بن لادن.. حكاية "مجاهد" أرهب الدنيا

ملفات محلية

الثلاثاء, 03 مايو 2011 10:21
بوابة الوفد- صحف

أسامة بن لادن

ذكرت صحيفة " الأخبار" اللبنانية اليوم الثلاثاء في تقرير لها أن خبر مقتل زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن وضع نهاية

لرجل التبست المواقف حوله، بين من عده "بطلاً إسلامياً"، وآخرون رأوا فيه "مجرماً وإرهابيّا". القتل لن ينهي الالتباس، ولا سيما أن الرجل كان يتصدر استطلاعات الرأي بأنه أكثر الأشخاص شعبية في بعض الدول العربية في زمن ما قبل الثورات، حين كان الإحباط سيّد الموقف في الشارع، وكانت صورة بن لادن وصوته وتهديداته قادرة على إحداث بعض التأثيرات صعوداً في إشارات الانهزام.

 

في المقابل، هناك في الشارع الإسلامي من يرى أن الرجل مثّل "جالب الكوارث" للمسلمين حول العالم، بعد الحملة التي أعلنها على الولايات المتحدة وفق فتاوى مختلف عليها، أدت إلى "تشويه الصورة الإسلاميّة"، بحسب ما يرى هؤلاء. تشويه تمظهر في حملة التضييق على المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا، وحتى على الإسلاميين داخل الدول العربية، حيث باتوا محلّ شبهات ومراقبة وملاحقة وقمع؛ إذ أُخذت كل الحركات الإسلاميّة بجريرة القاعدة، بغض النظر عن الخلافات الفكرية والفقهيّة بينها وسائر الحركات، التي تأخذ من الإسلام منطلقاً لحراكها السياسي والاجتماعي.

وقال حسام الكنفاني في تقريره " الخلاف والاختلاف بشأن أسامة بن لادن سيبقيان قائمين خلال فترة طويلة، ولا سيما أن التباين في التعاطي معه طبع مسيرته "الجهاديّة" منذ نهايات سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى إعلان مقتله. ثلاث مراحل أساسيّة مرّت بها السيرة الذاتيّة لزعيم تنظيم القاعدة، تنقّل خلالها من كونه "بطلاً" بالنسبة إلى الولايات المتحدة والسعوديّة، وصولاً إلى اعتباره العدو الأول لهذين البلدين وسائر دول العالم، وتحوّله إلى المطارد الأبرز، ربما في التاريخ. وما بين المرحلتين، كانت هناك فترة المساكنة التالية لـ"الانتصار" في أفغانستان. مساكنة لم تستمر طويلاً، غير أنها كانت أساسيّة في التأسيس للفترة الجهاديّة التالية، التي بدأت في منتصف تسعينيّات القرن الماضي.

تكوين الشخصيّة البن لادنيّة جاءت مرتبطة بالبيئة التي نشأ فيها هذا الشاب السعودي، ذو الأصول الحضرمية. فأسامة بن لادن، المولود في عام 1957 لأم سوريّة وأب مهاجر من حضرموت اليمنيّة، فتح عينيه على الدنيا ليجد نفسه محاطاً بأجواء محافظة، وسط عائلة ضخمة، تتضارب التقديرات حول عديدها، وإن كان أقصاها يصل إلى 43 أخاً وأختاً.

والد أسامة محمد عوض بن لادن انتقل من كونه حمّالاً في مرفأ جدّة إلى أكبر مقاول إنشاءات في المملكة، وذلك بعد العلاقة التي نسجها مع الملك سعود بن عبد العزيز، والتي وصلت إلى حد إقناعه بالتنحي لمصلحة أخيه فيصل إثر الخلاف بين الشقيقين.

كانت شخصية محمد بن لادن قوية، وكان يبقي جميع أبنائه في سكن واحد، وكان شديد الحرص على انضباطهم والتزامهم من الناحية الشرعية والأخلاقية. وإلى الأجواء المحافظة التي وفّرها الوالد، كانت فترة الحج أساسيّة في تكوين عقليّة هذا الطفل السعودي، ولا سيما أن والده كان يستضيف أعداداً كبيرة من الحجاج كل عام، بعضهم من الشخصيات الإسلامية المعروفة، وهي عادة استمرت على أيدي إخوان أسامة بعد وفاة الوالد في عام 1970.

النشأة المنزلية تكاملت مع الفترة الدراسيّة الجامعية أثناء تلقيه علوم الإدارة العامة في جامعة جدة، حيث اطلع على أنشطة التيارات الإسلامية المشهورة، وتعرف إلى كثير من الشخصيات الإسلامية، ولم يكن هناك أمر متميز خلال دراسته. وكان لشخصيتين الأثر الأكبر في حياته، هما محمد قطب والشيخ عبد الله عزام، حيث كانت مادة الثقافة الإسلامية إجبارية لطلاب الجامعة.

العلاقة مع الشيخ عبدالله عزّام خصوصاً كانت فاتحة "المرحلة الجهاديّة" في حياة أسامة بن لادن، التي تبلورت أكثر مع الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في عام 1979. وخلال الاسابيع الأولى للغزو، رتب بن لادن مع الجماعة الإسلامية الباكستانية رحلة إلى باكستان، حيث أصطُحب من كراتشي إلى بيشاور، وهناك قابل مجموعة من قادة "المجاهدين"، الذين كان بعضهم يترّدد على منزل والده في فترة الحج.

رحلة استكشافيّة استمرت شهراً، عاد بعدها إلى السعودية، حيث عمل على جمع التبرعات الماليّة والعينيّة للمجاهدين، حملها معه في الرحلة التالية، التي اصطحب فيها عدداً من الباكستانيين والأفغان الذي كانوا يعملون في شركات بن لادن. رحلات استمرت إلى عام 1982؛ إذ كان أسامة يكتفي بنقل التبرعات والمقاتلين العرب والباكستانيين والأفغان إلى المخيمات على الحدود مع أفغانستان.

في ذلك العام، قرّر بن لادن الدخول إلى أفغانستان للإسهام مباشرة في "المجهود الجهادي". مشاركة كانت بداية من واقع خبرة أسامة في المقاولات؛ إذ عمد إلى إدخال معدات وجرارات وحفّارات لتمهيد الجبال وشق الطرق وإنشاء المعسكرات، إضافة إلى نقل السلاح والأموال والمقاتلين.

ومع بدء تزايد عدد المتطوعين العرب، كان على بن لادن الانتقال إلى الإطار التنظيمي الأوّل في عام 1984، حين أسّس "بيت الأنصار" في بيشاور، ليكون محطة أولية لاستقبال الآتين لـ"الجهاد" قبل توجههم إلى التدرب، ومن ثم نقلهم للقتال في أفغانستان، وذلك بالتزامن مع تأسيس الشيخ عبد الله عزّام "مكتب الخدمات" في بيشاور، حيث مثّل مع "بيت الأنصار" عمليّة تكاملية لرفد أفغانستان بالمقاتلين العرب والمسلمين.

تطوّرت مشاركة بن لادن في سنة 1986، حين قرر أن يتوسع في تنظيم العملية الجهادية ويكون له معسكراته وخطوط إمداده، وتمكن من تشييد ستة معسكرات. ومن ذلك العام إلى عام 1989، تاريخ الخروج السوفياتي من أفغانستان، برز اسم بن لادن "قائداً للمجاهدين العرب"، وذلك بعدما توطدت علاقاته في تلك المرحلة مع الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" والسعودية والباكستانية، حتى إن السعوديّة وصفته بـ"البطل".

في 1988، بلور أسامة بن لادن عمله في أفغانستان بإنشاء سجلات "القاعدة" لتسجيل بيانات المسلحين، وانضم إليها المتطوّعون من "مركز الخدمات" من ذوي الاختصاصات العسكرية والتأهيل القتالي، لتكون النواة الأولى لتنظيم "القاعدة" العالمي.

وبانتهاء الحرب في أفغانستان، وانهيار الاتحاد السوفياتي، انتهت المرحلة الأولى من مسيرة

"الجهاد" لأسامة بن لادن، الذي عاد ومعه آلاف من المقاتلين العرب إلى بلدانهم، حيث بدأ معظمهم بالعمل على مواجهة "الوجود الأجنبي في العالم الإسلامي". مرحلة بدأت مع الحرب الأمريكية على العراق، إثر غزو الأخير للكويت في عام 1990. حينها، هاجم بن لادن السعودية لسماحها بوجود القوات الأمريكية على أراضيها، وأرسل رسالة طويلة إلى الملك فهد بن عبدالعزيز، استهلها بعبارة "السلام على من اتبع الهدى"، وهي تحيّة كان يلقيها المسلمون على غير المسلمين في المراحل الأولى لظهور الإسلام.

وطلب بن لادن من الملك فهد عدم الاستنجاد بالقوات الأمريكية لإخراج القوات العراقية من الكويت، متعهداً بأن يفعل والأفغان العرب ذلك مع بعض الدعم المالي من الرياض.

الرسالة كانت مفصليّة في علاقة بن لادن بالسعودية، ما أدى إلى خروجه منها في العام نفسه إلى السودان، الذي كان يعيش السنة الأولى من حكم الإنقاذ بعد انقلاب عام 1989، الذي حظي بدعم من بن لادن.

في المرحلة السودانية، أسّس بن لادن مركز عمليات جديداً، ونجح في تصدير أفكاره إلى جنوب شرق آسيا، والولايات المتحدة، وأفريقيا، وأوروبا. لكن في 1996، طلبت منه الخرطوم أن يغادر البلاد تحت ضغط الأمريكيين. في تلك الفترة أيضاً، اتهمته مصر بتمويل الأصوليين المتطرفين لديها، واتهمته صنعاء بتمويل تنظيم الجهاد الإسلامي في اليمن. أما السعودية، فقد أسقطت عنه الجنسية في 1994 بسبب"تصرفات غير مسئولة تتعارض مع مصلحة المملكة وتسيء إلى علاقاتها مع الدول الشقيقة"، بينما أعلن شقيقه الأكبر بكر باسم أسرته "شجبه وإدانته تصرفات شقيقه".

بعدها، غادر بن لادن السودان في سنة 1996، متوجّهاً إلى أفغانستان نتيجة علاقته القوية بجماعة "طالبان" التي كانت تسيّر أُمور أفغانستان والمسيطرة على الوضع في هذا البلد. وهناك أعلن الحرب على الولايات المتحدة، بعد عملية الدمج التي حدثت عام 1998 مع أيمن الظواهري، الأمين العام لتنظيم الجهاد الإسلامي المصري المحظور، وأطلق الاثنان فتوى تدعو إلى "قتل الأمريكيين وحلفائهم أينما كانوا وإلى إجلائهم من المسجد الأقصى والمسجد الحرام".

من ذلك التاريخ لمع اسم "القاعدة" بقوة، ولا سيما بعد تفجيري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام سنة 1998، التي بدأت معها المساعي الأمريكية إلى اغتيال بن لادن، مرة في غارة على السودان، وأخرى في غارة على أفغانستان. إلا أن زعيم تنظيم "القاعدة" نجا من العمليتين لتبدأ الملاحقة الكبرى في أعقاب هجوم الحادي عشر منسبتمبر على برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، الذي اتهمت الولايات المتحدة بن لادن بتنفيذه.

اتهام دعمه بن لادن بشرائط مصوّرة يثني فيها على منفّذي الهجوم، ثم شريط آخر يتحدث عن مفاجأته من النجاح الباهر للعمليّة، قبل أن تبدأ مؤسسة "سحاب"، التابعة لتنظيم "القاعدة"، ببث "وصايا" بعض المنفذين.

مرحلة جديدة من العلاقة بين الولايات المتحدة وأسامة بن لادن بدأت بعد هذا التاريخ؛ إذ شنت الولايات المتحدة حرباً على أفغانستان بذريعة ملاحقة زعيم تنظيم "القاعدة"، بعدما رفضت حكومة "طالبان" تسليمه. حرب لم تستمر طويلاً، سرعان ما سيطرت بعدها الولايات المتحدة والمعارضين الأفغان على البلاد، وأطاحت حكم "طالبان"، لتبدأ ملاحقة بن لادن والظواهري في الجبال الأفغانية الوعرة، ولا سيما تورا بورا، التي أصبحت اسماً يطلق على كل منطقة يصعب الوصول إليها.

ملاحقة لم تحدّ من نفوذ القاعدة، بل توسّعت مساحة انتشاره إلى مناطق لم يكن موجوداً فيها سابقاً، ولا سيما في العراق؛ إذ إن اسم التنظيم تحوّل إلى علامة تجاريّة تستخدمه المجموعات التي تتبنى "الفتاوى الجهادية لبن لادن وأيمن الظواهري"، قبل أن تقدّم فروض الولاء والطاعة للقيادة العليا، من دون أن تكون مرتبطة مركزيّاً بقرارات تلك القيادة.

على هذا الأساس، إن نهاية فترة المطاردة بالقتل، الذي أُعلن أول من أمس، لن تكون بالضرورة نهاية للتنظيم، الذي بات متعدّد الرؤوس، وما بن لادن إلا "الزعيم الروحي" له.

أهم الاخبار