رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مشيرا إلى أن التوقع كان "ثورة عشوائيات"

د.ليلة: الثورة أنقذتنا من منحدر أخلاقي

ملفات محلية

الثلاثاء, 22 مارس 2011 13:37
حوار- السيد زايد:

لا تزال القراءات والتفسيرات الاجتماعية لحادث ثورة 25 يناير في مرحلة متأخرة عن مسيرة الثورة، فالثورة نسفت كل التفسيرات الاجتماعية التي سبقتها، إذ أن الثورة مثلما هي حدث سياسي عظيم فإنها بطبيعة الحال حدث اجتماعي أعظم قدرا، وسيكون له تداعيات على البناء الاجتماعي المصري.

ومن ثم كان د.على ليلة، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس هو الرجل الأنسب لمثل هذا الحوار، استقبلني الرجل بترحاب شديد، وذلك بعد أن استمعت مع طلابه إلى محاضرة عن صناعة المعرفة والإبداع وعلاقتها بالحرية.

ومن أهم ما قاله د."ليلة" في الحوار إن الثورة تفجرت من مساحة لم يكن علماء الاجتماع يتوقعونها، وهي الشريحة العليا في الطبقة الوسطى، موضحا أنه لو انطلقت الثورة من العشوائيات كما كانوا يتوقعون لكانت الثورة حرقت الأخضر واليابس. وتحدث د.على عن فساد نخبة المثقفين، مستغربا من تحول كثيرين منهم إلى ثوار بعد أن كانوا يهاجمون الثورة منذ أيام قليلة.

رغم الحديث عن الثورة المضادة إلا أن د. على حرص على التأكيد أن قطار الثورة قد انطلق وهو لا شك واصل إلى مرحلته الأخيرة أبي من أبي ورضي من رضي. وقال د.ليلة إن المصريين شعب ثائر وليس سلبيا مثلما يظن البعض وأن دروس التاريخ تؤكد ذلك، معتبرا أن نموذج الحاكم الفرعون العادل هو الأقرب لقلوب المصريين. سألناه بداية:

* كانت الأمور قبل 25 يناير تؤشر أن شيئا ما يحدث ..لكن لم يكن أحد يتوقع أن تحدث ثورة بهذا الشكل حتى المتخصصين في دراسة المجتمع أنفسهم، والأهم أن تنجح في تحقيق أهم أهدافها وهو إسقاط الرئيس مبارك..فكيف حدثت الثورة من الناحية الاجتماعية وما تجلياتها؟.

كان هناك تصور لدينا أن الثورة سوف تحدث، ولكن الذي لم يكن متوقعا هو المنطقة التي انطلقت منها، وهي الطبقة الوسطى، وقد كانت هناك عدة أمور ساهمت في حدوث الثورة، فالمجتمع المصري كانت تتفشى فيه معدلات الفساد والرشوة، والانحرافات الاجتماعية، وأسوأ شيء في تاريخ أي مجتمع أن يدخل منطقة الانحراف الأخلاقي، فقد انتشرت قبل الثورة حالات الاغتصاب بدرجة عالية، ناهيك عن التحرش الجنسي، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد تبادل الزوجات.

لقد تآكلت أخلاق المجتمع المصري تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة، ونحن نجهل أن المجتمعات لها عقل وعندما تسقط فإنها تبحث عن مكان تقوم فيه مرة ثانية، وقد كان من خلال الثورة.

النقطة الثانية هي عدم توازن نسب القوة في النظام السياسي، فالحالة المثالية أن تكون السلطة في أي نظام موزعة بين رئيس الجمهورية والحزب الحاكم والبرلمان والقضاء، بحيث عندما يصدر قرار تشارك فيه كل هذه المراكز المنوطة بصناعة القرار، لكن ما حدث هو أن أغلب الصلاحيات لصناعة القرار كان في يد الرئيس مبارك ووصل الأمر في المرحلة الأخيرة إلى عدم الكلام بل الإشارة التي تعني قرارا بالموافقة أو الرفض، ومن ثم حدث اهتزاز لهذه القوى، ولهذا اجتمعت الثورة على ضرب مركز القرار أو رأس النظام، وبعدها يقع النظام بسرعة وهو ما حدث بالفعل.

النقطة الثالثة في هذا الشأن أن نظام الرئيس السابق كان يعاني قطيعة مع النظام العالمي، فعندما يتحدث النظام العالمي عن الديمقراطية والحريات كان مبارك يتجاهل حديثه ويتلاعب بالديمقراطية، وعندما يطالب النظام العالمي بانتخابات نظيفة نراه يزور الانتخابات بشكل مستفز فالحزب الوطني فاز في الانتخابات البرلمانية 2010 بأغلبية ساحقة من خلال البلطجة والتزوير. ونتيجة لهذه الأوضاع المتردية كان رؤساء كثير من دول العالم ممن لهم علاقة طيبة بالرئيس مبارك ينصحونه بالإصلاح والديمقراطية، لكنه لم يستجب أبدا، وعندما سقط لم يقفوا بجانبه ولم يشغلهم مصيره.

أما رابع مفجر من مفجرات الثورة فهو حالة الغليان الشعبي بسبب عدم إشباع الحاجات الأساسية اليومية للمواطنين، فبعض الناس كانت تقتل في طوابير الخبز، ومن أجل الحصول على أنبوبة بوتاجاز. هذه العوامل مهدت الأرض لاشتعال الثورة.

* وماذا عن الاحتجاجات العمالية والعوامل الأمنية..كيف ساهمت في قيام الثورة؟

العوامل السابقة أدت إلى الاحتجاجات الاجتماعية والتي بدورها دربت المصريين على كيفية تجميع الناس، وارتجال الهتافات والتعامل مع الأمن والكر والفر أثناء مواجهته. أما العصا الأمنية والتي كانت يد النظام التي يبطش بها، فقد كانت تنتاب النظام حالة من الغباء السياسي في استخدامها، وهي عصا متطاولة على المواطنين، وما دامت متطاولة ففي لحظة معينة من الممكن أن يتم التطاول عليها وقد كان، فقد أسقطت الثورة هيبة الأمن ووضعته في مأزق، وعليه الآن أن يستعيد ثقة الناس.

*لماذا توجه الشعب يوم "28" يناير في جمعة الغضب إلى أقسام الشرطة ومقر الأمانة العامة للحزب الوطني ليحرقها في أول يوم من الثورة؟.

الحقيقة أن لدينا ميراثا أسود مع الشرطة والجهاز الأمني بشكل عام، ولهذا كان رد الفعل الطبيعي أن ينتقم الشعب ممن ظلمه وأهان كرامته واضطهده، وأنا كأستاذ جامعي لم أكن أستطيع أن أذهب وحدي إلى قسم شرطة، فلابد من واسطة تسهل لى الطرق المسدودة، وقد زاد تغول الجهاز الأمني في الفترة الأخيرة، ومن ثم كانت العقوبة لهذا الجهاز هي الثورة والتدمير، لكن جزءا من تدمير أقسام الشرطة كان من خلال عفوية الثوار، وهو جزء ضئيل جدا، لكني أعتقد أن الجهاز الأمني والحزب الوطني بالتحديد هو الذي لعب الدور الأساسي في هذه الحرائق وفي فتح السجون حتى تحدث فوضى ويتم وأد الثورة في مهدها.

أي ثورة من الطبيعي أن تدخلها عناصر مخربة، ونحن كعلماء اجتماع كنا متوقعين أن تنطلق الثورة من العشوائيات التي تحيط بالقاهرة والجيزة، ولو قاموا بها لحرقوا الدولة بكامل مؤسساتها، لكن من أشعل الثورة هي الشرائح العليا في الطبقة المتوسطة، وهي شرائح لديها وعي وثقافة ومعرفة كاملة بمستجدات عصر تكنولوجيا المعلومات.

أحدهم قال لى في ميدان التحرير أنا أملك شقة وموبايل ثمنه أربعة آلاف جنيه ولكن لا أشعر بالحرية ولا العدالة في بلدي، أغلب من فجروا الثورة من شباب الفيس بوك الذي يملك لاب توب وغرفة مخصوصة بمنازلهم، من داخل هذه الغرف كانت تدار عملية صناعة أهم ثورة في العصر الحديث. فهؤلاء لم يخرجوا ليحرقوا ويخربوا أو ليثيروا الفوضى ولكن ليغيروا وجه الدولة وينطلقوا بها للأمام.

هؤلاء الشباب المتعلم أو الشريحة العليا في الطبقة المتوسطة كانوا المفرزة الأولى للثورة، والتي لحق بها

شباب الطبقة المتوسطة، ثم الطبقة المتوسطة ككل، ثم بقية طبقات المجتمع، لتصبح ثورة مكتملة منذ اليوم الأول، تماما مثل كرة الثلج كلما تحركت من أعلى قمة الجبل زادت ضخامتها حتى وصلت في النهاية إلى المسيرات المليونية في ميدان التحرير.

* كيف ستؤثر الثورة في البناء الاجتماعي الذي يعاني خللا بالأساس؟

من تجليات الثورة أنها "ثورة" في البناء الاجتماعي، وقد أحدثت الثورة قطيعة مع ما قبلها من بناء مجتمعي فاسد وغير أخلاقي، وخلقت واقعا جديدا بدأنا نلمسه في حياتنا، وفي الجانب الأخلاقي الذي اتسمت به الثورة من يومها الأول، وقد أكدت الثورة حالة من البعث الوطني كحب مصريتي وفخري بها والتي كانت قبلا عبئا، وكذلك حالة من انبعاث الفن الوطني.

* كثير من العلماء والمثقفين كانوا يتحدثون عن سمات الشخصية المصرية، ويصفونها بالسلبية، فهل نحن تغيرنا أم أن المشكلة في التفسير والقراءة بالأساس؟.

أرفض هذا التفسير، فالشخصية المصرية ليست سلبية أو مستكينة لكنها ثورية، لكن ما حدث أن مصر بها 85 مليون نسمة وحتى يتحرك هذا الجسد الضخم فإنه يحتاج إلى أن "ينمل" كله، أو يتوتر كله، وهذا لا يحدث بين يوم وليلة ولكن يحتاج إلى فترة طويلة من الوقت، ولكنه عندما تحرك فقد داس تحت أقدامه كل شيء. التاريخ يقول لنا إن الشعب المصري هو شعب ثائر، بدءا من ثورة الشعب ضد الفرنسيين ثم استمرت الثورة والإضطرابات التي انتهت عام 1805 بتولي محمد على واليا على مصر، ثم بعد أكثر من نصف قرن ثورة قادها أحمد عرابي في فترة 1879-1882 ضد الخديو توفيق والأوربيين وسميت آنذاك هوجة عرابي رغم أنها ثورة عظيمة.

وبعد ذلك ومع تغير الظروف وجدنا ثورة الشعب المصري عام 1919، ثم ثورة 1952 التي قام بها ضباط الجيش واحتضنها الشعب، ثم ثورة أكتوبر 1973 ضد الاحتلال الإسرائيلي، فحرب أكتوبر وقف فيها الشعب يدا واحدة ضد العدو الخارجي، وهي بمثابة ثورة، فالشعب المصري من أكثر شعوب الأرض حراكا وثورة، وتقريبا يصنع ثورة كل نصف قرن.

الشخصية المصرية ليست سلبية لكن المشكلة عندنا في الثقافة الفرعونية، ولو دققنا جيدا في مطالب ثورة 25 يناير لن نجدها تختلف كثيرا عن مطالب الفلاح الفصيح أثناء العصر الفرعوني للحاكم الفرعون، والقصة تصوير لعاقبة فساد الاغنياء وذوى النفوذ ومما جاء على لسان هذا الفلاح للحاكم "أقم العدل ..ضيق الخناق على اللصوص. إحذر فإن الأبدية (الموت) تقترب..ونفذ العقاب في من يستحق..لا تنطق كذبا لأنك مسئول. .إنك تسرق وذلك لن ينفعك.حتى هؤلاء الذين أقيموا لمنع الظلم أصبحوا أنفسهم ظالمين". هذه الشكاوى التي نطق بها الفلاح الفصيح هي ذاتها مطالب شباب الثورة وهذا يدل على أن إقامة العدل ومحاربة الفاسدين هي مطلب الشعب المصري وإن تغيرت العصور والأزمان.

*كيف تصبح هذه الثقافة الفرعونية عائقا أمام عجلة التغيير وصناعة الثورة؟ وهل نحن كشعب نسهم بشكل ما في صناعة الحاكم الفرعون بوعي أو بدون؟.

لا شك في أن الفرعون العادل يحتل مكانة كبيرة في قلوب المصريين، تؤكد ذلك الثقافة الأبوية المنتشرة في مصر، وهذا مما يؤخر الثورة لكن لا يمنع حدوثها، فنحن شعب ثائر، وإذا لم يثر الشعب قتل الفرعون، وهذا ما حدث في مقتل السادات، ولذلك فإن الفرعون واع جدا ويخاف من الشعب، فعندما هتف الشعب في أثناء ثورة 25 يناير وقال "ارحل" فإنه كان يقصدها جيدا، وصبر عليه وعندما لم يستجب قال "إرحل يعني امشي يمكن ما بيفهمش"، متمسكا بالصبر عليه حتى اللحظة الأخيرة، وعندما تعنت الفرعون، كانت لحظة الحسم يوم 11 فبراير، حيث توجه الشعب إلى قصر "العروبة" لخلع الفرعون. فالشعب المصري صبور وصبره يغري الفرعون بالتسلط والفرعنة لكنه حينما يثورة يطيح بالفرعون.

* لكن بعض المحللين يقولون إن الثورة تأخرت كثيرا وهو ما تسبب في تأخر مصر عن الركب بالعالم المتقدم؟

السبب في التأخير هو أن النظام الحاكم في مصر لم يكن سيئا بالدرجة التي انتهى إليها، ويمكن أن نميز في حكم مبارك بين ثلاث مراحل، ففي العشر سنوات الأولى كان مبارك حاكما جيدا، وفي العشرة الثانية بدأ الغصن يميل، وبدأ رجال الأعمال يلتفوا حول السلطة، وقد لعبت سوزان مبارك زوجة الرئيس وابنه جمال دورا كبيرا في تدميره، وذلك أن زوجته كانت أكثر ميلا لطبقة رجال الأعمال، أحدهم كان سباك صحي وأصبح تاجر سيراميك، فرجل الأعمال في مصر لم يكن مثل رجل الأعمال الأوروبي الذي صنع الثورة الصناعية، وبمرور الوقت والوصول إلى العشر سنوات الأخيرة كان رجال الأعمال متحكمين في السلطة والثروة، وكان فسادهم قد قضى على مبارك نفسه قبل انطلاق الثورة.

* لكن أين دور النخبة المثقفة ومسئوليتها عن تردى الأوضاع خلال السنوات الماضية؟.

النخبة المثقفة فسدت، وكثير منهم هرولوا إلى لجنة السياسات بالحزب الوطني، هذه النخبة تتكون من الشرائح الرخوة في الطبقة المتوسطة، أو "البطن الرخوة" وهي أضعف ما في هذه الطبقة من الناحية الأخلاقية، ويمكن أن نميز بين ثلاث شرائح في الطبقة المتوسطة، شريحة دنيا قريبة من الطبقة الفقيرة، وشريحة عليا وشريحة في المنتصف، أبناء الشريحة الدنيا علمتهم المرحلة الناصرية، ولولاها لأصبحوا من عمال التراحيل، ورغم أن بعضهم وصل إلى قمة الطبقة المتوسطة، وأصبح من الرموز الثقافية والسياسية لكن القيم الأخلاقية عندهم بقيت ضعيفة ومتردية إلى أبعد حد.

يمكن أن نقول مثلا أن كمال الشاذلي كان النموذج الأبرز عن هذه المرحلة، بدأ حياته

مع المرحلة الناصرية يحمل حقيبة ويركب دراجة ويذهب إلى منزل نصر عبد الغفور عضو مجلس الشعب ثم يلتحق بالاتحاد الاشتراكي، ثم عاش المرحلة الساداتية وأصبح نجما في عصر مبارك، لقد كان رجلا لكل المراحل، ولهذا عندما توفى فإن جميع النخبة المثقفة اعتبرته مناضلا كبيرا، وأسقطوا عنه جميع الصفات الفاسدة، وتحول إلى بطل، بحيث أن كل واحد من هؤلاء كان يقرأ فيه نفسه. وهؤلاء قال فيهم محمد حسنين هيكل مقولة مهمة جدا "إن في مصر مثقفين على استعداد لسلخ بطون جلود أمهاتهم ليصنعوا منها طبولا يدقون عليها لأي سلطان".

الغريب حقا أن كثيرا من هؤلاء المثقفين الآن أصبحوا ثوريين يكتبون في جرائد "المصري اليوم"، و"الدستور" و"الشروق"، وبدوا وكأنهم أصحاب الثورة الحقيقيين. فالنخبة المثقفة نخبة فاسدة، والخطير أنها كانت تربي نخبة جديدة فاسدة أيضا عمرها بين 30 إلى 40 سنة وكانت طبقة واسعة تمتد بطول البلاد وعرضها في محاضن الحزب الوطني ولجنة السياسات وجمعية جيل المستقبل لكن الثورة قطعت عليها الطريق وأفسدت كل ترتيباتهم.

* هل هناك مخاوف على الثورة من هذه النخبة الفاسدة؟

رغم أن الحدث الثورى كالنهر الجارف يجرف أشياء كثيرة، لكني أخاف على الثورة من النخبة المثقفة، من العقل المثقف، فمثلا في قضية التعديلات الدستورية رأينا كل واحد منهم أصبح فقيها دستوريا، هذا اللغط من الممكن أن يبطل الحركة، لكني أستبعد الثورة المضادة، لأن الجيش يقف بجوار الثورة، وفلول الحزب الوطني والفلول الأمنية هي أضعف من أن تقود ثورة مضادة مستمرة، حتى المحليات فإنها ذنب بلا رأس وفي إمكان حركة تطهير وانتخابات تحت إشراف قضائي أن تنظف هذه المحليات من الفساد.

*ولكن هناك ثورة مطالب فئوية تفجرت بشكل تسبب في تعطيل دولاب العمل والانتاج في مؤسسات ومصانع كثيرة..كيف ترى تأثير هذه المطالب على الثورة؟ وهل هي من داخل الثورة أم من خارجها؟.

حقيقة هذه المطالب تشير إلى حالة من الأنانية الشديدة المتفشية في المجتمع المصري، وهي خيانة واضحة لأولئك الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم وروت دماؤهم أرض مصر، هؤلاء المطالبون بحقوقهم الآن لم نر أحدا منهم يطالب بحقه طيلة العقود الماضية وظل صامتا في مواجهة انتهاك حقوقه، وفجأة استيقظ بعد انتهاء الثورة ليطالب ويعتصم من أجل حقوقه. فالمطالب الفئوية من خارج الثورة وليست من داخلها أبدا، لأنه لم تظهر إلا في الأيام الأخيرة ولم نر أي لافتة فئوية خلال الـ18 يوما الأولى من عمر الثورة. لقد امتدت هذه المطالب الفئوية إلى داخل الجامعات، وأصبح كل من يطالب يريد أن يعين رئيس الجامعة، فهناك 25 جامعة بها ملايين الطلاب، وإصلاحها لن يحدث الآن، ولابد من إقرار النظام. كما أن بعض الفئات من الإسلاميين والذين لم يشاركوا في الثورة أصلا كالتيار السلفي أصبح يتحدث هو الآخر عن مطالب فئوية، ويهدد بالاعتصامات.

الحل برأيي أن يلعب الجيش دورا حاسما في مواجهتها، فالجيش يتصرف حتى الآن بشكل حضاري أكثر من اللازم، لا بد أن تضرب القوات المسلحة بيد من حديد على هذه الفئات الأنانية، لأن هناك حدثا ثوريا عظيما، والمجتمع مريض وفي أضعف حالاته، وهذه الفئات تضرب الثورة والمجتمع في مقتل.

* هناك تيار ليس بالقليل يسعى إلى الترويج لخطاب يشكك في دور القوات المسلحة وأنها لا تريد أن تترك السلطة، وهذا رغم كل الضمانات والبيانات التي صدرت عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟.

هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أنه لو كان الجيش يريد السلطة فإنه كان سيفعل، ففي عدة أيام قليلة كان يمكن أن يقوم بعملية اعتقالات موسعة في صفوف قيادات المظاهرات، وكانت البقية ستخاف وتصمت، كما أن الجيش لو كان يريد أن يجهض الثورة كان على الأقل حاول إجهاضها، لكن الجيش لم يرغب في هذا وانحاز لصف الشعب بنسبة مائة بالمائة، ويجب على الجميع أن يؤمنوا بهذا ويساعدوا الجيش في إفساد المكائد التي تدبر في الخفاء من قبل البعض والتي تريد أن تفشل مهمة الجيش في المرحلة الانتقالية من خلال محاولات خلق صدام بين الجيش والشعب. الثورة كالثوب الأبيض ناصعة البياض والجيش لم يلوثها، رسالتي للجميع لا نريد أن ندفع الجيش لأن يفقد صبره وقدرته على التحمل ويصطدم بالناس.

*هناك مسميات كثيرة لها البعض يسميها "ثورة الشباب" وثورة "الصبار"..تأسيا بثورة الياسمين في تونس.. ما رأيكم في ذلك؟.

أنا أطلق عليها "ثورة اللوتس"، لأن اللوتس زهرة مصرية الأصل، وتكتمل فيها كل المتناقضات، هي زهرة الحب، وهي رمز الانتصار في الحرب حيث كانت ترسم قديما على عربات الفراعنة. كما أنها، وهذا هو الأهم، تأخذ شكل خريطة مصر، المظلة المقلوبة، الدلتا فوق والساق في الأسفل، هذه هي الثورة.

وهي بالطبع ثورة بيضاء وحضارية وسلمية، كانت تحمل بداخلها كل المعاني الجميلة، وليست ثورة دموية، لأن عمليات القتل والدماء التي أريقت جاءت من خارجها، أبناء الثورة هم الذين قتلوا وقضوا نحبهم في الثورة، لكنهم لم يقتلوا، كما أن كل الثورات التي حدثت في تاريخ مصر كانت جزئية، لكن ثورة اللوتس في ميدان التحرير تجمعت فيها كل الفئات فهذا رسام يمارس هوايته في الميدان وهذا يلقى محاضرات سياسية وهذا يقدم مسرحا، وآخر يرسم على الأرض وهذا يتزوج في الميدان، وواحد يحتفل بعيد ميلاده أيضا في الميدان. وكأن الحياة بكاملها تنفض الغبار عن نفسها في ميدان التحرير.

كان في التحرير أيضا من جميع طبقات المجتمع، أبناء الطبقة العليا وأبناء العشوائيات، والفتيات السافرات والمحجبات، الشباب والشيوخ، الفلاحين واساتذة الجامعات، كل هؤلاء كانوا يعيشون ويأكلون ويشربون في البرد القارس في انتظار أن يرحل الرئيس. هي ثورة عظيمة وهذا كان أحد أوجه الإبهار للعالم فيها، لهذا لا نريد ثورة أخرى من المطالب الفئوية والنقدية لقطاعات من الموظفين بحيث لا يلطخوا هذا الثوب الأبيض الجميل الذي ارتدته الثورة.

*وما رأيك في أحداث الفتنة الطائفية التي اعترضت مسيرة الثورة وخلفت مشاكل بين المسلم والمسيحي؟.

هناك من يشعل النار في هذه الفتنة، مجتمع التحرير هو النموذج الأكثر تعبيرا عن المجتمع المصري، في أيام الجمعة كان يقام القداس المسيحي مع صلاة الغائب، والجيش مطالب بضرب كل نزعات التطرف هذه لأنها هي التي ستضرب الوطن في مقتل، وهذا هو مصدر الثورة المضادة .

ينبغي أن تتمتع الجماعة الإسلامية بقدر من الإيثارية مع المسيحيين حتى لو ارتكب المسيحي خطأ، لأنني الأخ الأكبر في المجتمع وعلى أن أتحمل، فالحفاظ على الكنيسة والمسجد على حد سواء، والذي هدم كنيسة "صول" في أطفيح يجب أن يطبق عليه حد الحرابة في الإسلام، لأنه يخرب في الأرض. إن من حرقوا الكنيسة في الحقيقة يحرقون روح الجماعة الوطنية، والإعدام ينبغي أن يكون الحكم المنتظر لمحاسبتهم.

* كيف تنظر إلى ظهور التيار الديني إلى سطح الأحداث بعد الثورة في حين أن كثيرين منهم اختفوا أثناءها بل إن بعضهم عارضها واتخذ موقفا سلبيا منها؟

التيار الديني وعلى رأسه الإخوان المسلمين ورغم أنه لم يظهر في الأيام الأولى للثورة إلا أنه ركب الثورة في آخر أيامها، لأنه التحق بها متأخرا، ولا بأس في ذلك، لكن يجب عليه ألا يفسد الثورة، بمعني أن لكم أيها الإسلاميون أن تستفيدوا من الحرية مثل غيركم من أبناء المجتمع، لكن لا ترجعوا بنا إلى الجاهلية، ودوركم أن تعيدوا قراءة الدين بما يلائم الحياة المتجددة. وأن تعيدوا إحياء القيم الدينية للأمة، وهو دور أخلاقي عظيم لو أنهم أتقنوه.

وأنا منزعج من بعض المشايخ الذين يدخلون إلى السياسة من بوابة الدين، ينبغي فصل الدين عن السياسة تماما، لقد رأينا كيف أنه وبمجرد أن انتهت أيام التحرير وسقط النظام أشعلوا البلد بالحديث عن المادة الثانية للدستور خاصة التيار السلفي، وهذا ما تسبب في إشعال المجال الديني وأطلق العنان للمطالب الفئوية، كما أنه كانت هناك تجاوزات كثيرة أثناء عملية الاستفتاء من قبل التيار الإسلامي.

أهم الاخبار