رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قرى تقتل شبابها باليورو

ملفات محلية

السبت, 01 سبتمبر 2012 21:49
قرى تقتل شبابها باليوروهجرة غير شرعية

«الهروب من الذل إلي الموت».. شعار رفعته أكثر من 20 قرية في مصر.. بعضها الآن يتحدث عبري وبعضها يتحدث إيطالي وبعضها يتقن الفرنسية وبعضها يتحدث الإنجليزية كما تتحدثها ملكة بريطانيا.

هذه القري جميعها دفعت شبابها وفلذات أكبادها إلي البحر أملاً في الهروب من ذل الفقر في مصر إلي جنة الغني في أوروبا.
موجات متتابعة من الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا بلغت حصيلتها حتي الآن 841 ألف شاب مصري نصفهم مات غرقاً في البحر المتوسط والباقي إما ألقي القبض عليه وعاد إلي مصر مذلولاً مدحوراً.. أو مازال في سجون أوروبا، والقليل منهم وضع قدمه في بلاد اليورو وفي خلال فترة قصيرة عاد محملاً بأموال بلا آخر.
ولأن الفقر والفساد والبطالة تحتل مصر منذ سنوات طويلة، توالت موجات الهجرة ويتوالي الموت غرقاً من أجل اليورو.

الفقر والفساد والبطالة.. ثالوث الهروب من مصر

أرجع د. ماهر الضبع - أستاذ علم الاجتماع بآداب المنوفية - السبب في تزايد هذه الظاهرة الخطيرة خلال السنوات العشر الأخيرة إلي فشل الحكومات المتعاقبة والنظام البائد الفاسد الذي تفرغ لسرقة المال العام علي حساب الشباب والشعب المصري الفقير، خاصة مع تزايد أعداد الخريجين، وعدم وجود استثمارات جديدة وبيع القطاع العام ومسلسل السلب والنهب المنظم الذي كان يرتكبه النظام السابق ورموزه، ومازال مستمراً حتي الآن، ولا عجب في اندفاع هؤلاء الشباب نحو الموت والانتحار لأن الحياة لديهم أصبحت تتساوي مع الموت، فلا فرق خاصة مع تردي الأحوال الاقتصادية والمادية والاجتماعية في مصر عامة وبعض المحافظات الفقيرة خاصة - مثل المنوفية - التي تعد من أفقر محافظات مصر ويهاجر عشرات الآلاف من أبنائها إلي إيطاليا وفرنسا بصفة خاصة، وإلي أوروبا عامة هرباً من الفقر وبحثاً عن الحياة الكريمة والآدمية بالخارج.
أشار حمدي عبدالعظيم النجار - رئيس الجمعية العامة لحقوق الإنسان ورئيس فرع منظمة حقوق الإنسان بالمنوفية - إلي تنامي وتزايد هذه الظاهرة الخطيرة في مصر عامة والمنوفية خاصة بسبب البطالة والفقر والمعاناة النفسية والاجتماعية وفقد الانتماء والولاء للوطن بسبب سياسة النظام السابق والحكومات المتعاقبة التي أفقرت الشعب والدولة ونهبت الثروات وأشاعت الفساد ولا حل سوي بالديمقراطية والعدل والمساواة والحرية.

رشيد.. من هنا بدأ الهروب

البحيرة - نصر اللقاني:

حتي سنوات قليلة مضت كانت رشيد هي بلد التاريخ والسحر والجمال بعد أن حباها الله بموقع جغرافي فريد حيث تحتضن مياه النيل البحر المتوسط بعد أن قطعت رحلة آلاف الكيلو مترات لكن تحول المكان الساحر إلي بؤرة للهجرة غير الشرعية إلي دول أوروبا لعشرات الآلاف من الشباب من مختلف المحافظات، خاصة الوجه البحري لتحقيق حلمهم بالسفر إلي الخارج بعد أن قاموا ببيع ما يمتلكون واستدانوا من الأقارب والجيران علي أمل إيجاد فرصة عمل مقابل أجور مغرية دون أن يعلموا أنهم ذاهبون إلي الموت غرقاً في مياه البحر المتوسط وتكون أجسادهم وجبات شهية للأسماك.
انتقلت «الوفد» إلي مدينة رشيد ومنها إلي قرية البرج الغربي التي تبعد عن رشيد بحوالي خمسة كيلو مترات، وصلنا إليها عبر طريق ضيق ومتعرج وتنتشر من حوله مصانع وورش صناعة وصيانة المراكب، وكذلك صناعة الأقفاص من جريد النخيل.
وتحول شاطي القرية إلي أماكن لمئات المراكب التي تنتظر دورها في الانطلاق برحلات الهجرة غير الشرعية، وأمام القرية من الجهة المقابلة قرية برج مغيزل أشهر قري الجمهورية في تسفير الشباب إلي الدول الأوروبية.. وحاولنا مراراً الحديث إلي أهالي القرية لكنهم رفضوا الكلام، مؤكدين أنهم لا يعلمون شيئاً عما يسمي بالهجرة غير الشرعية.
وبدون خوف تحدث محمد نافع - من أبناء مدينة رشيد - قائلاً: أصبحت الهجرة غير الشرعية واقعاً مخيفاً يحصد أرواح الأبرياء من أبنائنا الذين يحلمون بمستقبل باهر من خلال السفر للخارج.. ويضيف قائلاً: أمتلك أنا وأشقائي مركب صيد وأعطيناه إلي أحد كبار الصيادين الذي تلاعب بنا وادعي أنه خارج في رحلة صيد مع طاقم المركب، وبعد أسبوع من الرحلة علمنا أنه تم القبض عليه من خلال السلطات اليونانية بعد ضبط المركب وعلي متنها 104 شباب حاولوا دخول اليونان بطريقة غير شرعية وكانت الصدمة الكبري العثور علي أسلحة نارية وسبائك ذهبية داخل المركب والذي أراد ريسها دخولها اليونان وقضت إحدي المحاكم اليونانية بسجنه 10 سنوات، وبذلت وزارة الداخلية جهوداً جبارة حتي تمكنت من إعاده المركب إلي مصر بعد تأكيد التحريات أنه ليس لنا علاقة بهذه الواقعة، وأن ريس المركب تلاعب بنا وحتي الآن لاتزال المركب متعطلة رغم مرور ثلاث سنوات علي هذه الواقعة.
ويقول أحد الصيادين، رفض ذكر اسمه: منذ 8 سنوات كانت جميع مراكب الصيد في رشيد لا يتعدي عددها 20 مركباً وفجأة تضاعف عدد المراكب بشكل كبير حتي وصل الآن إلي ما يقرب من الـ 4 آلاف مركب هجرة معظمها لأعمال الصيد وتفرغوا للهجرة غير الشرعية، حيث تتعدي أرباح الرحلة الواحدة الـ 2 مليون جنيه بما يعني ضعف ثمن المركب وهو ما يؤكد أنه إذا تم ضبط المركب ومصادرتها فإن صاحبه لا يخسر شيئاً لأنه كسب ضعف ثمنها وإذا مرت الرحلة بسلام فإن المكاسب تكون أضعافاً مضاعفة.
ويقول محمد سلامة، صياد: شاهدت أكثر من مرة الصراع بين أصحاب المراكب ورؤسائها لإقامة علاقات مع السماسرة، الذين ينتشرون في مختلف المحافظات، خاصة محافظات الوجه البحري للفوز بأكبر عدد من الشباب الراغبين في الهجرة، الذين يقومون بسداد مبالغ كبيرة تبدأ من 30 ألف جنيه حتي 40 ألفاً، ويشير إلي أن قيمة الصفقة يتم تقسيمها علي كل من صاحب المركب وريسها والسماسرة، كل منهم يحصل علي جزء حسب الاتفاق المسبق.
ويتذكر محمد أبوهاشم - عضو الوفد برشيد - أحد المواقف التي تؤكد قيام عصابات هجرة الشباب بعمليات نصب، حيث فوجئنا منذ فترة قليلة بأكثر من مائة شاب داخل مياه نهر النيل أمام تل أبومندور في الصباح الباكر وعندما خرجوا اعتقدوا أننا أجانب إيطاليين وعندما اقتربنا منهم وأقنعناهم أنهم في مدينة رشيد أصابتهم المفاجأة، وأكدوا أنهم تعرضوا لعملية نصب من شخص لا يعرفون عنه شيئاً سوي أن اسمه «محمد» وهو سمسار حصل من كل منهم علي 35 ألف جنيه مقابل تسفيرهم إلي إيطاليا واستقلوا مركب صيد من بوغاز رشيد وظلت المركب تدور بهم لمدة ثلاثة أيام، وفي الليلة الأخيرة أبلغهم ريس المركب أنهم اقتربوا من شواطئ إيطاليا وعليهم القفز والسباحة حتي الشاطئ خوفاً من قوات حرس الحدود الإيطالية، وبالفعل ألقوا بأنفسهم داخل المياه حتي خرجوا إلي الشاطئ وهم معتقدون بأنهم وصلوا إلي إيطاليا حتي كانت المفاجأة أنهم مازالوا بداخل مدينة رشيد.
ويقول صابر سعد، صياد: إن القائمين علي تسفير الشباب إلي أوروبا يتكونون من ثلاثة وهم: صاحب المركب وريس المركب والسماسرة، ويحرص صاحب المركب وريسها علي ألا يظهروا تماماً أمام الشباب الراغب في السفر، بينما يتولي السماسرة جذب الشباب وإقناعهم بالسفر إلي أوروبا، ويعتمد السماسرة علي أن يطلقوا علي أنفسهم أسماء وهمية وكل ما يربطهم بالشباب هو رقم التليفون الذي يتم إتلافه عقب بدء الرحلة، ويقوم السماسرة بالاتفاق مع الشباب علي قيمة السفر، الذي يتم سداده بالكامل قبل الهجرة، ويتم الاتفاق علي مكان التجمع في أحد المنازل القريبة من بوغاز رشيد، وتخرج المركب من البوغاز بطريقه قانونية بعد تفتيشها والتأكد أنها لا تحمل سوي طاقم العمل فقط وتدخل المركب إلي البحر وتتوقف علي بعد كيلو متر واحد ويتم نقل الشباب الراغب في الهجرة علي قوارب صغيرة ليلاً إلي المركب التي تنقلهم إلي أوروبا.
ويصرخ سالم الصافي - صياد - قائلاً: إن مراكب الصيد لا تقتصر مهامها علي تسفير الشباب فقط، بل اتجه العديد من أصحاب المراكب إلي القيام ببيع كميات كبيرة من السولار إلي مراكب الدول الأخري بالدولار حسب اتفاقات سابقة، وتعود المركب مرة أخري إلي رشيد بحجة ظهور أعطال بها وتتم الدورة مرة أخري بتعبئتها بكميات كبيرة من السولار وبيعها.

الغربية:
ميت بدر حلاوة .. أشهر قري الهجرة وشبابها أكبر جالية بفرنسا!

كتب – عاطف دعبس :
تتصدر الغربية محافظات الجمهورية التى يقبل شبابها على الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر والبر وبها أكبر قرية لها جالية كبيرة فى فرنسا وهى قرية ميت بدر حلاوة التابعة لمركز سمنود!! حيث لا يوجد منزل بالقرية إلا وله مندوب فى فرنسا!
الغربية تضم 8 مدن و4 أحياء و53 وحدة محلية قروية تضم 317 قرية بخلاف التوابع وكل هذه القرى لها نصيب فى الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر بواسطة سماسرة يحصلون على شيكات وإيصالات امانة من الشاب المهاجر بضمان عائلته بآلاف الجنيهات وتتراوح تكلفة الشاب المهاجر لفرنسا مثلا 30 ألف جنيه يدفع النصف مقدما ويتم تحصيل الباقى بعد الوصول بسلامة الله!
وفى كل حادث لسفينة غارقة او قارب تم ضبطه فى عرض البحر سواء فى نطاق الجمهورية على حدود الاسكندرية او مرسى مطروح أو كفر الشيخ أو خارج الحدود بساحل البحر الأبيض بساحل ليبيا واليونان وتركيا وإيطاليا يوجد شاب من قرى الغربية دفع كل ما يملك لاحد سماسرة الهجرة غير الشرعية مقابل تهريبه فى قارب لا يستطيع حتى الصيد فى عرض البحر!
وتجربة الهجرة غير الشرعية لها مذاق خاص رغم الخطر الرهيب الذي يصاحب المغامرة ولكن الشاب الذى أغلقت جميع الابواب فى وجهه بعد حصوله على المؤهل العالى أو المتوسط ودخل فى طابور العاطلين فى الوقت الذى يجد فيه نموذجا ناجحا لابن قريته الذى سافر عبر البحر واستطاع بعد فترة قصيرة تحقيق أحلامه والنهوض اقتصاديا بعائلته مثل هذا الشاب يصعب إقناعه بخطورة الهجرة عن طريق البحر وبقارب صغير لا يمكنه مقاومة الأمواج ويكون مستعدا لبيع كل ما يملك فى سبيل تحقيق حلمه بالسفر لفرنسا أو إيطاليا.
وفى الغربية سجل كامل بقرى لها جاليات قوية من شبابها الناجح فى الخارج ومنها ميت بدر حلاوة التابعة لمركز سمنود الذى يزور هذه القرية لا يصدق أنها فى الريف نظرا للتحول الكبير فى طراز المبانى التى تحولت إلى عمارات شاهقة وفيلات بحدائق غناء ونموذج لفيلات فرنسا! وتسأل عن الشباب من سن 20 وحتى 40 سنة فتجده فى فرنسا أو فى طريقه لفرنسا!! وكبير العائلة ينتظر التحويلات لشراء الأراضى وبناء الفيلا أو العمارة وفق المتفق عليه وملابس وأدوية الكبار كلها تأتى من فرنسا حتى المسافر للخارج بهدف العلاج يقوم أولا بزيارة القرية ليأخذ عنوان احد الشباب الذى يكون فى استقباله ومتابعته ورعايته حتى يعود!!
ولا توجد قرية فى المحافظة لا يوجد بها اكثر من شاب فى الخارج ومعظمهم سافر عن طريق البحر وبطريقة غير مشروعة ومن القرى المشهورة ميت عساس وشبراملس والراهبين وسنباط وسندبسط وصناديد ونهطاى وشبراقاص وكفر كلا الباب وزفتى ومن أشهر المدن التى لها رصيد من الشباب فى الخارج سمنود وزفتى وطنطا والمحلة وبسيون.
وأكد عدد من آباء الشباب المهاجر بأنهم فشلوا فى إقناع اولادهم بعدم السفر نظرا للبطالة المتوحشة ورغبة الشباب فى تحقيق أحلامه بالزواج والاستقرار والنجاح لدرجة أن بعض الشباب الذى نجا من الموت بأعجوبة فى عرض البحر على سواحل الإسكندرية ومرسى مطروح وكفر الشيخ ودمياط بعد غرق قواربهم فى حوادث مشهورة عادوا جميعا ولم يتخلف منهم احد للهجرة مرة أخرى وبنفس الطريقة، ورغم نجاح مباحث الأموال العامة فى الغربية فى مواجهة مافيا سماسرة الهجرة غير الشرعية إلا أن العصابات تعود بشكل أقوى مع رغبة الشباب فى السفر وعدم الابلاغ عن السماسرة إلا بعد وقوع كوارث غرق أو نصب.
وقال محمد من إحدى قرى مركز زفتى بأنه عاد بسلامة الله بعد غرق مركبه والقى القبض عليه فى إيران وعاد بواسطة السفارة ولكنه اكد أنه سيعود مرة أخرى للسفر وبنفس الطريقة لأن الخيار صعب،ويقول أفضل الموت وأنا أسعى فى سبيل تحقيق حلمي وتوفير الحياة الكريمة لزوجتي وأولادي على أن

يجلس بجانبهم وهو عاجز عن الانفاق عليهم!!
وقال عادل -  18 سنة، حاصل على دبلوم تجارة والعائد توا من تجربة فاشلة للسفر إلى فرنسا ليلحق بوالده بأنه سيحاول مرة أخرى لأنه لا سبيل له غير ذلك ليكون رجلا قادرا على تحقيق أمله فى حياة كريمة بعد ان تحولت مصر إلى شبح من البطالة وخيبة الأمل!
وقال احمد عادل وسمير السيد وعماد حسين ومحمد الزيات - جميعهم من حملة المؤهلات العليا - إنهم يبحثون عن فرصة للسفر للخارج عن طريق الهجرة غير الشرعية ويقومون الآن بتدبير نفقات الهجرة والبحث عن مكتب تسفير موثوق به بدلا من سماسرة القرى الذين يجبرون الشباب على التوقيع على شيكات وإيصالات أمانة مقابل السفر بواسطة المراكب أو بالبر عن طريق ليبيا.
وقال محمد فتحى وحسين عبده ونادر الجوهرى: صحيح إن السفر بواسطة البحر غير مأمون العواقب ولكن فرصة النجاح والوصول إلى فرنسا أو إيطاليا تمثل 50% وهى نسبة مقبولة يقابلها البقاء فى مصر بنسبة بطالة وخيبة أمل بنسبة 100%.

المنوفية:
7 قرى تخاطر بشبابها من أجل اليورو

المنوفية - عبدالمنعم حجازى - يحيى رشاد:
الموت أفضل من حياة الفقر والذل.. ذات العبارة رددها الكثير من الشباب الذين يلجأوا للهجرة غير الشرعية إلى دول أوروبا عبر البحار.. ولهذا يهاجرون رغم علمهم بأن الموت ينتظرهم فى عرض البحر!
قصص وروايات المهاجرين مليئة بالإثارة والألم والحزن احتل فيها شباب المنوفية المرتبة الأولى عبر الهروب إلى بلاد اليورو فى رحلات لا يفصل فيها اليأس مع الرجاء، والحياة مع الموت.
ولأن محافظة المنوفية طاردة لأبنائها، خاصة الشباب فقد اشتهرت بعض قرى المحافظة بالسفر إلى إيطاليا خاصة وإلى أوروبا عامة، وفيها قرى «البتانون» وميت خامان ومنشأة نجاتى وكفر منشأة بشبين الكوم وكفر الشيخ ربيع وزنارة بتلا وعزبة قاسم بالشهداء ولقى العشرات من أبناء تلك القرى مصرعهم غرقاً فى غيابات البحر المتوسط فى رحلة الهروب إلى إيطاليا عبر ليبيا عن طريق مراكب شراعية صغيرة لا تتجاوز حمولتها 25 فرداً يتم فيها شحن المئات بعد ماراثون من دفع آلاف الجنيهات للسماسرة وتجار الموت الذين يحصلون على حوالى 50 ألف جنيه مصرى من كل شاب، بعضهم يبيع كل ما تملكه أسرته لكى يوفر هذا المبلغ وبعضهم يحصل على قروض من البنوك وبعضهم يوقع شيكات على بياض بقيمة المبلغ.
يفعلون كل ذلك دون أن يعلموا أن الموت المحقق فى انتظارهم جميعاً.
وحكايات الموت الذى يخطف أرواح هؤلاء الشباب بلا آخر.. أكثر إيلاماً، غرق صبحى حسن محروس من قرية منشأة نجاتى عام 2005 مع 8 آخرين من زملائه فى رحلتهم المشئومة إلى إيطاليا عبر قارب مطاطي.. كذلك غرق واختفاء 24 شاباً من قرية زنارة بتلا عام 2002 أثناء محاولة التسلل إلى إيطاليا عن طريق ليبيا وماطلة عبر مركب صغير بطريقة «غير شرعية»
تبدأ عمليات الانتحار هذه باندفاع الشباب نحو مكاتب وشركات وهمية تطلب الآلاف من قبل أحد الأشخاص السماسرة والتى يدعى قدرته على تهريبهم إلى إيطاليا عن طريق ليبيا أو مالطة عبر منافذ برية وبحرية بأتوبيسات ولنشات بحرية داخل قارب متهالك والذى سرعان ما تحدث به أعطال فى عرض البحر تدفع بالكثير منهم إلى الغرق ولا ينجو سوى من يكتب له الله الحياة ويسبح عبر الأمواج المتلاطمة إلى السواحل الإيطالية وهناك يتم القبض عليهم وترحيلهم ثانية إلى بلادهم داخل سيارات غير آدمية يحشرون فيها ليواجهوا الموت ثانية لمن نجا ليموت خنقاً أو حشراً داخل هذه السيارات التى تتحول إلى مسرح من الإهانات والغرب والاستجوابات من رجال الشرطة.. فالعذاب فى انتظارهم بالبر والبحر.. هذا إذا نجا أحد منهم.
ويروى محمد جمال الدين - أحد الناجين من هذه المغامرات - حكايته مع الموت فقال: تخرجت فى كلية العلوم بتقدير عام جيد جداً ولم أجد لى حتى الآن فرصة عمل، لذا فكرت فى السفر والهجرة إلى إيطاليا وبعد دفع 40 ألف جنيه للسمسار والتوقيع على شيكات على بياض بالباقى لضمان سداد 10 آلاف جنيه أخرى وصلنا إلى ليبيا تم حشرنا فى قارب صغير إلى إيطاليا ولكن رجعنا بسبب عطل فى القارب وتم القبض علينا ورجعت إلى مصر بعد رحلة عذاب فى أقسام الشرطة والإهانة والضرب حتى أقلعت تماماً عن هذه الفكرة وسلمت أمرى لله هنا فى مصر لأعمل فى أى شيء بدلاً من المجهول والموت فى أعماق المحيط.
وأضاف أيمن أبو عامر مصرى ومقيم فى إيطاليا أن حال الشباب الذى يهاجر إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية سيئ جداً ومهين لأنهم يطلبون حق اللجوء السياسى ويخفون جوازات سفرهم فى أوراقهم مع بعض أقاربهم يرسلها إليهم بالبريد السريع لحين الالتقاء بهم، كما يقوم الشباب المهاجر بالعمل فى المهن الوضيعة وبعضهم تتلقفهم ألمانيا ليسهل معها فى تجارة السلاح والمخدرات ونقل الحقائب من مكان لآخر ومن يخالف الأوامر يتم التخلص منه وقتله فوراً ويحدث كل هذا بسبب سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والبطالة والفقر.

الفيوم:
«تطون».. زعيمة الهجرة غير الشرعية

الفيوم - سيد الشورة:

فجر حادث المركب المنكوبة وغرقها بالشبان المصريين المهاجرين إلي إيطاليا قضية هجرة الشباب المصري وتركه لوطنه من أجل البحث عن فرصة عمل, وجدد الحادث الأحزان في محافظة الفيوم، وانضمت قرية «نجاتي» بمركز طامية إلي أخواتها من القري الفيومية التي فقدت أبناءها أثناء محاولة السفر عبر البحر المتوسط إلي إيطاليا ولن يكون حسن عبدالله إسماعيل آخر الضحايا، بالإضافة إلي ما تردد عن مصرع كل من بسام السيد فاضل ومحمد إسماعيل مهنا.
ففي ظل ظروف اقتصادية صعبة وبطالة تفتك بشباب الفيوم أصبح تملك اليورو والدولار حلماً يداعب خيال شباب المحافظة, يتركون من أجله الوطن والأهل ويرحلون إلي المجهول في رحلات هي الخطر بعينه، الذي يحدق بهم من كل جانب، أمواج وظلمات البحر المتوسط والسلطات الإيطالية والأوروبية وسمسار لا يرحم وقائد مركب بلا قلب.
ورغم ما يلاقيه الشباب في رحلة المجهول عبر البحر المتوسط دون أي ضمانات يتحللون فيها من جميع الأوراق التي تدل علي هويتهم المصرية فيتخلصون من البطاقات الشخصية وما معهم من أوراق، بل يصل الأمر إلي تمزيق «تكيت» الملابس التي يرتدونها الذي يحمل عبارة «صنع في مصر» وكلهم أمل في حالة الوصول إلي الأراضي الإيطالية أن تقبلهم السلطات هناك كلاجئين من فلسطين أو العراق، ومؤخراً سوريا بعد الادعاء بأنهم من أبناء هذه البلاد، وفي سبيل ذلك يقومون بتغيير لهجتهم المصرية، إلا أن السلطات غالباً ما تستعين بأفراد من سفارات هذه الدول فيكشفون أمرهم ويتم ترحيلهم علي الفور من حيث أتوا.
ورغم ما يشاهدون من أهوال ومخاطر ويعلمون من تعرض المسافرين للموت والغرق وسط أمواج البحر المتلاطمة.. ورغم هذه الأهوال فإن «تطون» تتزعم القري المصرية في الهجرة إلي إيطاليا وقدمت من أبنائها «قرباناً» يقترب من 150 شاباً من شبابها من بينهم 20 شاباً في حادث واحد منذ عدة سنوات لقوا حتفهم في غياهب أمواج البحر المتوسط ولم يثنهم ذلك عن التوجة إلي إيطاليا من خلال الرحلة المعتادة التي يحفظها شباب «تطون» عن ظهر قلب.
أحد الآباء أرسل ولده الأول إلي إيطاليا، وعندما غرق في الرحلة كان السمسار رحيماً به فأعاد إليه المبلغ الذي أخذه منه، إلا أن الأب رفض استلام النقود وطلب منه سفر ولده الثاني، فلقي هو الآخر نفس مصير شقيقه غرقاً، وللمرة الثانية حاول السمسار رد المبلغ إلا أن الأب رفض ورجاه أن يسافر الابن الثالث الذي كان عمره لا يزيد علي 15 عاماً، وفي هذه المرة الثالثة نجح الابن في الوصول إلي إيطاليا ومن مفارقات القدر أن الأب لقي ربه بعد وصول ابنه الثالث لإيطاليا بعدة أشهر.
هذه القصة تكشف لنا عن «هوس» الهجرة إلي إيطاليا والغيرة القاتلة التي استشرت بين أهل «تطون» وامتدت إلي القري المجاورة وعلي رأسها قرية شدموه التي تأججت الغيرة لديهم وهم يشاهدون أبناء تطون يمرون من أمام قريتهم في ذهابهم وإيابهم يركبون السيارات الفارهة ويقيمون في العمارات الشاهقة ويمتلكون القصور والأراضي الشاسعة.
وقرية «تطون» تتبع مركز إطسا وتقع جنوب مدينة الفيوم بمسافة 25 كيلو متر ويقطنها قرابة 50 ألف نسمة وترتفع بها نسبة التعليم وبها ما يقرب من 7 آلاف شاب يعملون في إيطاليا، ووصل الأمر إلي أن بعض الشباب في القرية يؤكدون أن في ميلانو في إيطاليا شارع يحمل اسم أبناء تطون، وبالمثل فإن القرية أطلقت أسماء إيطالية علي محالها التجارية وعندما تدخل إلي القرية تجد محلاً يحمل اسم «دريم روما» وآخر «عصير ميلانو» وثالث «جوهرة إيطاليا» و«ميلانو كلين» وغيرها وعندما تصل إلي «تطون» تجدها خلعت ثوبها الريفي وارتدت ثوباً آخر فأصبحت تتميز بمبانيها الفاخرة وعماراتها الشاهقة وقصورها وتغير نمط القرية تماماً، فأصبحت بها محلات للذهب وأخري للصرافة وتغيرت الأنماط الاجتماعية والاقتصادية وارتفعت أسعار الأراضي في تطون وما حولها من قري بل وصل ارتفاع الأسعار إلي مدينة الفيوم بالنسبة للشقق والأراضي، بعد أن اتجه الكثير من أبنائها إلي تملك الشقق في مدينة الفيوم ونقل أبنائهم للمدارس الخاصة وترك المدارس الحكومية في القرية.. ووصل الأمر إلي أن البعض يشير إلي أن التعاملات المالية في تطون تتم باليورو.. بل وصل البذخ إلي أن أحد المواطنين في القرية أقام منزلاً من أربعة طوابق وقام بتجهيزه بـ «أسانسير»، كما خصص للمنزل محولاً كهربائياً دفع ثمنه لشركة الكهرباء والجميع في «تطون» لا يشغل بالهم إلا باليورو وركوب السيارات الفارهة وإقامة حفلات الزواج بالفنادق والكازينوهات.
وعلي النقيض فإن هناك القليلين من أبناء تطون لا يستهويهم السفر ويعانون الأمرين من ارتفاع الاسعار حتي إنهم يشكون من أنهم أثناء تواجدهم في الفيوم لشراء أي شيء، وما إن يعلم البائع أننا من تطون إلا ويبيع لنا بأعلي الأسعار، وضرب أحدهم مثلاً بأن سائق تاكسي طلب منه مائة جنيه لتوصيله من مدينة الفيوم إلي القرية، في حين أنها لا تزيد علي 25 جنيهاً، بل أن الصنايعية يضاعفون أجورهم عندما يتوجهون للعمل في القرية.
ومن الطرائف الخاصة بالتعامل باليورو في القرية أن أقارب طفل من أبناء قرية «تطون» قاموا بخطفه العام الماضي أثناء ركوبه «الباص» الخاص بمدرسة خاصة في مدينة الفيوم من أمام شقة والده وأجروا اتصالاً بوالده في إيطاليا وطلبوا منه فدية نصف مليون يورو، وظلت المساومات مستمرة حتي

تم تخفيض الفدية إلي 40 ألف جنيه، وألقت أجهزة الأمن القبض عليهم عقب تحرير الطفل وتبين انهم أقاربه.

رحلة المخاطر والموت
الرحلة إلي إيطاليا تبدأ دائماً من ليبيا بعد الاتفاق مع أحد السماسرة مقابل 30 أو 40 ألف جنيه، وفي ليبيا يتم تجميع الشباب او بمعني أدق «تخزينهم» في مكان أو «حوش» يطلق عليه بالفعل «المخزن» وهو يشبه أسطبل الخيل.. كما ذكر لنا الكثير من شباب تطون.. وأضاف أحدهم: أننا نمكث في «المخزن» أياماً قد تطول وتصل في بعض المرات لشهور في ظل معاملة غير آدمية حتي يتم الاتفاق مع أصحاب المراكب التي يطلق عليها «الجرافة» التي تنقلهم إلي إيطاليا وهي غالباً مراكب صيد ويتم سحب الأوراق الشخصية، وخلال الرحلة يتم توزيع وجبة عبارة عن رغيف وزجاجة مياه في أول يوم للسفر، وتستغرق الرحلة إلي شواطئ اليونان أو جزيرة مالطا حوالي  36 ساعة في حالة استقرار الأحوال الجوية وقد تزيد إذا كان الأمر عكس ذلك، وقد تغرق المركب بمن فيها من المصريين، والمشكلة أن بعض قائدي المراكب من ضعاف النفوس عندما يواجهون السلطات الليبية أو الإيطالية في عرض البحر لا يجدون غضاضة في التخلص من الركاب بإغراق المركب بمن فيه حتي يتخلص من المسئولية، ومن ينجح في الوصول إلي الشواطئ الإيطالية بعد أن تلقيهم المراكب قبل الشاطئ بمسافة قد تصل لعدة كيلو مترات يواجه خطر القبض عليه من السلطات الإيطالية، وبالطبع هناك الكل يدعي أنه فلسطيني أو عراقي ومؤخراً سوري لأن فيها حروباً ويعتبرون أبناء هذه البلاد كلاجئين ومنهم من يتم إعادته إلي مصر وهو الذي يفشل في «حبك» الدور بأنه ليس مصرياً.
ويشير عادل عبدالفتاح - من أبناء مركز إطسا - إلي أن الكثير ممن يفشل في الرحلة يكررها مرات أخري حتي يصل إلي هدفه، وهو الوصول إلي إيطاليا أو يلقي مصرعه غرقاً في الطريق، وبهذا السيناريو المرعب فإن‏ 90%‏ من شباب قرية تطون سافر إلي إيطاليا‏,‏ وهم يقولون «أنا إيه اللي رماني علي المر إلا اللي أمر منه» و«إحنا لاقيين شغل هنا في مصر وسافرنا؟».
والغريب أنه رغم مشاهد الموت إلا أنه عقب دفن الموتي الذين يصلون في صناديق تجد البعض ما إن ينتهي من دفن الموتي حتي يحزم حقائبه استعداداً لركوب الخطر والسفر إلي إيطاليا عبر البحر المتوسط.

تطون والسفر لإيطاليا
يقول عادل فرحات، من أبناء قرية تطون: إن شباب القرية بدأوا في السفر إلي إيطاليا في نهاية السبعينيات، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش في القرية وبعد أن تدهورت الأحوال في دولة العراق، وكانت رسوم التأشيرة وقتها جنيهين فقط وصلت إلي ألف دولار عام 1990 وبعد إلغاء التأشيرات أصبح السفر إلي إيطاليا عن طريق ليبيا، وفي بعض الفترات عن طريق الإسكندرية، ويتم تجميع الشباب ثم نقلهم إلي مراكب تقلهم إلي مالطا أو ألبانيا ثم يركبون لنشات إلي السواحل الإيطالية، وهناك يقذفون في البحر قبل الشاطئ بعدة كيلو مترات ثم يسبحون في المياه حتي يصلوا إلي الشاطئ.

الدقهلية:
«نوسا» تتكلم عبري.. و«ميت الكرما» و«بساط» إيطالي

الدقهلية - محمد طاهر:

في الدقهلية بدأت الهجرة غير الشرعية بشباب قرية نوسا الغيط التابعة لمركز أجا، وكانت وجهتهم إلي إسرائيل وتلاهم شباب قرية ميت الكرما الذين فضلوا السفر إلي إيطاليا، وتوالت الهجرة بقري الدقهلية، خاصة قري ميت ناجي ودنديط والمعصرة التابعة لمركز ميت غمر وقري ميت خميس وويش الحجر وقرية بدين وتلبانة التابعة لمركز المنصورة وبساط كريم الدين التابعة لمركز شربين وكفور العرب وكفر دميرة القديم بمركز طلخا بمحافظة الدقهلية.
وكل هذه القري فقدت المئات من شبابها بسبب الهجرة إلي المجهول.. قرية ميت ناجي التابعة لمركز ميت غمر فقدت وحدها 36 شاباً منهم: ياسر محمود عبدالله وأحمد محمود عبدالله وأحمد عطية الشحات وعبدالحميد أمين سالم ومحمود سليمان الجوهري ورضا إسماعيل عبدالله ونبيل أحمد عباس وأشرف محمد عباس ويوسف عثمان يوسف وأحمد حنفي محيي ومتولي العزب عبدالعال ومحمود جلال حامد وتامر محيي محمد محيي وعبده عمر السباعي وماهر علي الشناوي وياسر عويس البرعي وأحمد السعيد محيي ورضا الشحات الدسوقي وجمال ناصر توفيق وصابر محمد عثمان وأحمد فتحي شعبان وأحمد محمد أنور ومحمود علي محمود.
محمود الغريب عمار - أحد الذين خاضوا تجربة الهجرة غير الشرعية - قال: مع بداية عام 2002 وبعد أن ضاق الحال بي هنا قررت أن أسافر إلي إيطاليا عن طريق ليبيا، وسافرت مع آخرين وركبنا القوارب من أحد شواطئ ليبيا وكانت رعاية الله معنا فوصلنا بسلامة الله إلي سواحل إيطاليا ولكننا فوجئنا بالشرطة الإيطالية تلقي القبض علينا وتحتجزنا في جزيرة تدعي «لامبتوزا» وهي جزيرة مخصصة لاحتجاز كل من يحاول الاقتراب.
وقرية دنديط بميت غمر فقدت شابين وهما: وائل الشرقاوي وجودة سلامة.. أما قرية المعصرة بمركز ميت غمر فقدت أحمد السيد إبراهيم العزب.
والد علاء السيد عوض - من أهالي قرية ميت الكرما - التي غزا شبابها إيطاليا وأصبحوا تكتلاً قوياً، لدرجة تسمية إحدي القري بـ «ميلانو» بميت الكرما، فيقول: ابني علاء يبلغ من العمر 35 عاماً متزوج ولديه بنت واحدة، أما أنا فموظف علي المعاش ولدي أربعة أبناء غير «علاء» ولا أمتلك أرضاً ولا عقاراً، وعندما أراد ابني السفر قمت ببيع مصوغات زوجتي وكتبت علي نفسي إيصالات أمانة بالباقي وكان أملي أن يصل ابني إلي إيطاليا ويجد عملاً ويسدد الدين ولكن علاء سافر ولم يعد وطوال عامين لا نعرف عنه شيئاً ولا ندري هل هو حي أم ميت؟
والقصص تكاد تكون متشابهة في كل قري مصر، فنتيجة للسياسات الخاطئة التي اتبعها النظام البائد التي أدت في النهاية إلي طابور طويل من البطالة، كان لابد أن يظهر السماسرة الذين يتاجرون بمعاناة الشباب.. وفي قرية ميت زنقر وميت الكرما ظهر العشرات من السماسرة الذين أعلنوا عن قدرتهم علي تنظيم رحلات السفر والعمل في إيطاليا نظير 60 ألف جنيه، بشرط أن يدفع من يريد 10 آلاف جنيه كمقدم وأن يكتب إيصالات أمانة علي بياض ضماناً لسداد باقي المبلغ.
وعلي الرغم من أن نسبة نجاح عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية عبر السواحل البحرية لا تزيد علي 10٪ في حين تفشل باقي الرحلات، ويكون المصير إما الموت أو السقوط في قبضة رجال الأمن، إلا أن تلك النسبة الضئيلة كافية بإشعال بريق السفر الخادعة في نفوس بعض الشباب الذي علق مصير حياته علي الهروب خارج مصر.
وتروي أسر ضحايا الهجرة غير الشرعية قصص مروعة عن ضياع الحلم بغرق أبنائهم أو عودتهم في نعوش أو في عداد المفقودين.
طلبة محمد - والد أحد الشباب الذين فقدوا حياتهم غرقاً أثناء الهروب من مصر - يقول: محمد ابني حاصل علي دبلوم زراعي، وكان الابن الوحيد علي 4 بنات وفي نوفمبر 2004 حاول الهجرة عبر البحر إلي إيطاليا ولكنه عاد في نعش من السواحل الشمالية الإيطالية بعد انتشال جثته مع 4 آخرين في 27 أكتوبر.
ويضيف: محمد تعرض لعذاب لا يتحمله بشر قبل غرقه بدءاً من احتجازه داخل مخزن بمنطقة رشيد بالإسكندرية حيث تم تجريدهم من كل شيء يحملونه ثم بدأوا التفاوض والضغط علي أهالي المحتجزين باتصالات تليفونية بالأسرة بدفع 10 آلاف جنيه لشخص معين، مؤكدين أن أبناءهم موجودون في عرض البحر متجهون لإيطاليا وإلا سوف يرمونهم في البحر ليموتوا غرقاً ليستدان من الجيران والأقارب وليصبح خراب البيت بضياع سندي علي إعالة الأسرة، علاوة علي الدين الذي لابد من تسديده.
ويروي عبدالخالق هويدي - محام - من قرية بساط كريم الدين بشربين، وهو شقيق عبدالقادر 35 عاماً دبلوم تجاري، قائلاً: إن أخي متزوج وله ثلاثة أبناء وضيق الرزق دفعه مع 8 شباب آخرين من القرية للخروج في رحلة النهاية بدأت في 28 فبراير 2007 بصحبة كل من إيهاب أحمد العسيلي 28 عاماً دبلوم، متزوج، وحمادة حمزة عيطة 28 عاماً بكالوريوس تجارة دفعة 2000 وشوقي شوقي البلقاسي 35 عاماً حاصل علي دبلوم تجارة متزوج ولديه ثلاثة أبناء ومحمد طلعت سراج 30 عاماً دبلوم تجارة ومنصور منصور فؤاد الباشا 28 عاماً دبلوم تجاري ولا يعمل وعبدالسلام عبدالعزيز الفطايري 35 عاماً دبلوم فني، خرجوا جميعاً في رحلة نظمها لهم «صالح عبدالنور» أحد أصحاب مراكب الصيد من عزبة البرج بدمياط، يقوده أبناؤه عماد وأشرف وهيثم، وتم دفع مبلغ 45 ألف جنيه نظير الخروج علي المركب من عزبة البرج للمياه الإقليمية باليونان ليستقلوا زورقاً مطاطياً، تم بالفعل تجربته علي 9 أشخاص بركوب الزورق لمسافة 70 ميلاً من المياه الإقليمية باليونان، وقام عماد «ابن صاحب المركب» بإعطائهم شريحة محمول يونانية للاتصال بمعارفهم هناك، وحاولنا الاتصال بهم إلا أن الخط مغلق، وجاءت رحلة البحث وإرسال المستندات وصور للشباب المختفي ليأتي خبر احتجازهم في السجون الليبية ليتأكد لنا أنهم في سجن بني غازي وأن هذه السجون ممتلئة بالآلاف من المصريين!
وأضاف رجب عبدالخالق هويدي - شقيق عبدالقادر - أحد أبناء قرية بساط كريم الدين، الذي اختفي أثناء السفر للخارج: اختفاء شقيقي أصبح لغزاً فقد مضي عليه أكثر من خمس سنوات واتصلنا بالقنصل الليبي عسي أن نجد عنه معلومات عن أخي ولكن لم نر أي دلائل ترشدنا عليه.
ويروي صبري عبدالرازق - موظف بشركة الغزل والنسيج من قرية بساط - قصة أبناء الهجرة الشرعية قائلاً: لدينا حمي السفر لليونان وإيطاليا وبنسبة لا تتعدي 40٪ من شباب القرية بسبب شدة الغيرة فيما بينهم لأنها بصراحة عندما تنجح العملية للسفر يأتي الخير للأسرة من شراء عقارات وأراضي زراعية وشركات ومحلات.. وهنا تري المنازل عمارات لا تقل عن عمارات المدن بل هي أفضل منها من حيث الإمكانيات حتي في الأثاث وسببت أن يطلق علينا بساط الإيطالية وأنا لست مع هذا السفر غير الشرعي لأنه هلاك لأبنائنا والرزق بيد الله، فقد رفضت أن يسافر ابني بنفس الطريقة رغم إلحاح أصدقائه في السفر معهم وهذا لأنني أعرف خطورة مثل هذا السفر.
وأكد أن ما حدث لأبناء القرية التي يبلغ تعدادها 4 آلاف نسمة، جاءت لتشهد منذ عام 2003 وحتي 2007 ضياع 32 شاباً من أبناء القرية علي دفعتين لم يعد منهم سوي اثنين أنقذتهما العناية الإلهية وهما: مختار سراج عيد 40 عاماً «سباك» وهذا الشخص الوحيد الذي أتعظ من المغامرة ولم يكررها، أما الثاني حسين عطا 38 عاماً «استورجي» فقد أعاد المحاولة منذ 7 أشهر لينجح في السفر لليونان التي سبق أن فشل فيها وكان علي وشك لقاء ربه.
ويروي صبري القصة قائلاً: إن الاثنين نجيا من الغرق عند محاولتهما السفر لليونان وسقط أمام أعينهما أكثر من 500 شاب من بينهم 18 شاباً من قريتنا والباقي من جنسيات أخري، ليؤكد الاثنان أنهم في نوفمبر 2007 وبعد الخروج من عزبة البرج وبعد عدة تفاصيل مكررة جاء القارب عند المياه الإقليمية لليونان ليتفتت بفعل الرياح والأمواج وإطلاق الرصاص عليه ليتمسك بالحياة كل من مختار وحسين ويلبسان طوق النجاة الذي تحصلا عليه ليريا من يغرق بجوارهما ويمسك كل واحد منهما بيد الآخر، وهنا تأتي رحمة الله ليشعرا بالنعاس وهي غيبوبة التعب والإحساس بالخطورة ليستيقظا وتتفتح أعينهما علي خبطات الشاطئ ليسجدا لله ثم يغيبان عن الوعي ليجدا من يقف علي رؤوسهما بالسلاح من شرطة السواحل ولغة لم يتعرفا عليها وبعد تفتيشهما تم إرسالهما للمستشفي للعلاج وترحيلهما بعد ذلك إلي مصر.
الغريب أن منصور فؤاد الذي فقد نجله شعبان في رحلة عام 2007 الذي أتي في نعش من السواحل الإيطالية ومن قبله فقد منصور شقيقة في رحلة عام 2003 غير الشرعية أيضاً ليعود بعد احتجازه في السجون الإيرانية ثم الترحيل إلي مصر وبدلاً من العظة جاء ليكرر نفس المحاولة ويسافر مرة أخري منذ شهور قليلة إلي اليونان حيث جاءت الكلمات التي تتكرر دائماً «هنا ميت.. وهناك ميت.. فلنجرب حظنا يمكن تصيب».
أما محمد عبدالعظيم مشالي - مهندس زراعي - علي المعاش والد محمود 33 عاماً مدرس تجاري بشربين، الذي جاء في أحد النعوش الثمانية في 2007 بعد رحلة انتهت بالغرق ودمار أسرة مكونة من الزوجة «سماح بكر» معهد خدمة اجتماعية ولا تعمل وطفلان «نهي» 6 سنوات و«أسامة» 5 سنوات، حيث أكد الأب وعيناه تبكيان: فقدت ابناً باراً وهذا هو عزائي وحسبي الله ونعم الوكيل في زملائه بالمدرسة، الذين كانوا سبباً في دفعه للسفر بعد أن دفع للسمسار 65 ألف جنيه وبعدها غرق وضاع كل شيء.

نهر الأحزان لا يجف
842 ألف مصري تسللوا إلي أوربا منهم 100 ألف في السجون الإيطالية

كشف تقرير مركز أولاد الأرض أن وزارة الخارجية الايطالية أكدت وجود اكثر من 100 ألف مصرى داخل السجون الإيطالية بتهمة التسلل الى الأراضى الايطالية بطريقة غير شرعية.
وقال المركز في بيانه أن البحث والتنقيب عن شباب مصر الضائع فى البحر المتوسط يفتح نهرا من الأحزان بامتداد مصر ويكشف أن البسطاء وحدهم يخفون جراحهم ويبكون ليلا وان الجدارن الرطبة تحجب عن هؤلاء النبلاء وأشار البيان إلي أن المركز قام بتعقب اسباب هروب الشباب المصرى من وطنه إلى أوربا والمخاطرة بحياته للحصول على فرصة عمل بعد ان سدت سياسة الخصخصة التى اتبعتها الحكومة  السابقة فى عهد النظام البائد كل أبواب الأمل ما بين خصخصة القطاع العام وبيعه على الأرصفة فى مزادات هزليه وإصدار وتطبيق قانون المالك والمستأجر فى الأرض الزراعية تمت تشريد مئات الالاف من العمال وفقد 904 آلاف مستأجر مصدر رزقهم الوحيد بعد ان استرد الملاك أرضهم وكان من الطبيعى أن يصبح الشباب بلا عمل وبلا مستقبل.
وكان من المحتم ان يندفع الشباب اليائس إلى الهروب إلى أوربا وخاصة إيطاليا عبر ليبيا والبحر المتوسط وفى هذه الرحلة الخطرة غرق آلاف الضحايا فى مياه البحر المتوسط منهم من تم انتشال جثته ومنهم من تكفلت الأسماك المتوحشة ببقاياه ومنهم من كان محظوظا فاستطاع ان يصل إلى شواطئ ايطاليا وان يتسلل داخلها ويضيع فى الزحام ولم يكن غريبا ان يصل عدد المهاجرين غير الشرعيين من مصر إلى أوربا الى 842 الف مهاجر وكان لإيطاليا النصيب الأوفر من تلك الهجرة، فتقارير الجهاز المركزى تؤكد ان عدد المصريين فيها وصل الى 96 الف مهاجر فى الوقت الذى تؤكد فيه وزارة الخارجية ان الرقم الحقيقى هو 280 الف مصرى..
تقدر الإحصائيات الدولية عدد الشبان المصريين الذين نجحوا في دخول العديد من دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية بنحو 460 ألف شاب، من بينهم نحو 90 ألفا يقيمون في إيطاليا بشكل غير رسمى.
وقد سجلت إحصائيات الأمن الإيطالية وحدها في الربع الأول من العام الحالي استقبال سواحل كالابريا 14 زورقًا محملة بأكثر من 1500 مهاجر غير شرعي معظمهم من المصريين.

أهم الاخبار