‮ ‬الذي‮ ‬يتكون من مجموعة جبال تأخذ أشكالا هرمية شاهقة الارتفاع‮ ‬تكاد تتلامس في القمة وتفصل بينها مسافات تشبه الأودية‮.‬

مدخل واحد فقط هو المتاح لدخول المنجم الذي‮ ‬تحيط بها سلاسل جبلية شاهقة الارتفاع‮ ‬يقع في وسطها مصنع الذهب فضلا عن الآلات والمعدات العملاقة التي تستخدم في استخراج الذهب من باطن الجبل،‮ ‬علي بعد‮ ‬150‭ ‬مترا من البوابة قابلنا مدير منجم السكري‮ ‬والمسئول الأول عن الأمن عصمت الراجحي،‮ ‬وسألناه عن حقيقة الأنباء التي‮ ‬تتردد عن تهريب الذهب للخارج من خلال بعض المسئولين السابقين،‮ ‬فقال‮: ‬عملية تصدير الذهب تخضع لرقابة صارمة من جميع الجهات المعنية مثل الشرطة والمخابرات العامة‮ ‬،‮ ‬بالإضافة إلي هيئة الثروة المعدنية والتمغة والموازين،‮ ‬كما‮ ‬يتم صب سبائك الذهب في وجود لجنة من التمغة والموازين ولجنة أخري من الثروة المعدنية ويتم تحرير محضر بذلك وتأخذ كل سبيكة رقماً‮ ‬مسلسلاً‮.‬

ويضيف الراجحي‮ ‬أن تصدير الذهب لخارج مصر‮ ‬يتم طبقا للاتفاقية الموقعة بين الشركة المنتجة وهيئة الثروة المعدنية التزاما بالقانون‮ ‬222‮ ‬لسنة‮ ‬1994‭. ‬وذلك بعد أن رفض البنك المركزي‮ ‬شراء إنتاج المنجم من الذهب بحجة وجود احتياطي‮ ‬كاف لديه،‮ ‬وبناء علي‮ ‬ذلك قمنا بعمل مزاد وخاطبنا جميع الشركات المصرية والأجنبية للاشتراك فيه،‮ ‬وتقدمت شركة السرجاني ونصار‮ ‬من مصر ومن الخارج البنك المركزي‮ ‬الفرنسي‮ ‬وشركة جونسنا ماسي السويسرية التي استقر عليها المزاد‮. ‬

وعن آلية نقل الذهب لمطار القاهرة وسفره للخارج فيما بعد،‮ ‬قال مدير المنجم إنه‮ ‬يتم نقل الذهب إلي المطار عن طريق شركة أمانك وهي تابعة للمخابرات العامة وللبنك الأهلي‮ ‬ويتحرك الذهب من المنجم في حراسة الشرطة والجيش إلي مطار مرسي علم في سيارة مصفحة،‮ ‬ويتم تصدير الذهب للخارج لعدم وجود‮ " ‬منت‮" ‬معتمد دوليا لتنقية الذهب في‮ ‬مصر‮. ‬

وبعد تنقية الذهب‮ ‬يتم بيعه بالأسعار العالمية،‮ ‬وتحول جميع متحصلات البيع بالدولار لحساب شركة السكري‮ ‬لمناجم الذهب وهي شركة مصرية ويتم توريد نسبة الدولة إلي وزارة المالية،‮ ‬ويراجع الجهاز المركزي‮ ‬للمحاسبات بصورة دورية علي الصادرات كما‮ ‬يخضع المنجم لرقابة من هيئة الثروة المعدنية وعدد من الجهات الرقابية الاخري‮.‬

ورد الراجحي‮ ‬علي‮ ‬الأنباء التي‮ ‬ترددت عن أن جمال مبارك وسامح فهمي‮ ‬شريكان في‮ ‬المنجم قائلا‮: ‬منجم السكري‮ ‬من المشاريع التي عانت مرارا من البيروقراطية وقد تأخر إنتاج المنجم لأكثر من عشر سنوات رغم أن حجم استثماراته‮ ‬يتجاوز‮ ‬3‮ ‬مليارات جنيه بسبب تعنت المسئولين السابقين،‮ ‬ولو كان جمال مبارك أو سامح فهمي‮ ‬أو‮ ‬غيرهما من قيادات النظام السابق شركاء في المنجم فعلا لما لجأنا إلي التحكيم الدولي‮ ‬بل والقبض علينا بتهمة التنقيب عن الذهب دون ترخيص‮.‬

طلبت من مدير المنجم أن نأخذ

جولة لاستكشاف المكان وطريقة العمل فيه،‮ ‬وكانت البداية من باطن الجبل حيت‮ ‬يتم استخراج الصخور المحملة بالذهب،‮ ‬كخطوة أولي‮ ‬علي‮ ‬طريق الوصول بالذهب إلي‮ ‬الصورة المعروفة‮.‬

ولم‮ ‬يكن الدخول إلي باطن جبل السكري‮ ‬قراراً‮ ‬سهلاً،‮ ‬فشكل المدخل من الخارج له هيبة ويوحي بأنه نقطة فصل بين عالمين،‮ ‬عالمنا الذي‮ ‬نعيش فيه فوق الأرض،‮ ‬وآخر لا نعرف عنه شيئا،‮ ‬لكن رغبتنا في كشف أسرار هذا العالم أزالت هذه الرهبة وزادت من إصرارنا علي استكشاف هذا العالم،‮ ‬وبدأت الرحلة بالتوقيع علي إقرار بتحمل مسئولية النزول إلي هذا المكان الخطير وتنتهي‮ ‬بارتداء زي الأمن الصناعي‮ ‬وهو عبارة عن‮ "‬خوذة،‮ ‬وسيفتي،‮ ‬وكشاف شديد الإضاءة‮ ‬يعلق في الخوذة،‮ ‬وجهاز تنفس صغير للطوارئ،‮ ‬وجاكيت فسفوري‮".‬

 

بعد ارتداء الزي ركبنا سيارة دفع رباعي‮ ‬بصحبة الجيولوجي‮ ‬مجدي‮ ‬عبد الله الذي‮ ‬رافقنا في الرحلة،‮ ‬وعبرنا مدخل النفق الرئيسي‮ ‬إلي ظلام دامس وصمت رهيب لا‮ ‬يكسره سوي صوت محرك السيارة،‮ ‬وشرح عبد الله الذي‮ ‬أكد أن العمل في المنجم مازال في مرحلة التنمية فهو لا‮ ‬يزيد طوله علي ألفي متر في عمق الجبل وأننا الآن نبعد عن جبل السكري‮ ‬بنحو‮ ‬500‮ ‬متر وبانحدار متر واحد كل سبعين متراً‮ ‬في باطن الجبل،‮ ‬موضحا أننا نسير في النفق الرئيسي‮ ‬في المنجم‮ ‬وهو أحد الأنفاق التمهيدية للوصول إلي خام الذهب حيث تتفرع منه أنفاق أخري‮.‬

وأضاف عبد الله أن عملية الحفر استغرقت عامين نظراً‮ ‬لصلابة الصخور،‮ ‬ووقفت بنا السيارة في نهاية النفق الرئيسي‮ ‬لنستكمل سيرا علي الأقدام،‮ ‬في محاولة لاكتشاف المنجم وتابع شرحه قائلا‮: ‬نحن نتعامل هنا بلغة الإشارة،‮ ‬فتحريك ضوء الكشاف الموجود في الرأس من أعلي لأسفل‮ ‬يعني‮ ‬قف مكانك،‮ ‬وتحريك الضوء‮ ‬يمينا ويسارا‮ ‬يعني تعالي‮.‬

في أحد الأنفاق الفرعية تعمل ماكينة التخريم استعدادا لعملية التفجير كما‮ ‬يوضح الجيولوجي،‮ ‬والتحرك داخل باطن الجبل له قواعد خاصة لا‮ ‬يستطيع أحد تجاوزها حتي لا‮ ‬يعرض حياة الجميع للخطر،‮ ‬بعدها طلب مني‮ ‬الاستعداد للخروج من المنجم لأنه حان موعد عملية التفجير التي‮ ‬يتم فيها إخلاء المنجم من العاملين،‮ ‬ثم العودة إليه بعد ساعة من انتهاء عملية التفجير‮.‬

وأثناء خروجنا من باطن الجبل لفت نظري‮ ‬وجود أسلاك ومواسير ولوحات كهرباء داخل المنجم حيث توجد بالمنجم شبكات من الخدمة الأساسية الضرورية لاستمرار العمل فيه تبدأ‮ "‬بشبكة الحماية‮" ‬وفيها‮ ‬يتم تركيب شبكة سلكية علي جميع أسقف المنجم كدعامات‮ ‬يتم تثبيتها بمسامير كبيرة،‮ ‬وإذا كانت طبيعة التربة لينة‮ ‬يتم صب الخرسانة عليها والهدف من هذه الشبكة منع انزلاق أو تساقط الصخور،‮ ‬ثم تأتي الشبكة الثانية وهي شبكة الاكسجين حيث‮ ‬يتم ضخ الهواء من خلال مراوح ضخمة توزع الهواء من خلال شبكة مواسير‮ ‬يصل قطرها إلي‮ ‬70‮ ‬سم الهدف منها القضاء علي نسبة الرطوبة العالية والغازات التي تخرج من المعدات وتتسبب في تقليل الأكسجين،‮ ‬أما الشبكة الثالثة وهي‮ "‬الكهرباء‮" ‬فلا تستخدم في الإضاءة أو الإشارات الضوئية

بل‮ ‬يقتصر استخدامها علي تشغيل الأجهزة والمعدات،‮ ‬وكذلك‮ "‬المياه‮" ‬يوجد منها خطان واحد لسحب المياه وطردها خارج المنجم باستخدام ماكينات رفع،‮ ‬والثاني‮ ‬لاستخدام المياه داخل المنجم‮. ‬

هنا أكد الجيولوجي أن الزيارة داخل الجبل انتهت وعلينا أن نخرج من المنجم الآن وأثناء العودة أشار إلي إحدي الغرف المغلقة وقال هذه‮ "‬غرفة الإنقاذ‮" ‬وهي مجهزة بكل وسائل الأمان ويمكن أن‮ ‬يعيش فيها الإنسان لمدة‮ ‬36ساعة ثم أشار إلي فتحة صغيرة في الجهة المقابلة وقال هذا المدخل‮ ‬يصل إلي نفق الهروب‮.‬

يتكون فريق العمل داخل المنجم من مدير المنجم والمشرف ومسئول التفجير وهم أجانب ويعمل معهم عشرون مصرياً‮ ‬في جميع التخصصات من مهندسين وجيولوجيين بالإضافة إلي بعض المقاولين الأجانب الذين‮ ‬يعمل تحت أيديهم عدد من العمال المصريين‮.‬

يعتبر استخراج الخام من باطن جبل السكري‮ ‬مرحلة أولي تتبعها مراحل أخري كثيرة بهدف تحويل هذه الأحجار إلي سبائك ذهبية تمكن من استخدام المعدن النفيس في استخدام الحلي‮ ‬أو إبقائه علي هذه الهيئة‮.‬

‮ ‬وفوق جبل السكري‮ ‬تتم عملية التنقيب السطحي‮ ‬واخذ عينات لتحليلها لتحديد اكن الذهب لاستخراج الذهب منها باستخدام ثلاثة حفارات ويتم نقله إلي المصنع بـ‮ ‬15‭ ‬سيارة عملاقة تسمي‮ "‬دنمبر‮" ‬تضع خام الذهب في الكسارة فتقوم بتكسير الصخور إلي قطع متساوية وتنقلها عبر سيور ضخمة إلي المطاحن‮. ‬

حتي الآن لا‮ ‬يمكن تهريب الذهب لأنه عبارة عن أجزاء صغيرة داخل الصخور الضخمة بعضها لا‮ ‬يري بالعين المجردة،‮ ‬تحتاج إلي عملية معالجة كبيرة تتم في المصنع،‮ ‬هناك‮ ‬يتم طحن الصخور المحملة بالذهب من خلال ثلاث مراحل مختلفة حتي تصل إلي درجة عالية من النعومة‮.‬

وكما‮ ‬يشرح المهندس هاني‮ ‬الخطوة التالية التي‮ ‬يتم فيها نقل المادة الخام إلي تنكات كبيرة حيث‮ ‬يتم تعويم المادة الخام وتضاف إليها مواد كيماوية لفصل المعادن الثمينة وتركيز المنتج باستخدام محلول كيمائي‮ ‬يسمي‮ "‬السيانيد‮"‬،‮ ‬ثم‮ ‬يتم تجفيف الذهب باستخدام الكربون قبل أن‮ ‬ينتقل إلي مقره الأخير داخل المنجم في‮ "‬غرفة الذهب‮" ‬هنا تكمن الخطورة فهي‮ ‬المكان الوحيد الذي‮ ‬تخرج منه سبائك الذهب الخام ويمكن تهريب الذهب منها وهي‮ ‬غرفة ذات طبيعة خاصة ويراعي في تنفيذها وسائل أمان عالية جداً،‮ ‬فهي‮ ‬مصنوعة من الخرسانة والفولاذ ويرد عصمت الراجحي‮ " ‬نافياً‮ ‬وجود ثغرات لتهريب الذهب لأن سبائك الذهب لا‮ ‬يتم صبها إلا في‮ ‬وجود لجنة من الدمغة والموازين والثروة المعدنية ويتم تحرير محضر بذلك وتأخذ رقماً‮ ‬مسلسلاً‮ ‬يحفر علي السبيكة‮ " ‬ويوجد بالغرفة ثلاثة أبواب متتالية لدخول العاملين بها وباب آخر لسيارة شركة امانكو التي تقوم بنقل الذهب ويسمح لها بالدخول ثم‮ ‬يتم‮ ‬غلقه فوراً‮ ‬ثم‮ ‬يفتح لها باب آخر بعد‮ ‬غلق الباب الأول لكي‮ ‬يتم تحميل سبائك الذهب،ويضيف الراجحي‮ " ‬أن شركة امانكو التي تقوم بنقل الذهب إلي المطار تتبع المخابرات العامة والبنك الأهلي‮ " ‬ويتم التحكم في جميع الأبواب والغرف داخل‮ ‬غرفة‮ ‬الذهب من خلال‮ ‬غرفة التحكم فهي‮ ‬التي تسمح بالدخول أو الخروج لأي‮ ‬شخص،‮ ‬حتي نتمكن من دخول‮ ‬غرفة الذهب لابد من وجود تصريح‮ ‬فكان لابد أن ننتظر لليوم التالي‮ ‬حتي‮ ‬يأتي‮ ‬تصريح الدخول ويكون ذلك في وجود أعضاء لجنة الثروة المعدنية‮.‬

في التاسعة من صباح اليوم التالي‮ ‬جاءت لجنة الثروة المعدنية وسمح لنا بالدخول معها وأخضعنا لعملية تفتيش دقيقة جداً‮ ‬وبعد تجاوز الثلاثة أبواب انتظرنا حتي وصول درجة حرارة الفرن إلي‮ ‬12000درجة مئوية،‮ ‬بدأ العاملون بوضع أكياس الذهب في الفرن وبعد عشر دقائق،‮ ‬بدأت عملية صب سبائك الذهب،‮ ‬وتنظيفها من الشوائب وتبريدها في الماء وعودة الشوائب مرة أخري‮ ‬إلي الفرن لإعادة صهرها،‮ ‬ثم‮ ‬يتم حفر رقم مسلسل علي كل سبيكة وتقوم لجنة الثروة المعدنية بعمل محضر بأرقام السبائك التي تم صبها،‮ ‬ويؤكد المهندس أيمن إبراهيم أحد أعضاء اللجنة أن كل سبيكة‮ ‬يكون لها رقم ويتم تحرير محضر بعدد السبائك التي تم صبها في كل مرة‮.‬

وهنا نكون قد وصلنا إلي المرحلة الأخيرة،‮ " ‬مرحلة التصدير‮ " ‬وفيها تقوم‮ ‬سيارة امانكو بنقل الذهب إلي مطار مرسي علم ومنه إلي مطار القاهرة ثم إلي كندا‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يعود إلي مصر مرة أخري،ويتم ذلك بعد إخطار الجيش والمخابرات والشرطة والجمارك قبل عملية التصدير بـ24ساعة‮.‬

 

شاهد الفيديو

 

أهم الاخبار