حي‮ ‬الأربعين‮.. ‬من هنا بدأت انتفاضة السويس

ملفات محلية

الخميس, 24 فبراير 2011 19:31

كانت محافظة السويس وخاصة حي‮ ‬الأربعين بمثابة الشرارة الأولي‮ ‬للثورة الشعبية منذ بدايتها حيث شهدت أول الأعداد الكبيرة في‮ ‬المظاهرات وأول أحداث عنف بين الشرطة والشعب كذلك بداية إحراق أقسام الشرطة وسقوط الضحايا برصاص وزارة الداخلية‮.‬

كما أن السويس كانت المحافظة الأولي‮ ‬التي‮ ‬شهدت نزول الجيش المصري‮ ‬بها في‮ ‬الخامسة مساء‮ ‬يوم‮ ‬28‮ ‬يناير وهو جمعة الغضب‮.‬

اندلعت المظاهرات في‮ ‬حي‮ ‬الأربعين بالسويس مع باقي‮ ‬محافظات مصر والعاصمة في‮ ‬25‮ ‬يناير للتعبير عن‮ ‬غضبهم الشديد تجاه الأوضاع في‮ ‬مصر وما أسفرت عنه نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية من تزوير فاضح وفادح لصالح مرشحي‮ ‬الحزب الوطني‮.‬

إلا أن السويس كانت تختلف في‮ ‬أن خيراتها لم تكن من نصيب أبنائها في‮ ‬الوظائف المختلفة وحرمانهم من التمتع بما تأتي‮ ‬به قناة السويس علي‮ ‬مصر من خير‮.‬

وكان‮ ‬يوم الخميس‮ ‬27‮ ‬يناير‮ ‬يوماً‮ ‬في‮ ‬غاية الصعوبة بعد أن تحولت حي‮ ‬الأربعين إلي‮ ‬ساحة للصدام والمشادات بين رجال الشرطة والشعب بعد قيام الشرطة باعتقال المئات من الشباب وقتل ما‮ ‬يزيد علي‮ ‬5‮ ‬أفراد برصاص وزارة الداخلية علي‮ ‬يد جحافل الأمن المركزي‮.‬

وبدأت أعمال التخريب بقيام المتظاهرون باقتحام مقر الاسعاف بالحي‮ ‬واستولوا علي‮ ‬كل ما فيه من الطفايات حتي‮ ‬خزانة الاسعاف لم تنج من بعضهم كذلك اسطوانات الغاز لتنتقل كل هذه الاعمال الي‮ ‬وحدة بيع وصيانة الاسعاف المجاورة وما هي‮ ‬الا دقائق ليتحول المقرات الي‮ ‬كتلة من النيران‮.‬

وظلت أعمال العنف تتزايد كذلك استمرار الصدام بين رجال الشرطة والمتظاهرين وباءت كل محاولات التهدئة بالفشل مع تمسك الشباب بالافراج الفوري‮ ‬عن المعتقلين المتواجدين داخل السجون‮.‬

وقام مدير الأمن بالذهاب إلي‮ ‬قسم شرطة الأربعين في‮ ‬حضور ممثلي الأحزاب والقوي‮ ‬الوطنية ليفرج عن بعض الشباب المعتقل منذ بداية المظاهرات ظنا منه ان ذلك الاجراء قد‮ ‬يهدئ من الأمور،‮ ‬الا انه ظنه كان خاطئا‮.‬

حيث خرج الشباب من السجن وتبدو عليهم ملامح الانكسار والدهشة وعدم القدرة علي‮ ‬التحدث وذهبوا إلي‮ ‬ذويهم والمتظاهرين ليخبروهم بما حدث لهم داخل السجن‮.‬

قال الشباب إن مخبري‮ ‬القسم عاملوهم بقسوة

شديدة وسكبوا عليهم المياه طوال الوقت لحرمانهم من النوم وكان كل ذلك أمراً‮ ‬عادياً‮ ‬ومتوقع لهم داخل السجن في‮ ‬ظل سياسة الوزير السابق حبيب العادلي‮ ‬وزير الداخلية وزبانيته‮.‬

أما‮ ‬غير المتوقع هو ادلاء المسجونين من الشباب بأحاديث تؤكد قيام المخبرين بإجبارهم علي‮ ‬ممارسة اللواط داخل الحجز حتي‮ ‬يكونوا عبرة لزملائهم في‮ ‬الخارج وبالتالي‮ ‬يخشي‮ ‬الشباب من اعتقالهم وتكرار نفس الأمر لهم‮.‬

إلا أن ذلك كانت بمثابة القشة التي‮ ‬قصمت ظهر البعير وأشعلت النيران في‮ ‬نفوس الشباب قبل ان‮ ‬يشعلوا بأنفسهم النيران في‮ ‬قسم الشرطة نفسه‮.‬

استمر الصدام والعنف حتي‮ ‬الساعات الأولي‮ ‬من صباح الجمعة في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت هناك دعوات للسوايسة للمشاركة في‮ ‬جمعة الغضب‮ ‬28‮ ‬يناير بعد أن أشعل الشباب النيران في‮ ‬رئاسة حي‮ ‬الأربعين رغم كل ممارسات الشرطة معهم وإلقاء آلاف القنابل المسيلة للدموع لعرقلة تظاهراتهم والتي‮ ‬واجهها الشباب باستنشاق البصل والخل ليتمكنوا من المقاومة‮.‬

وجاء صباح‮ ‬يوم جمعة الغضب هادئا للغاية كأن المحافظة لم تشهد أي‮ ‬أعمال سابقة حتي‮ ‬أذان صلاة الجمعة والتي‮ ‬تمركزت الصلاة في‮ ‬مسجد حي‮ ‬الأربعين بشارع الجيش وهو أشهر الشوارع في‮ ‬المحافظة إلي‮ ‬جانب دعوة الآلاف للصلاة في‮ ‬المساجد المحيطة بحي‮ ‬الأربعين‮.‬

وبمجرد انتهاء الصلاة كانت هتافات‮ »‬يسقط‮ ‬يسقط حسني‮ ‬مبارك‮« ‬تخرج من داخل صحن المسجد ليتحرك بعدها المصلون بمشاركة الوافدين من المساجد الأخري‮ ‬في‮ ‬أروع مسيرة سلمية شارك فيها مئات الآلاف تحت شعار‮ »‬الشعب‮ ‬يريد إسقاط النظام‮«.‬

ولم‮ ‬يستطيع المرء مشاهدة بداية المظاهرة واخرها التي‮ ‬سيطرت علي‮ ‬شارع الجيش بأ:مله لتذهب إلي‮ ‬مبني‮ ‬محافظة السويس تطالب بسقوط النظام وإقالة المحافظ‮.‬

ولم‮ ‬يتواجد أمام مبني‮ ‬المحافظة إلا مدير الأمن بعد مدة من بداية المظاهرة وتحدث الي‮ ‬الناس من خلف رجال الأمن المركزي‮ ‬في‮ ‬صورة تعبر

عن الخوف والقلق أكثر من أي‮ ‬شيء آخر‮.‬

بدأت جموع المتظاهرين تتحرك في‮ ‬الشوارع الجانبية وحدثت مشادات بين الشباب والأهالي‮ ‬ورجال الشرطة للمطالبة بالافراج عن المسجونين الذين تم اعتقالهم خلال المظاهرات،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬لم‮ ‬يستجب له رجال الشرطة وظنوا أن اقامة الموانع وسيارات الأمن المحيطة بقسم الشرطة قد تحميهم من المواطنين‮.‬

ازداد الغضب واشتعلت الثورة وسط الغازات المسيلة للدموع التي‮ ‬ملأت شوارع المحافظة الا ان المتظاهرين اقتحموا قسم شرطة حي‮ ‬الأربعين وأخرجوا كل المحتجزين به وللأسف فقد استولي‮ ‬بعضهم علي‮ ‬قطع السلاح بالمئات بعدها تم اقتحام بعض المحلات المملوكة لرجال الحزب الوطني‮ ‬والمؤيدين له وبعض مقرات البنوك بشارع الجيش‮.‬

وفي‮ ‬الفترة ما بين الثالثة عصرا حتي‮ ‬الخامسة مساء كان المطلب الأول لشعب السويس هو نزول قوات الجيش بها بعد أن سيطرت حالة من الرعب والخوف علي‮ ‬المواطنين لانعدام الأمن وسحب رجال الشرطة ولجأ الكثيرون الي‮ ‬الاقامة الجبرية داخل منازلهم وحرصوا علي‮ ‬عدم نزول أبنائهم خاصة البنات للشوارع لحضور الدروس الخصوصية أو التسوق الذي‮ ‬يمنع بقوة المظاهرات منذ الثانية عشرة ظهراً‮.‬

وقام بعض الشباب الذين استولوا علي‮ ‬السلاح بمحاصرة مداخل المحافظة وحي‮ ‬الاربعين حتي‮ ‬جاءت الساعة الخامسة مساء بنزول رجال الجيش ومدرعاته إلي‮ ‬شارع الجيش في‮ ‬السويس‮.‬

وكان اللافت للنظر هو نزول مدرعات الجيش حاملة لافتات مكتوب عليها‮ »‬الجيش مع الشعب‮«‬،‮ ‬و»من أجل مصر وطننا جميعا‮« ‬وهو ما لم‮ ‬يحدث مرة أخري‮ ‬بنزول المدرعات في‮ ‬العاصمة والتي‮ ‬خلت من هذه اللافتات‮.‬

واستقبل أهالي‮ ‬السويس قوات الجيش استقبال الفاتحين وشعروا أن أركان النظام البائد أوشكت علي‮ ‬الزوال وازدادت الطمأنينة في‮ ‬نفوس السوايسة ليبدأ بعدها سريان قرار حظر التجول في‮ ‬الشوارع استجابة لأوامر القوات المسلحة‮.‬

لقد واجه أهالي‮ ‬السويس ظروفا قاسية للغاية إن تلك الثورة بدءا من شرارتها وفقدان خيرة الشباب لأرواحهم ومئات الجرحي‮ ‬كذلك قطع الاتصالات التليفونية وخدمة الانترنت منذ جمعة الغضب الا ان ذلك كله لم‮ ‬يحرك ساكناً‮ ‬أمام قوة الشباب وارادتهم وعزمهم علي‮ ‬ضرورة التخلص من نظام حكم وكتم علي‮ ‬أنفاسهم لمدة‮ ‬30‮ ‬عاما من الظلم والقهر والاستبداد السياسي‮.‬

لقد كانت المدينة الباسلة الخطوة الأولي‮ ‬لنجاح ثورة الشعب المصري‮ ‬بأكمله وهذا ليس‮ ‬غريبا عليها فهي‮ ‬المدينة التي‮ ‬كان لها دور عظيم وبارز في‮ ‬مواجهة العدوان الثلاثي‮ ‬علي‮ ‬مصر وتحقيق الانتصار في‮ ‬حرب أكتوبر‮ ‬1973‭.‬

ويستطيع المشاهد للأحداث في‮ ‬حي‮ ‬الأربعين والسويس أن‮ ‬يقول‮ »‬من هنا بدأت الثورة بعد أن شهد شارع الجيش أعظم مظاهرات في‮ ‬تاريخ المحافظة والتي‮ ‬انتهت بنزول الجيش نفسه لأرض المدينة الباسلة بعد تخلصها من رجال النظام الحاكم‮.‬

 

أهم الاخبار