ولاد النيل راحوا في «شربة مية»

ملفات محلية

الجمعة, 31 أغسطس 2012 20:27
ولاد النيل راحوا في «شربة مية»أزمة المياه فى صنصفط
أعد الملف : نادية صبحي - نادية مطاوع

شربة ماء قد تكون فيها حياتك، أو مماتك.. فالمياه سر الحياة، لكن في قري مصر هي القتل البطىء!!

عندما قطعت صرخات أهالي «صنصفط» فرحة العيد.. لم تكن جرس إنذار لكارثة محققة، بل كانت مجرد حلقة في سلسلة متصلة من كوارث ضحايا مياه الشرب في بلاد النيل، سبقتها كارثة البرادعة في القليوبية منذ عامين والتي أصيب فيها الآلاف بالتيفويد بسبب مياه الشرب الملوثة بالصرف الصحي، وعلي فترات متقاربة نسمع عن سقوط إصابات بالتيفويد تجاوز عددها المئات في قري القليوبية والفيوم والدقهلية وسوهاج والجيزة وغيرها.
ورغم سقوط قتلي وضحايا لهذه الكوارث، إلا أن الدراسات أكدت أن مياه الشرب الملوثة بالصرف ومياه الطلمبات الحبشية هي السبب في إصابة 250 ألف مصري سنوياً بالسرطان والفشل الكلوي بالإضافة إلي وفاة 5 آلاف شخص بسببها، وتلك قضية أخري خطيرة.
وإذا كانت حياة المصريين رخيصة في عهد تغذي علي الفساد طوال 30 عاماً، وسقط بثورة شعب نادي بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية فإن أبسط حقوق أبناء النيل في الجمهورية الثانية كوب ماء نظيف!!

الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية.. لكن يا خسارة.. مافيش مياه!!
الحلوة دى مكتوب عليها تشيل برميل فوق دماغها وتسير به مسافة 7 كيلو مترات من بيتها لحد الحنفية.. وفى المساء تقطع رحلة أخرى مسائية حاملة فوق رأسها برميل الصرف لتلقى به فى الترعة.
والحلوين زيها فى بلدنا كتير.. فى صنصفط وبر العرب منوفية وتمى الأمديد دقهلية وفى طى بسوهاج.. وعشرات من قرى أخرى بمحافظات قبلى وبحرى ملايين يسكنون على ضفاف النيل أو بالقرب منه لكنهم يشربون مياه الطلمبات الحبشية التى تضخ فى بيوتهم عبر شبكات متهالكة تحمل الموت البطىء.. وتستمر المأساة ملايين عطشى على أرض النيل تفتك السموم بأمعائهم وأكبادهم وكلاهم.. تقتلهم قتلاً بطيئاً.
ورغم توالى وقوع كوارث المياه الملوثة وسماع صرخات الضحايا من قبلى وبحرى لا يتحرك أحد لعلاج القضية من جذورها، فهى ليست طارئة أو مفاجئة بل تمتد جذورها إلى عشرات سنين مضت، وكم من ضحايا سقطوا فى ظل نظام قام ثلاثين عاماً على الفساد.. لذلك لم تندهش ونحن نشق طريقنا وسط القرى بالجيزة والقليوبية والمنوفية وغيرها.. وترسم الكارثة أمام أعيننا مشاهد كإنما عاد الزمن بمصر إلى زمن الجوع والعطش والبدائية والظلم.. ولعل مشهد النساء الباكيات فى طوابير أمام حنفية المياه بقرية بر العرب «منوفية» لم يكن «سينمائياً» لكنه أبلغ من كلمات روائى عظيم فى سرد مأساة أهالى القرية.. فالفلاحات فى القرية حاملات جراكن وبراميل المياه لنيل حصتهن والعودة بها إلى منازلهن التى تبعد بعضها عن مكان الحنفية 7 كيلو مترات دون مبالغة، وكانت حالة «فاطمة» بالغة القسوة، إذ بكت من آلام العمود الفقرى وقالت فى أسى شديد: «عندنا الغضروف وبيتى بعيد، أمشى ساعة علشان الميه النضيفة، وفى المساء أشيل برميل الصرف فوق دماغى وأرميه فى الترعة لأننا عايشين فى دوار».
أما «مية الشرب» قطمت ضهرنا مافيش فى الحنفيات وأخرجت من سيالة جلبابها كيس دواء لآلام الظهر والعمود الفقرى وقالت: عندى ست عيال أبوهم ميت ومحتاجة صحتى علشان أربيهم ومعاشى 109 جنيه لم يزد عليهم مليم.. وليس معى مع أنفق به على أولادى لو مرض أحدهم.. وهنا تدخلت إيمان إبراهيم وقالت: «الميه لما تيجى فى الحنفية ما تتشربش وإحنا خايفين على عيالنا لولا مية الجمعية الشرعية كنا نموت من العطش.
أما هدى التى صرخت عندما تجاوزت إحداهن دورها فى الطابور الطويل أمام الحنفية فقالت: مضطرين نشرب من الطلمبات ودى ميتها تحت الأرض وبتقطع يعنى لا نعرف نطبخ منها ولا حاجة والمغص عندنا على طول 41 سنة «شايلين الدنيا على رأسنا» براميل ميه للشرب وبراميل صرف وماحدش سائل فينا، كنا فاكرين بعد الثورة هتتحل مشاكلنا لكننا مازلنا بعيداً عن أى اهتمام.


على بعد خطوات أسندت امرأة شابة رأسها إلى الحائط وبدى وجهها شاحباً وهى تلهث قائلة لزميلتها أصلها لسه «مسقطة» أى أنها فقدت جنينها بسبب «شيل الميه» وعلمت أن اسمها «إيمان عيد» قالت فى كلمات تدل على ضعف وهزال شديدين: مضطرة أمشى من العرب لكفر الباجور أكثر من دورين وثلاثة علشان المياه نفسى أفتح الحنفية وأشرب بإيدى وأنا مطمئن أنا مش حمل المشوار ده «والإجهاض هد حيلى بسبب الميه».
وأكد العديد من الأهالى أنه لولا هذه المحطة لتكررت مأساة صنصفط فى قريتهم أيضاً، حيث أشارت أم عبدالرحمن إلى أن مياه الصنابير صفراء اللون وأحياناً تكون سوداء، وحينما نشرب منها نشعر بمغص شديد، لذلك نستخدمها فى الغسيل والاستحمام فقط، أما مياه الشرب فنأتى بها من محطة التحلية التى تشهد ازدحاماً شديداً دائماً، وتقول قبل إنشاء هذه المحطة كنا نغلى المياه ونتركها تبرد حتى نستطيع أن نشرب منها، والآن أصبحنا نحملها على رؤوسنا.
مأساة أخرى ترصدها لنا غادة أحمد، إحدى سيدات القرية، والتى التقينا بها تحمل أيضاً أدوية فى يديها بدأت فى سرد مأساتها التى تسبب فيها حمل المياه فى رحلتين أشبه برحلتى الشتاء والصيف عند العرب، حيث قالت: نبدأ يومنا بالذهاب إلى المحطة لملء الماء النظيف الذى تخصصه للشرب وإعداد الطعام، بينما طوال النهار نقوم بالرحلة الثانية التى نحمل فيها الماء المستخدم فى غسيل الملابس والأوانى لإلقائه فى الترعة أو الرشاح، حيث لا يوجد بالقرية صرف صحي، ولأننا نسير بالمياه على رؤوسنا لمسافات طويلة أصبت بانزلاق غضروفى وخشونة فى الرقبة، مما جعلنى لا أستطيع ملء المياه بانتظام، ونظراً لأن أبنائى الثلاث مازالوا صغاراً، فإما أنتظر مساعدة أحد من الجيران فى حمل الماء عنى، أو أضطر إلى غلى ماء «الحنفية» وأشربه أنا وأبنائى، ورغم علمى بمدى خطورة هذه المياه إلا أنه ليس بيدى حل آخر.
وقد أكد لنا أيمن عزب من أهل القرية أن شبكة الصرف جاهزة فى 48 بلداً ما عدا بلدين.. هما العرب والفتماية وإذا تم استكمال الشبكة وتشغيلها سترحم الأهالى من التلوث وحظر اختلاط مياه الشرب بالصرف ثم أردف قائلاً: المسألة ليست فى المياه والصرف فقط، أيضا نعانى من انقطاع الكهرباء يومياً.. والثلاجات اتحرقت.
أما فى قرية «سمادون» فالأهالى يعتمدون على شراء جركن المياه بجنيه ونصف ويحتوى على حوالى 20 لتراً واعتمد شباب القرية على أنفسهم لمحاولة التغلب على مشكلة مياه الشرب فكونوا رابطة شباب سمادون وخصصوا موقعاً على الفيس بوك للتوصل وحل مشكلة قراهم.
وقال أحمد - بكالوريوس علوم - قمنا بعمل ماكينة لتنقية المياه بجوار جامع الطنوبى لخدمة الأهالى «3 مراحل» لأن الفلاتر فوق طاقة السكان الغلابة وأقل فلتر بـ 170 جنيهاً والمشكلة فى الشمعة الذى يجب أن تتغير كل 100 لتر.. وهذه المشكلة ليست فى سمادون فقط، بل فى «شرشور وماجريا والرملة» وإذا لم نقم بأنفسنا بالتعامل مع تلوث المياه نضيع دون أن يشعر بنا أحد ولا يوجد تعاون من المسئولين بدليل كارثة صنصفط التى لم تكن سوى واحدة من عشرات الكوارث التى تعانى منها قرى المنوفية.

فلتر الغلابة
رقبة زجاجة بلاستيك وكيس قطن طبى مكونات بسيطة لفلتر «يدوي» لجأ الأهالى لصنعه بالقرى المنكوبة للتغلب على تلوث المياه فى الحنفيات حيث يتم تركيب هذا الفلتر وتغييره كل يومين على الأكثر، كما أكد لنا أحمد أبو العطا من صنصفط تلك القرية المنكوبة التى ابتلى آلاف من مواطنيها بالتسمم جراء استخدام مياه أثبتت تقارير وزارة الصحة أنها ملوثة.. قال «أبو العطا» إن هناك 6 سيارات تجوب البلاد لسد حاجات الأهالى من المياه النظيفة لحين حل مشكلة المياه بالبلدة. وأضاف: «الميه من يومها وحشة وسنين بنشتكى وماحدش سامعنا وفاعل خير قام بعمل محطة مياه نلجأ لها بدلاً عن مياه الحنفيات الملوثة، لكن تم إغلاقها بحجة أنها بدون ترخيص وكانت الملجأ الوحيد لنا بعيداً عن مياه الطلمبات والحنفيات التى بها من الملوثات ما تسبب فى تسمم أبنائنا.


الثورة فى «صنصفط» مازالت عارمة ضد ما وصفه الأهالى بالفساد ورغم مرور أكثر من أسبوع على وقوع كارثة وإصابة الآلاف منهم ودخولهم المستشفيات والوحدة الصحية إلا أن عشرات من ذوى المرضى وشباب القرية والقرى المجاورة تجمعوا أمام الوحدة الصحية بصنصفط وعبروا عن غضبهم الشديد تجاه سياسة المسئولين فى التعامل مع القضية وقالوا إن هناك محاولات من

بعض الأشخاص للسيطرة على  الموقف وإضاعة حقهم واستشهدوا بتقارير تم توزيعها عليهم تؤكد أن إصابة المرضى عبارة عن نزلة معوية ولم تكتب كلمة واحدة فى التقرير عن المياه رغم أن تقارير وزارة الصحة نفسها أكدت أن تلوث المياه فى الشبكات سبب إصابة الأهالى وقال محمد فوزى من أهل القرية إن الوحدة المحلية لها دور كبير فى هذه المأساة، وأضاف: لقد وقعنا على مذكرة نشكو فيها من المياه وتسببها فى الأمراض لآلاف من سكان القرية بل إن 18 ألف مواطن معرضون للإصابة بالتسمم، فضلاً عن أمراض الكبد والكلى والسرطان.
وقال وجيه عابدين الذى أصيب اثنان من أبنائه: «فيه ناس كثير ماخدتش تقارير ومش عارفين إيه السبب.. أما من حصل على تقرير فلم يكتب فيه شىء عن المياه». وأضاف أحد أهالى القرية: إنهم يجمعون التقارير التى تم توزيعها ولا نعرف السبب.. أكيد فيه لعب بيحصل».
بينما كنا نتحدث مع الأهالى أمام الوحدة الصحية كانت عملية تنظيف تتم للخزان بالمحطة الرئيسية للقرية وهو ما دعا الكثير منهم لإبداء مزيد من الغضب.
وقال سعيد محمد: «بقالها سنين فيها تعابين وفيران وحمام ميت وإحنا بنشرب منها جايين دلوقتى ينضفوها بعد تسمم 4 آلاف شخص!! مؤكداً أن قضية الصرف الصحى لصيقة بتلوث مياه الشرب ولابد من حلها بشكل متوازى.
أطفال الطرقة اتحدوا مع الشباب فى ثورتهم وعبر أحمد «13 سنة» عن غضبه قائلاً: باشترى إزازة الميه من الدكان لأبويا العيان بتلاتة جنيه ونفسنا نشرب ميه حلوة.. إحنا مش بنى آدمين ولا إيه، فيما صدق على كلامه محمد «دبلوم صنايع» قائلاً: لن نهدأ حتى نحصل على حقنا فى مياه شرب نظيفة ولن نرضى بالمسكنات، لقد علمنا أن الأطباء الذين تحدثوا عن التسمم عوقبوا وكذلك موظفو المياه تم إيقافهم عن العمل والتحقيق معهم وأكد محمد ومعهم عشرات من شباب صنصفط مستعدون للدخول فى إضراب مفتوح عن الطعام لحين حل مشكلة المياه.
مشكلة المياه كأنها «نسخة كربونية» تتكرر بجميع أبعادها فى قرى عديدة وتتشابه فى تفاصيلها وإن اختلفت المحافظات، ففى تمى الأمديد بالدقهلية ظهرت حالات قىء وإسهال لعشرات الأهالى بسبب المياه، كما أصيب الكثيرون بطفح جلدى نتيجة استخدام مياه الطلمبات الحبشية وبلوغ عدد الإصابات أكثر من 70 طفلاً، وفى سوهاج ولنفس الأسباب تم إغلاق أكثر من 56 محطة مياه ثبت إنتاجها مياه غير صالحة للاستهلاك الآدمى، كما تم إغلاق عدد كبير من الآبار الارتوازية لارتفاع نسبة الحديد والأملاح فيها.
وفى قرى القليوبية يعانى أهالى الخانكة والجبل الأصفر وطوخ من كوارث تلوث المياه وبين حين وآخر تظهر حالات تيفود بالجملة كما حدث بطوخ منذ أيام.
وفى قرية أبو الغيط لم يجد الأهالى بديلاً عن مياه «الحنفيات» التى تظهر الرواسب فيها بوضوح أو مياه الطلمبات التى تسحب من جوف الأرض مياهاً غير صحية إلا أن بعض الأهالى يصر على أن مية «الطلمبة» أضمن من الحنفية كما أصر الحاج مرسى عطا الله وعبر عن ذلك بقوله «اشرب منها طول عمرى ولا أشرب يوم من الحنفية»، بينما كانت أكثر البيوت فى القرية تتعامل مع مياه الحنفيات كأنها شر لابد منه.
وجاءت لنا «فاطمة» بزجاجة مياه صفراء اللون تظهر فيها شوائب وقالت إنها أحياناً تكون بيضاء اللون وعكرة وعلى سطحها رغوة غريبة، مما اضطر معظم النساء فى القرية لملء الأزيار والانتظار حتى «تروق» المياه. لكن الحاجة «أم عادل» لا تشرب إلا من مياهها وتشترى من سيارات تجوب البلدة.
أم ميادة مواطنة من نفس القرية تقول: المياه أصبحت مشكلة دائمة جعلتنا نكره البلد ولولا أنه ليس لنا مكان آخر لتركناها، فرغم سوء المياه ولونها العكر ورائحتها الكريهة، فهى دائماً مقطوعة ولا تصل إلينا إلا فى الساعات الأولى من النهار وتختفى بعد ذلك، ولا نجد أمامنا سوى الطلمبات المنتشرة فى القرية نملأ منها مياهاً لإعداد الطعام والشرب، وأضافت المنطقة بها رشاح، لذلك فغالباً ما تكون مياه الطلمبة مختلطة بمياهه ولكن ما باليد حيلة، فلابد أن نشرب، لذلك نشرب منها وندعو الله أن يحفظنا.
ورغم هذه الحالة المذرية لمياه الطلمبات الحبشية فإن الحاج عطا الله مرسى أحد أبناء القرية أكد أنه يشرب منها طول عمره وسيستمر فى الشرب منها حتى موته، لأنها مهما كانت أرحم من مياه الحنفية التى تأتى بألوان وروائح وشوائب غريبة، وأكد أنه كلما شرب من مياه الحنفية يشعر بغثيان ومغص بشكل مستمر.
ورغم كل هذا لم يتقدم أبناء القرية بأى شكاوى للمسئولين مبررين ذلك بأن الشكوى لغير الله مذلة، وأن الحكومة لا تتحرك إلا إذا وقعت كارثة.
حتى فى القرى المحيطة بالعاصمة فإنها تعيش نفس المأساة وهو ما دفع أهالى صفط اللبن وهى إحدى قرى الجيزة إلى كتابة شكواهم على سور جامعة القاهرة مستنجدين بالرئيس شخصياً لإنقاذهم من مصير مشئوم، فصفط اللبن تعيش مأساة منذ أكثر من شهر ونصف حيث إن المياه دائمة الانقطاع ولا تجرى فى «صنابير المياه» سوى ساعتين فجراً وتكون سيئة جداً، وكالعادة الترسيبات والأتربة جزء كبير من تكوينها مما يتعذر معه استخدامها.
وأكد لنا أحمد عاشور الذى أشار إلى أنه أحد أبناء ثورة يناير بل يسمونه «هتيف الثورة» أن انقطاع المياه سببه إدارى وليس فنياً وقال إن هناك مجموعة أشخاص بشركة المياه تتحكم فيها وتتعمد قطع المياه عن أهالى صفط اللبن بمشاركة المسئولين بالمحافظة وقال مدللاً على كلامه أن المياه تم فتحها 48 ساعة متواصلة فى العيد نفس مشكلة المياه يعيشها أهالى عزبة الأمين وداير الناحية والشوربجى وكفر طهرمس وسيدى فرج والحشايشة.. وكنتيجة مترتبة على أزمة المياه يعانى الكثير من أهالى هذه المناطق من الإصابة بالفشل الكلوى وهى الملاحظة التى أكد أكثر من مواطن قابلناه أنها عامل مشترك بين الأهالى كأنه وباء منتشر فى مياه الشرب، فضلاً عن اعتماد بعض المناطق كلية على مياه الطلمبات غير الصحية، خاصة فى صفط القديمة.

«صنصفط» ليست الأولي ولن تكون الأخيرة:
38 مليون مصري مهددون بتسمم المياه
شبكة المياه عمرها نصف قرن وتحتاج إلي صيانة عاجلة

صدق أو لا تصدق نصف المصريين تقريباً يشربون مياهاً ملوثة، هذه حقيقة أكدها تقرير للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان تحت عنوان «تلوث المياه قنبلة موقوتة تهدد حياة المصريين» ذكر أن هناك ما يقرب من 38 مليون شخص يشربون مياهاً ملوثة في مصر، ومن ثم فإن كارثة صنصفط مرشحة لأن تتكرر في كل المحافظات وبما فيها العاصمة أيضاً، وحذر التقرير من أن هناك حوالي 4.5 مليون طن ملوثات صناعية معالجة وغير معالجة يستقبلها نهر النيل سنوياً. ونتيجة لتلوث الماء رصدت الدراسة إصابة العديد من المواطنين بحالات تسمم 35٪ منها في القاهرة، 12٪ في الجيزة و50٪ في القليوبية، والتي تعد من أكثر المحافظات التي تعاني من مشكلة تلوث المياه.
وذكر تقرير المنظمة أن هناك 100 ألف مواطن يصابون سنوياً بالفشل الكلوي بسبب تلوث المياه، وإذا كانت الدراسات والتقارير المختلفة قد أكدت تلوث مياه الشرب في العديد من المحافظات خاصة في الريف والصعيد بسبب تهالك شبكات المياه التي يرجع عمرها إلي أكثر من 50 عاماً مضت، فإن مشكلة ضعف الصيانة تعد هي الأزمة

الحقيقة وراء تكرار حوادث التسمم في القري بسبب مياه الشرب، فمنذ عامين تقريباً كانت كارثة البرادعة، واليوم صنصفط، وقبلها أسوان، وبعدها ستتكرر المشكلة إذا استمرت حالة انعدام الصيانة علي ما هي عليه، وهو ما أكده الدكتور عادل يعقوب مدير إدارة المياه بمركز الرصد البيئي، والذي أكد أن الأزمة ستستمر مادمنا نعالج الأسوأ بالأسوأ، فلابد من علاج المشكلة من جذورها، وذلك بالاهتمام بالمحطات وعمليات التنقية.
وأضاف مشكلات تلوث المياه تتكرر كثيراً في الريف وخاصة الوجه البحري لسببين رئيسيين:
1- محطات المياه وهي عبارة عن وحدات صغيرة لا تتم صيانتها باستمرار، وغالباً لا تتم صيانتها من خلال كيميائيين متخصصين، ومن ثم تبقي فيها الملوثات لفترات طويلة مما يؤدي إلي انتشار البكتيريا الضارة بها والتي تصيب الإنسان بحالات قيء وإسهال، وأحيانا المياه نفسها تكون مأخوذة من ترع تختلط فيها المياه مع الصرف الزراعي والمبيدات، والسبب الثاني للتلوث هو استخدام الطلمبات الحبشية التي يتم حفرها علي أعماق تتراوح بين 12 و15 مترا فقط، ومع عدم وجود شبكات صرف صحي والاعتماد علي «الترنشات» لذلك تختلط مياه الشرب بالصرف الصحي ومن ثم تحدث الكوارث الناتجة عن تلوث المياه.
وعن أنواع التلوث يشير الدكتور يعقوب إلي وجود ثلاثة أنواع من التلوث وهي كيماوي وعضوي وبكتيري، وهذا النوع الأخير هو الغالب في الريف المصري والذي ينتج عنه حالات الإصابات الجماعية بأعراض القىء والإسهال.
ورغم أن هناك العديد من الدراسات أشارت إلي أن استخدام الكلور في تنقية مياه الشرب أو في غاية الخطورة لانه يسبب الإصابة بالسرطان إلا أن الدكتور عادل يري أنه الحل الوحيد الآن لتنقية المياه بالمحطات لان الوسائل الحديثة مثل استخدام الأشعة فوق البنفسجية أمر مكلف جداً ويحتاج إلي فنيين علي درجة عالية من التدريب والمهارة، ولذلك فالأتربة ستستمر إذا لم تسع الدولة لإحلال التكنولوجيا في تنقية المياه واستخدام وسائل آمنة لتنقيتها وتعقيمها.


الشبكات .. المحطات .. المياه الجوفية وانعدام الضمير قوة قتل رباعية

صدق من سماه «أبوالمياه في مصر» فهو يمتلك معلومات عن كل شيء عنها، أرقامه وإحصاءاته أكثر دقة من أرقام حكوماتنا المتضاربة دائما، يعطي لكل ذي حق حقه، اعترف بمجهودات الدولة في الأعوام السابقة في توفير مياه الشرب للمواطنين ولكنه كشف لنا عيوبها التي كانت سببا في ظهور كوارث التلوث المائي، واليوم ونحن علي أعتاب الجمهورية الثانية يطالب الحكومة الجديدة بأن تكون أكثر حرصا علي حياة المواطنين وكرامتهم بتوفير كوب ماء نظيف لهم.
إنه الدكتور مغاوري شحاتة دياب أستاذ المياه بكلية العلوم ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، وواحد من أفضل مائة شخصية تعليمية علي مستوي العالم كله.
< سألته لماذا تتكرر كوارث تلوث المياه في الريف المصري، وأين الدولة من كل تلك المأساة؟
- الدولة بذلت مجهودات لتوصيل المياه النقية للمواطنين فأصبح لدينا شبكة مياه ومحطات في معظم الأماكن يصل طولها الي 100 ألف كيلو متر تغطي حاجة 95٪ من السكان ولكن تم تخصيص محطات الدرجة الأولي للقاهرة وعواصم المحافظات والمدن الكبري بينما تعاني محطات القري والريف من تفاوت في القدرات والحجم وطرق تنقية المياه ولذلك كثيرا ما تحدث الكوارث في الريف نتيجة ضعف قدرة وكفاءة المحطات.
< هل المشكلة تكمن في المحطات فقط؟
- بالطبع لا فالمحطات جزء فقط من المشكلة خاصة أنها متفاوتة القدرة والكفاءة من حيث كميات المياه التي تضخها وكفاءة عملية التنقية، وبالتالي تشهد عمليات الانقطاع المستمر للمياه في كل مكان بما في ذلك القاهرة أيضا وتتكرر مشكلة تلوث مياه المحطات نظرا لعدم كفاءتها في عملية التنقية، أما باقي عناصر المشكلة فتكمن في سوء حالة الشبكات وضعف كفاءة المواسير وانتهاء عمرها الافتراضي كذلك هناك جزء من المشكلة خاص بتصرفات المواطنين أنفسهم الذين يتضررون من مشكلة الانقطاع المستمر للمياه فيقومون بتوصيل مياه الآبار علي الشبكة الرئيسية وبالتالي يشربون مياها ملوثة.
< وماذا عن الطلمبات «الحبشية»؟
- هذا جزء آخر من المشكلة حيث يقوم الناس بحفر هذه الطلمبات علي أعماق تتراوح بين 7 و30 مترا علي أقصي تقدير، وبالتالي يحصلون علي الماء من المستودع المائي الضحل غير العميق وبما أن معظم قري الريف لا يوجد بها صرف صحي ويتم الصرف في «طرنشات» تحت الأرض يحدث اختلاط بين مياه الشرب والصرف الصحي وتحدث الكارثة.
< وهل الكارثة خاصة بالصرف الصحي فقط؟
- لابد أن نعرف أن شبكة الصرف الصحي في مصر لا تغطي سوي 15٪ فقط من الجمهورية وهو ما يعني أن 85٪ من المصريين خاصة في القري يعيشون فوق بركة من مياه الصرف الصحي، هذا بالإضافة الي مياه الصرف الزراعي التي تتسرب الي مياه الخزان الجوفي غير العميق ومن هنا تتلوث مياه الطلمبات الحبشية بها.
< لكن المشكلة ليست خاصة بمياه الطلمبات الحبشية فتقارير وزارة الصحة أثبتت أن مياه المحطة الحكومية في صنصفط هي سبب الكارثة؟
- نعم فالشبكات الحالية والمحطات بها مشاكل عديدة ووزير المرافق الحالي الدكتور عبدالقوي خليفة يعلمها جيدا باعتباره رئيس الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي من قبل، وهو يعلم أن الشبكات تعاني من مشاكل عديدة منها عدم جودة المواصفات وعدم دقة التنفيذ وعدم دقة عمليات الاستلام من قبل المهندسين أنفسهم، ووجود شبكات مازالت مصنوعة من الاسبستوس رغم كل مخاطره لذلك فعلي الوزير الجديد مراجعة أوضاع المحطات والشبكات الحالية.
< هل محطات المياه الأهلية تعتبر حلا لمشكلة المياه في الريف المصري؟
- بالعكس فهذه المحطات رغم أنه يتم حفرها علي أعماق تتراوح بين 100 و120 مترا ومعظمها يحتوي علي أجهزة لتنقية المياه، أي أنها تستخرج المياه من المياه الجوفية العميقة، إلا أنها ليست دائما صالحة للاستهلاك الآدمي فالتلوث قد يصل لهذه الأعماق البعيدة إما بسبب البكتيريا غير الهوائية التي تعيش في المياه الجوفية العميقة أو بسبب سلوكيات المواطنين أنفسهم فنتيجة لارتفاع منسوب المياه في الدلتا والوادي قام البعض بحفر آبار عميقة للصرف وهي المعروفة باسم «التيونات» لصرف مياه الصرف الزراعي أو الصحي بعيدا عن سطح الأرض وبالتالي وصل التلوث الي المياه الجوفية البعيدة والعميقة وبما أن هذه المياه غير ساكنة بل متحركة وتحكمها اتجاهات الضغوط تحت الأرض فبالتالي انتشر التلوث في هذه المياه أيضا وأصبحت تمثل خطرا علي صحة الإنسان.
< إذن ما الحل للقضاء علي تكرار كوارث تلوث المياه؟
- لابد من مراجعة أحوال محطات التنقية وشبكات المياه في مصر كلها بشكل جذري وفوري وتصحيح أوضاع الشبكات التي تعمل بكفاءة عالية وزيادة معدلات ضخ المياه في المحطات المختلفة بما يكفي حاجة كل السكان حيث لا يلجأون للمياه الجوفية الملوثة وتوفير المياه بشكل فعلي وحقيقي لكل مواطن،وتحسين الشبكات الحالية وزيادة قدرتها علي تنقية المياه بما يضمن قتل كافة الملوثات البكتيرية الموجودة بها ورفع وعي المواطنين من خطورة استخدام مياه الطلمبات والآبار، وتغيير شبكات المياه القديمة التي تتسبب في ضياع 30٪ من حجم الماء الذي يتم تنقيته الذي يقدر بـ9 مليارات متر مكعب، حيث إن تهالك الشبكات يؤدي الي فقدان جزء كبير من المياه وبالتالي لا يكفي حاجة المواطنين الذين يلجأون للمصادر البديلة من الطلمبات ومياه الآبار.


وفي نهاية حديثه أكد الدكتور مغاوري أن الأمر يحتاج الي نواح أخلاقية في عمليات تنفيذ الشبكات واستلامها ويجب أن يعلم الجميع أننا ونحن علي أبواب الجمهورية الثانية لابد أن يكون للمواطن الحق في شرب كوب ماء نظيف فعلا.

بسبب المياه الملوثة
5 آلاف شخص يفقدون حياتهم و250 ألف
حالة إصابة بالسرطان والفشل الكلوي!
القىء والإسهال أقل الأضرار والالتهاب الكبدي يفتك بالأطفال والشباب

عشرات الأمراض يصاب بها المصريون بسبب تلوث المياه، تبدأ بالنزلات المعوية البسيطة والحادة، وتنتهي بالسرطان والفشل الكلوي.
الدراسات أكدت خطورة تلوث الماء علي صحة الإنسان المصري، ومازالت الأزمة مستمرة ولا تهتم بها الدولة إلا بعد وقوع كارثة في إحدي القري، والعلاج دائما يتم بشكل جزئي فقط في القرية صاحبة المشكلة، بينما تنتظر وقوع المزيد من الكوارث في قري أخري، كذلك كشفت الدراسات أن هناك حوالي 500 ألف حالة تسمم تحدث سنوياً بسبب تلوث الماء و250 ألف حالة إصابة بالسرطان والفشل الكلوي لنفس السبب، بينما يفقد ما يقرب من خمسة آلاف شخص حياتهم سنوياً للسبب ذاته.
دراسات عديدة أجراها المركز القومي للبحوث ومركز السموم بجامعة عين شمس حول خطورة تلوث المياه، كلها أكدت أن تلوث المياه يعد أحد أهم أسباب إصابة الإنسان بالأمراض الخطيرة، وكشفت دراسة للمركز القومي للبحوث أن تفاعل الكلور المستخدم في تنقية مياه الشرب مع الماء يؤدي إلي ظهور طفيل «الكريبو سبورنيوم» والذي يسبب إصابة الإنسان بالنزلات المعوية الحادة والتي تظهر أعراضها علي شكل قىء وإسهال وارتفاع في درجة الحرارة، وإذا وصل هذا الطفيل إلي الدم فقد يؤدي إلي تلف خلايا المخ ويتسبب في الوفاة.
كذلك كشفت الدراسات أن هناك حوالي 100 ألف مواطن يتعرضون للإصابة بالفشل الكلوي كل عام بسبب تلوث المياه، وهناك 150 شخصا بين كل 100 ألف نسمة معرضون للإصابة بالسرطان بسبب المياه.
ويشير الدكتور صلاح لبيب استشاري الحميات بمستشفي حميات الصف إلي أن التلوث موجود دائماً في المياه، والحصول علي ماء والحصول علي ماء آمن ونظيف أمر مستحيل، ولكن زيادة نسبة التلوث في المياه تؤدي إلي جعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وهنا تظهر المشكلات التي نسمع عنها، فزيادة نسبة بكتيريا الإيكولاي في المياه تؤدي للإصابة بالنزلات المعوية التي تكون أعراضها القيء والإسهال وارتفاع درجة الحرارة. أما تلوث المياه بمياه الصرف الصحي فيؤدي إلي ظهور طفيليات بها مثل السلمونيلا المسببة لحمي التليفويد، وكذلك قد تظهر الدوسنتاريا الأميبية التي تؤدي للإصابة بالنزلات المعوية الحادة. وقد يتطور الأمر ويصاب الإنسان بالالتهاب الكبدي الوبائي A الذي ينتقل للإنسان عن طريق الطعام والشراب، وهذه كلها أمراض معدية يصاب بها الإنسان وتنتقل منه للآخرين، وأضاف: الاستمرار في شرب المياه الملوثة علي المدي الطويل قد يؤدي للإصابة بأمراض أكثر خطورة مثل الفشل الكلوي خاصة إذا استمر الإنسان في تناول مياه ملوثة بمخلفات صناعية أو كيميائية مما يزيد من تركيز أملاح البوتاسيوم والكاسيوم في الماء وهو ما يؤدي إلي إصابة لإنسان بهذا المرض الخطير.
وأكد ان استخدام الكلور بكثرة في تعقيم المياه، وبدون مراعاة النسب المسموحة قد يكون له تأثيرات أخطر، حيث إنه قد يؤدي إلي إصابة الإنسان بالفشل الكلوي والسرطان.
 

أهم الاخبار