مصر الثائرة‮.. ‬من‮ »‬الاستقلال التام‮«.. ‬إلي‮ ‬الشعب‮ »‬يريد إسقاط النظام‮«‬

92‮ ‬عاماً‮ ‬علي‮ ‬ثورة‮ ‬1919

ملفات محلية

الثلاثاء, 08 مارس 2011 20:09
كتب:خيري‮ ‬حسن

‮»‬خلاص‮ .. ‬مفيش مناقشة‮«‬

بهذه الكلمات ختم الجنرال‮ »‬واطسون‮« ‬حديثه مع سعد زغلول وإسماعيل صدقي‮ ‬ومحمد محمود وحمد الباسل‮. ‬وذلك‮ ‬يوم‮ ‬6‮ ‬مارس‮ ‬1919‭.‬

كان الجنرال‮ ‬يفعل ذلك بتكليف من السيد‮ »‬ريجينا وينجت‮« ‬المندوب السامي‮ ‬البريطاني‮ ‬في‮ ‬مصر‮. ‬حيث كان قد رفض من قبل سفر الوفد المصري‮ ‬إلي‮ ‬فرنسا،‮ ‬لعرض المطلب الشعبي،‮ ‬بالاستقلال التام‮.‬

 

أحوال مصر في‮ ‬ذلك اليوم كيف كانت؟

كان الملك فؤاد الأول علي‮ ‬رأس البلاد،‮ ‬والإنجليز‮ ‬يحتلون الوطن،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يغلي‮ ‬منذ احتلاله عام‮ ‬1882،‮ ‬بعد القضاء علي‮ ‬ثورة أحمد عرابي‮. ‬وعن ذلك‮ ‬يقول المفكر سلامة موسي‮: »‬في‮ ‬عام‮ ‬1882حكم علينا الإنجليز،‮ ‬بمعاونة المستبدين المصريين،‮ ‬بالموت السياسي،‮ ‬وبقينا‮ - ‬والكلام لـ سلامة موسي‮ - ‬في‮ ‬هذا الموت إلي‮ ‬عام‮ ‬1919،‮ ‬حين بعثنا وشرعنا نعود للتاريخ‮«.‬

انتهي‮ ‬اللقاء مع الجنرال‮ »‬واطسون‮« ‬كموندان عام الانجليز في‮ ‬مصر،‮ ‬وخرج الوفد بقيادة سعد زغلول،‮ ‬وكلهم تصميم علي‮ ‬ما هم ذهبوا إليه‮. ‬فإذا لم تكن هناك‮ »‬مناقشة‮« - ‬حسبما قال لهم الجنرال‮ - ‬فالمؤكد أن هناك شيئاً‮ ‬آخر،‮ ‬يلوح في‮ ‬الأفق،‮ ‬فلتكن‮ »‬ثورة‮«!‬

الملك فؤاد الأول،‮ ‬لا‮ ‬يعلم شيئاً‮ ‬عن الرعية التي‮ ‬من المفروض عليه رعايتها،‮ ‬الوضع السياسي‮ ‬مأزوم،‮ ‬والاجتماعي‮ ‬متدهور،‮ ‬والاقتصادي‮ ‬صعب،‮ ‬والمحتل باق‮.. ‬ومن واقع مذكرات لمواطن‮ ‬يدعي‮ »‬وليم‮« ‬كان‮ ‬يقيم في‮ ‬حي‮ ‬الرمل بالإسكندرية نقرأ كيف كانت حياة المصريين العادية قبل اندلاع الثورة‮. ‬يقول‮: ‬نزلت إلي‮ ‬السوق حتي‮ ‬أشتري‮ ‬بعض متطلبات الحياة وكانت كالتالي‮: ‬اشتريت بـ‮ ‬8‮ ‬قروش خضار و‮ ‬13‮ ‬صاغ‮ ‬لحمة و‮ ‬5‮ ‬صاغ‮ ‬بيض،‮ ‬وبـ‮ ‬26‮ ‬صاغ‮ ‬سمك‮.. ‬وهي‮ ‬كميات تكفي‮ ‬بيتي‮ ‬لعدة أيام‮!‬

‮- ‬لم تمر أيام طويلة عن الجلسة التي‮ ‬جمعت سعد زغلول ورفاقه مع الجنرال‮. ‬وكان الجنرال وقتها قد حذرهم من نشاطهم ضد الحماية البريطانية‮. ‬وقال لهم لا تعرقلوا تشكيل الوزارة الجديدة،‮ ‬التي‮ ‬ستأتي‮ ‬بعد استقالة وزارة رشدي‮ ‬باشا‮.‬

مر علي‮ ‬هذا اللقاء‮ ‬48‮ ‬ساعة فقط‮.. ‬واصل الوفد برئاسة سعد زغلول الضغط علي‮ ‬الانجليز من أجل السفر،‮ ‬هنا قرر الانجليز القبض علي‮ ‬سعد زغلول وإسماعيل صدقي‮ ‬ومحمد محمود حمد الباسل ونفوهم إلي‮ ‬جزيرة‮ »‬مالطا‮« ‬كان ذلك‮ ‬يوم‮ ‬8‮ ‬مارس‮ ‬1919‮ ‬في‮ ‬الصباح تحركت القيادات الوطنية إلي‮ ‬بيت الأمة،‮ ‬وفي‮ ‬منتصف نهار‮ ‬9‮ ‬مارس‮ ‬1919‮ ‬جاء طلبة جامعة القاهرة‮.. ‬ورفض الطلبة مبررات القيادات،‮ ‬التي‮ ‬طالبتهم وقتها بالصبر،‮ ‬وتحكيم المنطق والعقل‮.. ‬وقالوا للطلبة عودوا إلي‮ ‬دراستكم،‮ ‬وبالفعل عاد الطلبة،‮ ‬لكن وهم في‮ ‬طريق العودة،‮ ‬ثارت ثورتهم،‮ ‬وبدأت الثورة سلمية،‮ ‬تحولت إلي‮ ‬شعبية عارمة،‮ ‬حاولت السلطة العسكرية البريطانية التصدي‮ ‬لها،‮ ‬لكنها فشلت‮. ‬وبدأت

اضرابات العمال والموظفين والمحامين وكل فئات الشعب المصري‮. ‬وتوقفت الحياة بصورة كاملة،‮ ‬بعدما امتدت الثورة إلي‮ ‬المدن والقري،‮ ‬ودمر الفلاحون قضبان السكة الحديد،‮ ‬وعواميد التليفونات والتلغراف والقطارات الحربية البريطانية‮.‬

كان شعار الطلبة وقتها الذي‮ ‬بدأت به المظاهرات هو‮ »‬الاستقلال التام أو الموت الزؤام‮«‬

شهداء الثورة

واستمرت المظاهرات،‮ ‬وتعامل الانجليز معها بالرصاص الحي،‮ ‬وبدأ الشهداء‮ ‬يتساقطون‮.‬

يوم‮ ‬12‮ ‬مارس حدثت مظاهرة في‮ ‬الإسكندرية وطنطا،‮ ‬ويوم‮ ‬14‮ ‬مارس سقط‮ ‬4‮ ‬قتلي‮ ‬و51‮ ‬جريحا وفي‮ ‬طنطا‮ ‬11‮ ‬قتيلاً‮ ‬و31‮ ‬جريحاً‮. ‬وفي‮ ‬نفس اليوم سقط‮ ‬14‮ ‬شهيداً‮ ‬في‮ ‬الإسكندرية و25‮ ‬جريحا‮. ‬وفي‮ ‬الفيوم سقط في‮ ‬يوم واحد‮ ‬400‮ ‬مصري‮ ‬ما بين شهيد وجريح‮.‬

ومن مدينة إلي‮ ‬قرية‮ ‬يسمع دوي‮ ‬طلقات الرصاص،‮ ‬فيسقط الشهداء ليكتب عنهم د‮. ‬طه حسين قائلاً‮ »‬رحم الله شهداء ثورة‮ ‬1919‮ ‬،‮ ‬لقد صغرت حياتهم في‮ ‬نفوسهم لنكبر نحن في‮ ‬نفوسنا‮. ‬لقد ماتوا فأحيانا موتهم‮. ‬رحم الله الشهداء،‮ ‬لم‮ ‬يكن أحد منهم‮ ‬يفكر في‮ ‬أحد منا،‮ ‬بل لم‮ ‬يكن أحد منهم‮ ‬يعرف أحداً‮ ‬منا،‮ ‬إنما كانوا‮ ‬يفكرون في‮ ‬مصر،‮ ‬ويعرفون مصر،‮ ‬ويبذلون نفوسهم في‮ ‬سبيل مصر‮. ‬وكنا نحن نحيا بهذا كله،‮ ‬بل بأنباء هذا كله‮«. ‬لقد شق الفلاح الأرض،‮ ‬مثلما طلب منه الثائر جمال الدين الأفغاني،‮ ‬الذي‮ ‬ظل‮ ‬يطالب بالثورة منذ أيام الخديو إسماعيل الذي‮ ‬كان‮ ‬يهاجمه علانية ويقول للناس‮ »‬أنت أيها الفلاح تشق الأرض لتستنبت ما تسد به الرمق،‮ ‬وتقوم بأود العيال،‮ ‬فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين‮ ‬يأكلون ثمرة أتعابك‮« ‬صوت الأفغاني‮ ‬مثلما وصل إلي‮ ‬الشعب في‮ ‬9‮ ‬مارس‮ ‬1919،‮ ‬وصل‮ - ‬أيضا‮ - ‬إلي‮ ‬الشعب في‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‭.‬‮ ‬إنها عبقرية شعب قادر علي‮ ‬الصبر،‮ ‬وقادر أكثر علي‮ ‬الثورة‮ ‬غير أن الحكام‮ - ‬دائماً‮ - ‬لا‮ ‬يعقلون،‮ ‬ويظلون في‮ ‬ظلمهم‮ ‬يتمادون،‮ ‬حتي‮ ‬تأتي‮ ‬اللحظة،‮ ‬وتثور الثائرة،‮ ‬وتدور الدائرة،‮ ‬وتحكم حلقاتها علي‮ ‬رقاب السلطة،‮ ‬فتسقط،‮ ‬علي‮ ‬مقصلة الثورة‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬غير رجعة‮.‬

‮- ‬وفي‮ ‬زمن الثورة تكتشف مصر نفسها كما‮ ‬يقول الكاتب والمؤرخ صلاح عيسي‮ ‬في‮ ‬ثورة‮ ‬1919‮ ‬اكتشفت مصر هويتها القومية،‮ ‬وسعت بقوة في‮ ‬أعقابها للبحث عن أهليتها للاستقلال الوطني‮ ‬ولحكم نفسها بنفسها‮. ‬ولقد فجرت الثورة طاقات مشابهة في‮ ‬كل

المجالات‮ - ‬كما‮ ‬يقول عيسي‮ - ‬ففي‮ ‬الإبداع المصري‮ ‬كان هناك مسرح سيد درويش ومحمد عبدالوهاب ومن أدب طه حسين وتوفيق الحكيم إلي‮ ‬صحافة محمد التابعي‮ ‬وفكري‮ ‬أباظة ومن نقد العقاد وشكري‮ ‬إلي‮ »‬تأريخ‮« ‬عبدالرحمن الرافعي‮ ‬وشفيق‮ ‬غربال،‮ ‬وكان هناك مدرسة اتولدت من رحم ثورة‮ ‬1919‮ ‬في‮ ‬الفكر الوطني‮ ‬تزعمها سلامة موسي‮ ‬ومحمد حسين هيكل،‮ ‬وعبدالقادر حمزة واسماعيل مظهر وأحمد لطفي‮ ‬السيد كما أفرزت الثورة مصريات رائدات مثل هدي‮ ‬شعراوي‮ ‬ونبوية موسي‮ ‬واستر فانوس ودرية شفيق وأمنية السعيد‮.‬

لماذا قامت الثورة؟‮ ‬

في‮ ‬ظل المعاملة القاسية التي‮ ‬عاناها المصريون من قبل البريطانيين والأحكام العرفية التي‮ ‬صدرت ضد المصريين،‮ ‬والرغبة في‮ ‬الحصول علي‮ ‬الاستقلال،‮ ‬قامت الثورة،‮ ‬وهي‮ ‬تعتبر أول ثورة شعبية في‮ ‬افريقيا وفي‮ ‬الشرق الأوسط،‮ ‬تبعتها ثورة الهند‮ ‬،‮ ‬والعراق،‮ ‬والمغرب وليبيا‮.‬

لقد لاقت الجماهير الفقيرة ظلم واستغلال أربع سنوات هي‮ ‬عمر الحرب العالمية الأولي،‮ ‬حيث كانت تصادر ممتلكات الفلاحين في‮ ‬الريف من أجل المساهمة في‮ ‬الحرب‮. ‬وتم تجنيد الآلاف من الفلاحين بصورة قسرية للمشاركة في‮ ‬الحرب تحت مسمي‮ »‬فرقة العمل المصرية‮«. ‬ونقصت السلع،‮ ‬وتدهورت الأوضاع المعيشية في‮ ‬الريف والمدن‮.‬

وشهدت القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين‮. ‬حاولت الحكومة وقتها مواجهة الغلاء،‮ ‬لكن كلها فشلت،‮ ‬هنا تحرك سعد زغلول وقرر تكوين وفد مصري‮ ‬للدفاع عن القضية بعد الحرب العالمية الأولي‮ ‬في‮ ‬وقت الهدنة‮. ‬اجتمع سعد زغلول،‮ ‬ومصطفي‮ ‬النحاس،‮ ‬ومكرم عبيد،‮ ‬وعبدالعزيز فهمي،‮ ‬وعلي‮ ‬شعراوي‮ ‬وأحمد لطفي‮ ‬السيد‮.. ‬وأطلقو علي‮ ‬أنفسهم الوفد المصري‮. ‬وقام الوفد بجمع التوقيعات من أصحاب الشأن،‮ ‬بقصد إثبات صفتهم التمثيلية،‮ ‬وجاء في‮ ‬الصيغة،‮ ‬نحن الموقعين علي‮ ‬هذا أنبنا عنا حضرات‮: ‬سعد زغلول‮.. ‬وفي‮ ‬أن‮ ‬يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي‮ ‬سبيلا في‮ ‬استقلال مصر،‮ ‬تطبيقا لمبادئ الحرية والعدل‮. ‬واعتقل سعد زغلول ونفي‮ ‬إلي‮ ‬مالطة ورفاقه،‮ ‬لتنفجر الثورة‮.‬

نهاية الثورة

اضطرت انجلترا إلي‮ ‬عزل الحاكم البريطاني‮ ‬وافرج عن سعد ورفاقه،‮ ‬وعادوا لمصر،‮ ‬وسمحت انجلترا للوفد بالسفر إلي‮ ‬مؤتمر الصلح في‮ ‬باريس لم‮ ‬يستجب أعضاء مؤتمر الصلح بباريس لمطالب الوفد المصري،‮ ‬فعاد المصريون إلي‮ ‬الثورة وزاد حماسهم،‮ ‬وقاطع الشعب البضائع الإنجليزية،‮ ‬فألقي‮ ‬الانجليز القبض علي‮ ‬سعد زغلول مرة أخري،‮ ‬وتم نفيه إلي‮ ‬جزية سيشل في‮ ‬المحيط الهندي‮. ‬فازدادت الثورة اشتعالاً،‮ ‬وحاولت انجلترا القضاء علي‮ ‬الثورة بالقوة ولكنها فشلت‮.‬

ثورة نموذج‮ ‬

يعتبر الباحثون ثورة‮ ‬1919‮ »‬ثورة نموذج‮« ‬من حيث قدرتها علي‮ ‬استيعاب القوي‮ ‬الاجتماعية المختلفة‮. ‬ولقد شقت ثورة‮ ‬19‮ ‬مجري‮ ‬الحركة الوطنية المصرية حول ثابتين سيادة الأمة بوجهيها الاستقلال والدستور‮. ‬والوحدة الوطنية بقاعدتيها المواطنة والعدالة الاجتماعية‮. ‬وخلقت الثورة شعار الدين لله والوطن للجميع‮.‬

وتمر السنون،‮ ‬ويكافح الشعب حتي‮ ‬يخرج الانجليز،‮ ‬ويتوالي‮ ‬عليه الحكام،‮ ‬يمارسون عليه كل أنواع الظلم والاستبداد والقهر،‮ ‬فيقرر أن‮ ‬يكرر ثورته بعدما‮ ‬يقرب من‮ ‬92‮ ‬عاماً،‮ ‬في‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011،‮ ‬حيث خرج هذه المرة الشباب‮ - ‬وليس الطلبة‮ - ‬ومعهم الشعب،‮ ‬ليعيد التاريخ‮ - ‬بصورة أو بأخري‮ - ‬نفسه‮. ‬وإن كانت الصيحة التي‮ ‬زلزلت عرش المحتل في‮ ‬9‮ ‬مارس‮ ‬1919‮ ‬الاستقلال التام أو الموت الزؤام،‮ ‬فإن شعار ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬هي‮ ‬الشعب‮ ‬يريد إسقاط النظام لينتهي‮ ‬عصر من النهب والقهر والظلم،‮ ‬دام سنوات‮ ‬ينهش في‮ ‬جسد الوطن‮.‬

وعاشت مصر‮!‬

 

أهم الاخبار