6 ملايين مصري أحياء في المقابر!

ملفات محلية

الأربعاء, 01 ديسمبر 2010 17:48
كتبت‮: نشوة الشربيني

أكثر من 1.5 مليون مواطن يعيشون في مقابر القاهرة بمناطق الجبانات، شركاء الأموات في مقابر باب النصر والدويقة وصلاح سالم والدراسة والإمام الليثي ومنطقة التونسي بالإمام الشافعي. كيف يقضي هؤلاء الغلابة وقتهم؟ فهل هرب هؤلاء من ظلم الأحياء ليختاروا رفقة الأموات، رحمة بهم من الظلم والفساد، اللذين يواجهونهما في حياتهم، لكي ينعموا براحة البال مع إخوانهم الأموات.. أم فرضت عليهم هذه الحياة الغفيرة البائسة، بسبب حكومة أهملتهم ولم تعاملهم كبشر ومواطنين مصريين.

إنهم يسكنون المقابر جبراً وقسراً، يفتقدون أبسط ضروريات الحياة .. فقراء ومرضي يعيشون حياة بائسة باردة، في ظل حكومات الحزب الوطني، التي أفقرت غالبية الشعب المصري، وفرضت عليهم حياة لا يذوقون فيها طعم الراحة، فإذا كانت الحكومة نسيتهم، فإن الله لن ينساهم. فكم من وعود قطعتها هذه الحكومات لتوفير مأوي لهم، ثم تتبخر هذه الوعود، ليلقي هؤلاء المعدومون المرارة والألم والعذاب، وتمر عليهم الأعياد لا يعرفون طريق الفرحة ولا حتي طعم اللحمة.. ينتظرون الإحسان من الآخرين وأملهم الحصول علي لقمة عيش تملأ بطونهم وملابس رثة تستر عوراتهم.. فضلاً عن حياة ولو شبه آدمية.

80٪ فقراء

مؤسسة »الانتماء الوطني الحقوقية« أصدرت بياناً ضد تجاهل الحكومة للفقراء.. قال البيان: إن فقراء مصر يمثلون 80٪، ويمتلكون 205 من الثروات.

وأكد البيان، أن اللحوم والأسماك لا تدخل قائمة الفقراء. ويتناولها حوالي 51.2٪ من الفقراء حسب الظروف، فيما يعتمد 61٪ من الفقراء في طعامهم علي البقوليات »الفول والعدس« وهذا ما أكده تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية لعام 2007.

وأوضح التقرير أن مصر تحتل المركز رقم 111 بين دول العالم الأكثر فقراً.

وكشفت تقارير ميدانية عن صعوبة الحصول علي رغيف الخبز المدعم، نظراً لأسعاره المرتفعة التي لا تتماشي مع الظروف الاقتصادية العامة، وأن أكثر من 50٪ من السكان في مصر، أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر، منهم حوالي 15 مليوناً يسكنون العشش والمقابر ومناطق تحت بير السلم.

وتشير دراسة متخصصة إلي أن سكان المقابر منهم فريق يعمل وفريق لا يعمل .. فهناك الحرفيون، وهذه الفئة تبلغ 37٪ وتنخفض نسبتهم للموظفين إلي 9.4٪، وتبلغ نسبة 5.5٪ لأصحاب الأعمال المتصلة بمنطقة المقابر، وتصل إلي نسبة 1.7٪ للمشاركين في أعمال التجارة.

كما تشير دراسة اجتماعية الي ان 60٪ من أطفال العشوائيات محرومون تماماً من أي من الخدمات التعليمية، بجانب إنخراطهم في سوق العمل في سن مبكرة لإعالة أسرهم؛ حيث نجدهم يعملون في الورش أو كباعة جائلين أو متسولين وعادة ما تلتقطهم العناصر القريبة من المخدرات سواء للتعاطي أو الاتجار.

»الوفد« قامت بجولة في مقابر باب النصر وصلاح سالم والإمام الليثي؛ لتكشف عن الواقع الأليم الذي يعيشه هؤلاء البؤساء الذين يعيشون علي هامش الحياة، في ظل الحكومات المتعاقبة.. وخلال جولتنا لاحظنا الحياة غير الآدمية التي يعيشونها في صورة يومية، من البؤس والحرمان الشديد.

ففي هذه المقابر يمكنك أن تشاهد خليطاً من الكبار والصغار والشباب، يعيشون سوياً مع الأموات، في توافق غريب وتنتشر بينهم قواسم مشتركة من الضياع والفقر والفوضي، بالإضافة إلي الأمراض النفسية، نتيجة انتشار أساليب الضرب والتحرش الجنسي، وتبادل الشجار والشتائم ليل نهار.

إنها مأساة حقيقية يعيشها سكان المقابر، معظم الأطفال والشباب وحتي كبار السن لم يجدوا طريقة أخري للعيش إلا بالتسول من الآخرين، فالأطفال يفضلون البقاء في الشارع، وهم حفاة وشبه عراة تماماً، أو يرتدون بقايا ملابس رثة.. لقد نهش

المرض والجوع أجسادهم حتي تحولوا إلي أشباح محرومين من كل شىء وغابت الابتسامة عن وجوههم، ليحل محلها القلق والخوف من أي شىء.. وعادة ما يتعرض هؤلاء الأطفال للانحراف وتعاطي المخدرات واحتراف السرقة والبلطجة وتهديد أمن الغير.

الحاجة صباح رمضان، ينادونها بـ »أم محمد«، من سكان مقابر الإمام الليثي - كانت تجلس أمام المقبرة التي تسكنها، تبيع سلعاً بسيطة لجيرانها وملامح الحزن والأسي تغطي وجهها، الذي يوحي بعبارات كثيرة عن الفقر والحرمان، إذ تسببت فيهما قسوة الزمان خاصة بعد مرض زوجها الأرزقي منذ فترة طويلة، وحبس عائلها الوحيد منذ عدة سنوات - كما قالت - وتركها وحيدة تصارع الحياة القاسية، فهي تعيش علي ما تكسبه من بيع بعض السلع البسيطة لسكان المقابر، ومن المساعدات.

قالت إنني أسكن المقابر منذ 40 عاماً، أباً عن جد، ولم يوجد أمامنا إلا السكن والعيشة هنا في المقابر، فالحياة تغيرت عما كانت في الماضي، إلي الأسوأ والأصعب، وانتظر أنا وغيري أهل الخير، عندما يأتون لزيارة موتاهم. يمنحوننا »رحمة ونور« أو كيس لحمة.. أنا مريضة بالقلب والضغط، وأعول 4 أبناء، 3 بنات اثنتان منهن عرائس علي وش زواج قريباً، وعائلنا الوحيد محبوس في السجن ومش عارفة أجهزهم منين، أو أعمل إيه.. وأجيب منين.. ولا أجد من يهتم بينا، ولا يسأل عنا، إلا قليل من أهالي منطقة المقابر الذين يتبرعون لنا ببضعة قروش كل حين، لا تكفي لشراء أي شىء في ظل هذه المعيشة الصعبة وأتمني أن ينظر الناس لنا نظرة عطف لكي أزوج البنات والحمل يخف من علي أكتافي شوية.

ألاعيب المرشحين

أبوعادل - من سكان مقابر الإمام الليثي - قال إن المرشحين في الانتخابات لا نراهم إلا بالصدفة، وهم يتظاهرون بأنهم يحرصون علي إصلاح أعمدة الإنارة ولا يحدث هذا إلا في وقت الانتخابات، وبعد كدة لا نراهم مرة أخري، فإذا كانت الحكومة قد تخلت عنا، فمن خلقنا لا ينسانا.

وفدية عبدالمجيد - وينادونها بـ »أم عبده« سيدة مسنة تبلغ من العمر 70 عاماً، ولديها 4 أبناء لكنها تعيش بمفردها بعد فراق اثنين منهم والآخران لم يسألوا عنها.

قالت إننا هنا عيشتنا لا ترضي عدوا ولا حبيبا ومحدش بيسأل علينا، حتي الحكومة نسيتنا، ومفيش حاجة أمامنا إلا السكن والعيشة في المقابر، علماً بأنه سيجىء يوم و نمشي، لما صاحب المقبرة يحتاجها في أي وقت والحوش الذي أسكن فيه بدون حمام، ولا يوجد فيه أي شىء، لا حياة ولا إنارة، لذلك أسعي جاهدة للبحث عن مكان إيواء حتي لو غرفة وصالة فقط، لكي يجمعني مع أبناء ابنتي المتوفاة، الموجودين حالياً مع زوجة أبيهم، فنحن جميعاً نتعرض لسخافات ومضايقات ليس لها حصر، وأتمني من المسئولين بالحكومة أن ينظروا في طلب الحصول علي مسكن بسيط، يجمعنا في حياة آدمية.

مع الأموات

خلال جولتنا بمقابر باب النصر، وجدنا عم »فلفل« بشارع نجم الدين بالمنطقة 60 بالمقابر، مهموماً وكأنه

يحمل مشاكل الدنيا كلها فوق رأسه.. اقتربنا منه وسألناه عن حاله.. فقال إننا نعيش مثل الأموات، ولكن الفارق الوحيد أننا نسكن فوق الأرض، ونحمل علي عاتقنا مسئولية توفير الطعام والشراب والدواء، وأنهم - أي الأموات - تحت الأرض، ينعمون براحة البال ولا يحملون أية هموم من مأكل ومشرب وملبس، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار الرهيب لكل شىء، وبخلاف المصاريف وملابس الأبناء.

وابتسام خميس عطا - تعيش مع أولادها الثمانية، في غرفة واحدة بلا منافذ أو تهوية سوي المقابر التي تحيط بها من جميع الجهات قالت: إن مصر أصبحت ملك الحزب الوطني، اللي يفطه تملأ الشوارع والشعب لم يعد محسوباً علي البلد، والدولة لم تعد كفيلة بتقديم الرعاية الصحية أو التعليمية أو الخدمية للمواطن المصري البسيط، حتي أصبح المواطن مسئولا عن نفسه، مثلما يحدث عن سفره للعمل بالخارج.

حياة غير آدمية

سلوي أحمد محمود - لديها 5 أبناء وتسكن مقابر باب النصر.. قالت: إننا نعيش حياة غير آدمية، فنحن لا نري شكل اللحم أو الفراخ منذ سنوات طويلة وخلاص اتعودنا علي عدم وجودها.. منين هنجيب، وسعر كيلو اللحم الضاني والكبدة أكثر من 60 و70 جنيهاً، وسعر كيلو الدجاج إلي أكثر من 20 جنيهاً، وزوجي لا يعمل وليس لدينا مورد رزق ننفق منه، فكل أكلنا بنعمله بالمياه ، وفي أوقات معينة مثل العيد، بنجيب بواقي الفراخ التي وصل سعر الكيلو منها إلي 12 جنيها، علي قد حالنا.

والحاج زكي يوسف أبوطالب، البالغ من العمر 75 عاما، ويعول 5 أولاد أضاف أننا فقراء وأرزقية والحكومة لا تشعر بنا وقد قضينا طوال شهر رمضان وبعده العيد حتي عيد الأضحي المبارك، بدون طعام في بيتنا، وكنا نعيش علي التسول والإحسان من الآخرين ولكن المشكلة أنني غير قادر علي ذلك الآن، بعد بلوغي هذا السن، وأبنائي مازالوا في حاجة إلي صحتي ورعايتي.

حلم الشقة

هدي ياسين معوض - لديها اثنان من الأبناء مقيمة بالمنطقة رقم »31« بالمقابر  أخذت تقلب جنيهات المعاش بين يدها في حسرة وقلت إنها 140 جنيها كل شهر من الضمان الاجتماعي، ولا أعرف ماذا تكفي من الطلبات.. فمنذ 5 سنوات وأنا دايخة بأولادي المرضي، حيث يوجد لدي شاب عمره »22 سنة« معاق ذهنياً، ولديه عجز كامل بالجانب الأيمن للجسم، ويتحرك بصعوبة والثاني مريض بالغضروف ومركب شريحة وأربعة مسامير في ساقه.. وأنا في عرض »أي قرش« يساعدني لكي أدبر قيمة مصاريف العلاج وتوجهت إلي محافظة القاهرة وقدمت طلباً لابني المعاق للحصول علي شقة مثل غيره من المعاقين، وذلك منذ عام 2000 فوجئت بضياع الطلب بالمحافظة فتقدمت مرة أخري عام 2005 بطلب جديد، ولكن بدون فائدة حتي الآن.

والحاج سعيد إسماعيل البحراوي - 68 سنة - ويعول 5 أولاد، أكد أن اللقمة مقدور عليها، لكن نفسي أعيش في شقة حلوة حتي لو غرفة وصالة فيها هواء وشمس بعيد عن الميتين.. نحن هنا مدفونون مع الأموات ولا أحد يشعر بنا.. اعتبرونا موتي، ولا يفكر أحد كيف نأكل ولا نشرب أو كيف نعيش؟

أم التلاميذ

علي باب أحد القبور، وجدت سميرة هاشم محمد علي، أم الخمسة أبناء، تنتظر عودتهم من المدرسة.. كانت تفكر كيف سترد عليهم حينما يسألونها عن طعام الغداء.. قالت إنه لا يوجد معي سوي 5 جنيهات ومصاريف الأولاد كثيرة إحنا هنجيب منين المصاريف دي كلها؟

استلام

علامات التعب والإعياء، تبدو واضحة علي ملامح أنور عبدالله رفاعي، الذي تجاوز الـ 60 عاماً.. قال إنني بلا أي مصدر رزق للإنفاق علي نفسي.. حالي مثل أهل منطقتي بمقابر صلاح سالم، عايشين رزقنا من أجور دفن الأموات، الذي لا يتعدي 5 جنيهات، مين يقول إن حياتنا تنتهي من غير ما أعيشها وأنا في مرحلة عمرية حرجة جداً ورجلي والقبر.

وأسامة فاروق ياسين، يعول 3 أولاد ورمضان محمد سليمان يعول »ولداً وبنتاً«، وفاطمة علي تعول 6 أولاد كلهم يعانون من الأمراض المختلفة والأنيميا الحادة.. ويعيشون شركاء الأموات في المقابر، ولا علاقة لهم بالحياة الآدمية، فقد فرض عليهم الفقر والمرض والجوع، أن يستسلموا للواقع الأليم، الذي كتب عليهم وعلي أطفالهم وشبابهم، الذين لا مفر من ضياعهم وانحرافهم.. واندماجهم في عالم الجريمة، طالما حرموا من لقمة العيش، والسكن الآدمي.

أهم الاخبار