رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مغامرة في بيت الرئيس

ملفات محلية

الجمعة, 04 مارس 2011 12:32
كتبت- هانم الفشني

قبل 25 يناير الماضي، لم يكن يجرؤ مصري واحد أن يقترب من محيط المكان الذي يقع فيه بيت الرئيس مبارك بمصر الجديدة »شرق القاهرة« وعلي بعد أمتار قليلة من مطار القاهرة الدولي.

فمجرد الاقتراب من قصر الرئيس يعني أن هناك احتماليين لا ثالث لهما: القتل أو الذهاب وراء الشمس.. ولا يدري أحد عنك؟! ولكننا في »الوفد الأسبوعي« فعلناها واقتربنا بل دخلنا قصر الرئيس مبارك وتجولنا في حديقته وتحدثنا إلي حراسه من بوابة قصر مجاور.. وجئنا من هناك بأصل الحكاية.

فبينما كانت مصر كله بل العالم أجمع يتابع تنحي الرئيس ورحيله مجبرًا بفعل صوت الثورة وحناجر شباب ميدان التحرير كنا نعد العدة لهذه المغامرة وكان أول الخيط ذلك القصر المهجور الملاصق لقصر الرئيس في الشارع المؤدي إلي نادي هليوبليس »مدينة الشمس في العصر اليوناني« ونقول مهجورًا لأن مبارك وأسرته ظلوا طيلة 30 عاما يمنعون أي ساكن أو مشتر للقصر من العيش به، فالمكان لهم فقط ولا أحد غيرهم يعيش هنا بجوار رئيس مصر المحروسة.

فمن هذا القصر المهجور المملوك لأسرة سورية تستطيع رؤية غرفة نوم مرك بل ونقول له صباح الخير يا ريس أثناء تجوله في الحديقة الخضراء، أو يستلقي علي ظهره مستمتعا بحمام شمس.. ومنه أيضا تتمكن من معرفة كل شاردة وواردة تحتفظ بها جدران ذلك المكان الذي صدرت منه أهم قرارات دمرت مصر وسرقت أحلام شعبها.

والمفارقة العجيبة هنا أن هذا القصر المهجور الذي تبلغ مساحته 2645 مترًا كان صاحبه السوري اشتراه بنحو 50 مليون جنيه، في الستينيات من القرن الماضي وبعد وفاته اختلف الورثة علي التركة وقرروا بيعه في مزاد علني تسابق فيه رجال أعمال مصريين وعربًا للفوز به، ولم لا؟ فالمكان بقيمة من يسكن به أو من يجاوره، والجار هنا لرئيس مصر محمد حسني مبارك »قبل خلعه طبعًا«.. وفي المزاد فوجئ الورثة برجل أعمال من دولة قطر يعرض شراء هذا القصر المهجور بـ180 مليون جنيه، وتنافس معه علي الشراء أحد أفراد العائلة المالكة السورية، إلا أن كل محاولات البيع والشراء باءت بالفشل بسبب تدخل مبارك واعتراض مؤسسة الرئاسة علي إكمال إجراءات المزاد بحجة »دواع أمنية« والأعجب أن مؤسسة الرئاسة عرضت علي الورثة الملاك تعويضهم من أجل عيون مبارك إلا أن التعويض لم يكن مجزيا وتم رفض العرض، وتدمير كل أرجاء القصر، وينتشر أفراد الحرس الجمهوري وأمن الدولة في محيطه من الداخل والخارج.. ويبدو أن الورثة يعضون اليوم أصابع الندم علي عدم قبول عرض الرئاسة، فالقصر اليوم وبعد رحيل مبارك لم يعد يسوي كل هذه الملايين ولا حتي تعويض مؤسسة الرئاسة؟!.

في طريقي إلي القصر، كنت أحدث نفسي، ماذا لو تم القبض علي من قبل الحراسة، وهل سأتمكن بالفعل من تحقيق حلمي ودخول قصر الرئيس مبارك حتي ولو عن طريق تسلق جدار القصر المجاور؟.

انطلقت بسيارتي باتجاه منطقة مصر الجديدة كانت تسمي في العصر الفرعوني باسم »أون الفرعونية« تاركة خلفي طريق صلاح سالم، ونادي الحرس الجمهوري، ومن فوق نفق العروبة عرجت يسارًا باتجاه العودة في طريق العروبة، ومنه دلفت يمينًا إلي نادي هليوبليس وقصر الأمير الوليد بن طلال المعروف باسم »قصر المحمدية«، ومن هنا وجدت نفسي بسرعة أمام القصر المقصود فاليوم »جمعة« والطريق خال إلا من بعض السيارات الفارهة تعد علي أصابع اليد، وعدد كبير من ضباط وجنود الحرس الجمهوري.

لا أخفيكم سرًا.. شعرت بخوف شديد.. ارتبكت وبصعوبة شديدة حاول لملمة أعصابي المبعثرة وأنا أقف أمام القصر، فالشارع من أوله إلي آخره مزروع بالدبابات والعربات المصفحة.. من خلف جدران السور أطل بوجهه الشاحب شاب في عقده الرابع سألني بعصبية وغضب: ماذا تفعلين هنا وما سبب تواجدك أجبته سريعًا: »أنا سمسارة عقارات وعلمت أنه يوجدنا قصر يمتلكه رجل سوري ويريد بيعه.. فهل تعرف هذا القصر. فأجابني بنفس السرعة.. هذا هو ولا تنسينا في الحلاوة.

أدركت أنه اطمأن لي، وطلبت منه الدخول إلي القصر، إلا أنه رفض بداية وقال »هذا ممنوع بأمر من الرئيس« ولو كان هنا، ما كنت تقفين الآن أمامي؟! قاطعته.. ماذا تقصد؟.. فأجابني ساخرًا: لا شيء.. ومضي يشرح الأمين عماد حكايته مع ذلك القصر الملاصق لقصر مبارك.

قال عماد: القصر المهجور يطل علي قصر الرئاسة، ومنه يمكن أن يقتحم أي شخص قصر مبارك.. ومهمتي هنا منع تنفيذ هذا الاقتحام.. والتعليمات عندنا: الضرب بالنار لأي واحد يفكر حتي المرور من هنا«.. أقاطعه ثانية.. ولكنني دخلت الآن ولم تضربني.. فيرد مبتسمًا.. الزمان اختلف. الثورة قامت يا اخت هدي »هكذا أفهمته« وقبل أن يدربوني علي حمل السلاح علموني أيضا كيف أفهم الأشخاص وأنا حاسس كده أنك وش الخير علي إن شاء الله، وسوف يأتي علي يديك مشتر وتعطيني الحلاوة الكبيرة، علشان استقيل من الشغلانة الزفت دي، فالواحد حاسس أني سأموت هنا علي يد أي شخص يكره مبارك.. فالناس كلها ضده ولا تحبه وقبل أن ينهي كلامه تقدمت بخطوات وئيدة إلي البوابة الرئيسية للقصر المهجور »والهدف في رأسي أن أري قصر مبارك وأملي عيني من حديقته والمكتب الخاص الذي كان يمضي فيه الرئيس وقتا ليس بقليل مع زوجته سوزان«.. وإذ بالأمين عماد يرجوني بصوت خافت أن لا اتجاوز إلي الداخل »هتسببي لي مشكلة وسأروح في داهية لو حد شافك«.. أطمئنه تسبقني خطوات..

»ما تخفش« أنا عايزة اتفرج عليه من الداخل علشان أحكي للمشتري المليونير علي كل التفاصيل.. وسأراضيك يا سيدي«.

لم ينطق عماد بكلمة.. فقط ظل ينظر خلفه تارة، وعن يساره تارة أخري.. وما إن سمع صوت إحدي السيارات.. تلون وجهه بكل ألوان الطيف وأخذ يتمتم واضعا يده علي فمه: ربنا يستر.. ربنا يستر.. أرجوكي بسرعة اتفرجي واخرجي بسرعة.. وأنا في انتظارك« أخرجت الكاميرا وأخذت التقط صورًا من هنا وهناك.. وفجأة يقطع انهماكي صوت من الخارج وعلمت فيما بعد أنه أحد الضباط يتحدث إلي الحارس، بخوف شديد ولم أجد نفسي إلا خارج القصر بين أشجار عتيقة في الحديقة تجاور سور قصر مبارك، فانتهزتها فرصة وتسلقتها حتي تجاوزت السور، ولم أشعر إلا وأنا داخل قصر الرئيس أشاهد حديقته وغرفه وصالاته وبنفس السرعة ورهبة الموقف عدت أدراجي ثانية إلي القصر المهجور، لأجد صاحب البدلة الزرقاء أمين الشرطة عماد يقف وبعض زملائه تحت السلم المؤدي إلي القصر، فاختلست الممر وعبرت إلي غرف القصر المهجور مجددًا، يقابلني في هذه المرة صندوق من الحديد، مغلق بقفل كبير حاولت فتحه لأعرف ما بداخله إلا أن أعصابي المرتعشة لم تساعدني.. وعاد عماد ليأمرني بالخروج فورًا »اجري بسرعة أحسن بيعلَّمونا عنك«،.. فسألته.. ماذا تعني؟

فأجانبي »الحراسة شاهدتك وأنت تقومين بتصوير القصر من الخارج.. وأبلغوا عن سيارتك ورقمها« وعندها طلب رقم هاتفي »فهو يريد الحلاوة« فأعطيته رقما مخالفًا، وبادلني هاتفه علي عجل من أمره متعللاً بانتهاء موعد مناوبته، حيث يأتي زميل آخر فغادرت المكان بالفعل حتي لا يفتضح أمري، وبعد عدة ساعات عدت ثانية إلي القصر المهجور، وفي هذه المرة لمحت عن بعد شخصين بداخله، جاءني أحدهما سائلا: »خير.. حضرتك عايزة حاجة« فزعمت إنني هدي عبدالرحمن مهندسة تعيش في أمريكا، جئت منذ أسبوعين وأريد شراء القصر، فنظر إلي المكان حوله وقال بدهاء المصريين »آه حضرتك متابعة الأخبار«.. ومضي يتحدث بمرارة غريبة »أصل الريس كان موقف حال القصر ده، ومانع أصحابه من بيعه.. منه لله«!!.

وانقطع فجأة عن الحديث وطلب مني أن »أتفرج عليه بسرعة« هكذا طلب قبل أن يذكرني بالحلاوة نفسها التي طلبها قبل زميله عماد »ما تنسيش بقي حضرتك تراضيني أنا وزميلي«.. وبعدها صعد معي إلي الدور الثاني، ثم تركني للحظات استطعت خلالها التقاط صور مختلفة من الداخل، اضافة إلي صور أخري لقصر مبارك.

وعندما سألته: إلي أي جهة تتبعون قال مفتخرًا »احنا أمن الدولة« وموجودين هنا منذ 15 عامًا بأمر من حسني فقلت له.. من تقصد.. الرئيس؟.. فقال دون خوف أو وجل »اللي كان ريس.. دلوقتي ريس نفسه« وانخرط الشاب في الضحك.. وقبل أن أتركه أبلغني أن المسئول عن هذا القصر المهجور الآن محمود طنطاوي »شقيق المشير طنطاوي وزير الدفاع، ووعدني بأن يحضر لي رقمه مقابل دعوة غداء أو كما قال »يا ست الكل تغديني«..

وما إن غادرت المكان اتصلت بزميله عماد »صاحب نوبتجية الصباح« لأطمئن علي الأحوال، وطلبت منه أن يسمح لي بدخول القصر مرة ثالثة بحجة أن الصور لم تعجب المشتري، فوافق قائلا: »تعالي الساعة الواحدة ظهرًا علشان نضبط الدنيا ونتابع الجو«.

وفي صباح اليوم التالي فوجئت برقم غريب يتصل بي، وكان علي الطرف الآخر شخص يقول: »ازيك يا أستاذة مش حضرتك الصحفية هدي« وبنفس درجة الاستعباط قلت: مين.. عم حسن السمسار فإذا به يضحك ويقول لأ أن عبدالحميد زميل عماد اللي فرجك علي القصر المهجور فقلت له خيرًا.. وما سبب اتصالك؟

فأجابني بنبرة هادئة: مفيش حاجة يا ست الكل أبلغني عماد أن معك مشتريا للقصر، ولكنه خايف شوية.. أصله جبان لا مؤاخذة يعني.. ومش فاهم حاجة.. ويا ريت بقي يبقي الكلام معايا أنا.. وبعدين مش هننساه في الحلاوة؟!.

فتظاهرت بالموافقة.. وعندها ما كذب خبرًا وقال متلهفًا »أنا بانتظارك النهاردة الساعة الثالثة آخر سور نادي هليوبليس.. بعد أن تدخلي يمين من جنب المسجد الأبيض«. وبالفعل كان عبدالحميد عند وعده.. ففي نفس الموعد والمكان وجدته بانتظاري مرتديا بدلة بيج وفي يده جهاز اللاسلكي وبسرعة فتح الباب وقفز إلي جواري في مقعد السيارة الأمامي وعندها انقبض قلبي.

وقبل أن يدخل بي في الشارع الفرعي طلب رؤية بطاقتي الشخصية وأخذ يدقق فيها، وإذ به يسألني.. الاسم هانم.. فما حكاية هدي دي؟ فخرجت من الموقف متعللة بأنه اسم الشهرة وعندها حاول أن يظهر لي ذكاءه الخارق قائلا: »أه.. يا شقية.. اسم حركي.. زي اسمي يعني، ولما لاحظ استغرابي.. قال: لا تندهشي كلنا هنا بأسماء حركية غير أسمائنا الأصلية.. وأخذ يستغرق في كل التفاصيل.. »اسمي الحركي عبدالحميد محمد أحمد.. والحقيقي إبراهيم وفجأة.. غير الكلام

ليسألني.. هل أنت مالية ايدك يعني من الرجل اللي هيشتري القصر ده« فقلت له زي ما أنا مالية ايدي منك بالضبط وما كدت أنهي لكلامي حتي تهللت أساريره، والتحمت تعرجات جبينه وتابعني بسؤال آخر.. وليه يعني المشتري ده عايز يسكن جنب الرئيس«.. فتابعته.. مزاجه كده.. وكل واحد حر بفلوسه وملايينه.. احنا مالنا يا عم.. إحنا نأخذ العمولة وخلاص.. فاحمر وجهه مسرورًا عندما سمع كلمة العمولة.. وقال: معك حق تلاقيه عايز يعمل زي الوليد بن طلال أصله واخد قصر جوار البيت الأبيض وعليه حراسة من الداخلية، وحتي يوهم الناس »علق عليه لافتة »فيللا المحمدية«.. حاولت أن أنقله إلي زاوية أخري بعيدًا عن ملاحقتي بالاسئلة، وقلت له احكي لي عن أيامك هناك.. كم مرة شاهدت الرئيس مبارك هنا.. وكيف كان يعاملكم؟ وهل كان كريما معكم.. أم بخيلا؟ يتنهد عبدالحميد.. ويخرجها صريحة.. بخيل قوي.. قوي.. أنا في الحراسات من عام 1992، وعملت مع معظم الوزراء منهم أحمد أبوالغيط وزير الخارجية، وكان يعطيني 750 جنيها من جيبه الخاص بالاضافة إلي راتبي، وأقل وزير كان يراضيني بـ300 جنيه في الشهر ويواصل عبدالحميد »اسمه الأصلي إبراهيم«.. منذ خمس سنوات تقريبًا جئت إلي هنا حراسة علي بيت الرئيس مبارك، ولا أخفي عليك أنني كنت أطير من الفرحة عندما قالوا لي هتحرس بيت الريس.. قلت الرئيس هينغنغني، ولكن خاب ظني.. وبعد أن استدار للخلف قليلا، قبض علي يدي قائلاً: أقسم بالله يا اختي هدي ما كان يعطيني مليما أحمر.. قلت لعبد الحميد.. وإذا كنتم تكرهونه لهذه الدرجة.. لماذا وافقتم علي حراسته، فيجيب: أكل العيش بقي، ولكنه الآن ليس هنا.. فماذا تفعلون؟

لا.. زوجة ابنه تأتي وتعود.. ربما بتاخذ حاجات معينة في الأيام الأولي لرحيل مبارك إلي شرم الشيخ كانت قاعدة في الداخل لا تخرج إلا للضرورة.. والتعليمات تقول احرسوها.

غالبني فضولي وعيني هذه المرة علي قصر مبارك فطلبت من تصويره من الداخل.. فأغلق عينيه برهة وصاح مندهشًا: يا نهار أسود.. أنت بتشتغلي ايه بالضبط.. وليه تريدي التصوير.. فكررت له ما قلته سابقًا: نسيت الحلاوة ولا ايه؟!

وعاد يكرر: ده قصر مبارك يا هدي.. عارفة يعني ايه مبارك.. وأخذ يترجل باتجاه سور القصر حتي وقف بي أمام رجل كبير في السن يرتدي بدلة زرقاء فاجأنا بالسؤال: ماذا تريدون؟.. فأجابه عبدالحميد.. الآنسة هدي جايبه مشتري للقصر المهجور ده؟ وسأله العجوز: معاها تصريح فيرد عبدالحميد بشهامة المصريين وأولاد البلد الجدعان: »إيه يا عم.. أنا التصريح مش عاجبك ولا ايه« عندها.. قال العجوز: ادخلي واخرجي بسرعة والنبي.. وأخذ يشرح لي جانبًا من ذاكرة المكان قائلا: الشجرة ده شهدت أحداثًا غريبة.. والجنينة دي كان بيقعد فيها الرئيس.. وهؤلاء الذين يأكلون هناك »بعض الحراس« كانوا لا ينامون الليل.. ولو أنه موجود الآن ورآهم يأكلون هكذا جماعة لخرب بيتهم، علي طول قاطعته.. ولكن خديجة زوجة جمال هنا.. وممكن تخرب بيتهم أيضا، فأجابني مستنكرًا وكأن روح ثورة 25 يناير سكنت في دمه: لا.. لا تستطيع فعل شيء.. لا بتهش ولا بتنش.. ربنا هداها.. شكلها ماتت جوه ما حدش سامع لها صوت.. ولو اتكلمت كلمة أو أخطأت لن نسكت لها.. وسنعطيها علي دماغها.. تحمد ربنا أننا قاعد بنحرس لها بيتهم بدل ما حد يدخل فيه ويولعه«.

كان يحدثني فيما كانت عدسات الكاميرا تجوب حديقة قصر مبارك، ولولا أن لمحني عسكري حراسة القصر جاء لتوه من الناحية الأخري لكنت تجولت في قصر من نهب مصر وأذل شعبها 30 عامًا.. ولم ينقذني من ذلك العسكري الذي لمح الكاميرا في يدي سوي عبدالحميد »إبراهيم« بقوله: الآنسة بتتفرج علي القصر المهجور علشان عندها مشتري.. ولم ينطق العسكري بأي كلمة.. وفي طريق الخروج وجدت نفس الصندوق الذي عجزت عن فتحه في المرات السابقة.. فسألت ايه الحكاية: فقال عبدالحميد: والله ما أعرف عنه حاجة.. موجود هنا من سنين وممنوع الاقتراب منه.. وإلي سيارتي اتجه معي إبراهيم واقترب مني هامسًا: لو عندك أي مصلحة ثانية.. ما تنسينشي أنا جدع وأعجبك واشتغل في كل حاجة؟.. ويواصل.. لو كنت جئتني من شهرين.. كانت هنا فيلا بجوار الرئيس من الناحية الثانية تم بيعها بـ17 مليون جنيه تصوري!!.. وأما هذه الأرض، أشار عليها من نافذة السيارة.. فهي أيضا للبيع، وطلب مني التوقف عند »كشك« به شرطي وقال له: الآنسة عايزة تتفرج علي الأرض.. فقال له: أنت تأمر.. احنا رجالتك يا باشا.. وفي الطريق إلي الأرض قال لي عبدالحميد إذا سألك أحد فقولي له »أنا جاية هنا لواحدة صحبتي اسمها هبة الحلو«.. وطلب مني الدخول إلي الموقع فيما بقي هو »يلاغي« الحرس كما وعدني حتي أنجز مهمة التصوير.. وبعدها ودعوني جميعا علي أنني هدي السمسارة ولو علموا الحقيقة لكانوا قتلوني.

الجيران يتحدثون

وإلي العمارات المجاورة للقصر الرئاسي من الجهة الأخري وبالتحديد من شارع منشية الطيران، لم تكن مهمة الاستطلاع صعبة، فمن سطح العمارة رقم 28 تستطيع أيضا رؤية القصر ولو من علي بعد.. وهو ما أكده لي عم فتحي الحارس الذي شعر بحريته منذ قيام الثورة أو كما قال: عشنا أيامًا مهببة.. كلنا هنا كنا مرعوبين.. وكنا خايفين أن الثوار يأتوا إلي القصر هنا ويولعوا فيه.. ويواصل فتحي الحارس.. أنا فرحان يا بنتي إني الآن اتحدث بحرية وبأكلمك بدون خوف احنا كنا واخدين تعليمات ما نتكلمش خالص مع أي حد ولكن.. الآن مشي.. ورحل عنا.. ومن حقنا نتكلم ونقول كل حاجة.. مش كدة ولا إيه. ويحكي محمد فتحي (من جيران الرئيس) ويعمل في احدي شركات السياحة أن أسعد لحظة عاشها كانت يوم تنحي الرئيس مبارك.. وكان نفسنا يمشي من زمان.. كنا نعيش هنا في رعب وخوف من أي تصرف أو سلوك حتي ولو كان بسيطاً والكل يسألنا.. رايح فين.. جاي منين.. وكأننا أيام الاحتلال؟!. وتذكر ميادة علي بائعة في محل ملابس رياضية« انها لم تستطع الخروج من المحل وتعود الي منزلها يوم اندلاع الثورة.. بسبب الدبابات التي كانت تحاصر المكان من كل حدب وصوب. ويروي لي عم ابراهيم السمسار ان أسعار العقارات كانت قبل رحيل مبارك عن المنطقة »نار« فأقل شقة في حي العروبة بجوار الرئيس لا تقل عن مليون جنيه ويكفي ساكنها انه يري الرئيس. وهو يجلس في الحديقة ويأكل ويشرب في الصالة الرئيسية التي تتصدر القصر.. وقبل أن أغادر المنطقة طاردني السؤال.. هل ستبقي الشقة بمليوني جنيه في هذا المكان بعد اليوم وهل سيبقي ثمن القصر المهجور الذي بدأت منه مغامرتي 180 مليون جنيه بعد محاكمة مبارك وأسرته؟! أم سنكون علي موعد مع قصر آخر لرئيس مختلف.

{iarelatednews articleid="20830,20773,20769,20747,20745,20744"}

أهم الاخبار