الكبار.. ودولة الفساد

ملفات محلية

الخميس, 13 يناير 2011 10:20

وهل تعرفون من أنا؟،‮ ‬مواطن‮ ‬يسكن في‮ ‬دولة قمعستان‮.. ‬مواطن‮ ‬يحلم في‮ ‬يوم من الأيام أن‮ ‬يصبح في‮ ‬مرتبة الحيوان مواطن‮ ‬يخاف أن‮ ‬يجلس في‮ ‬المقهي‮ ‬لكي‮ ‬لا تطلع الدولة من‮ ‬غياهب الفنجان‮!! ‬مواطن‮ ‬يخاف أن‮ ‬يقرب من زوجته قبيل أن تراقب المباحث المكان‮!! ‬أشعر أني‮ ‬مواطن من شعب قمعستان‮!!.‬

هذا ما قاله نزار قباني‮ ‬منذ سنوات‮.. ‬إذا كان المشهد السياسي‮ ‬لعام‮ ‬1976‮ ‬وما أرتكبته الدولة من خطايا وأخطاء في‮ ‬حق المواطن انتهت في‮ ‬17‮ ‬يناير‮ ‬1977‮ ‬برفع سعر خمسة مليمات في‮ ‬سعر رغيف الخبز،‮ ‬وأسعار‮ ‬25‮ ‬سلعة أساسية أخري‮ ‬أحدثت انتفاضة حولت شوارع القاهرة،‮ ‬ومدن وعواصم المحافظات إلي‮ ‬ساحات معارك‮.‬

فالمشهد اليوم‮ ‬يختلف عن المشهد في‮ ‬1977،‮ ‬وبه تفاصيل مرعبة ومؤشرات حقيقية نحو المجهول القادم‮!!. ‬نحن الآن أمام وطن اصابه الوهن‮.. ‬والعجز والشيخوخة،‮ ‬حكومات متعددة مرت عليه استمدت مشروعيتها من ثورة‮ ‬يوليو التي‮ ‬أطلقت علي‮ ‬نفسها ضباط ثورة‮ ‬يوليو،‮ ‬ومؤسسات‮ ‬غيرت اسمها إلي‮ ‬الاتحاد القومي‮ ‬ثم الاتحاد الاشتراكي‮ ‬ثم حزب مصر العربي‮ ‬الاشتراكي،‮ ‬وأخيراً‮ ‬وليس بآخر اختارت اسم الحزب الوطني‮.‬

شعب تحت خط الفقر

وبناءً‮ ‬علي‮ ‬ما سبق فالمشهد المصري‮ ‬اليوم ومع بداية عام‮ ‬2011‮ ‬وبعد‮ ‬3‮ ‬أيام ستحل ذكري‮ ‬أحداث انتفاضة الخبز‮ ‬18‮ ‬يناير‮ ‬1977‮ ‬وتفاصيل المشهد المصري‮ ‬تقول في‮ ‬أحدث تقرير صادر عن مجلس أمناء هيئة الاستثمار في‮ ‬مصر‮: ‬إن متوسط دخل الفرد في‮ ‬البلاد‮ ‬يبلغ‮ ‬98‮ ‬جنيهاً‮ ‬للفرد شهرياً،‮ ‬فيما‮ ‬يبلغ‮ ‬خط الفقر‮ ‬164‮ ‬جنيهاً‮ ‬للفرد و656‮ ‬جنيهاً‮ ‬كدخل للأسرة شهرياً‮ ‬علي‮ ‬اعتبار أن متوسط عدد الأسرة‮ ‬4‮ ‬أفراد،‮ ‬فكم‮ ‬يكون عدد الواقعين تحت خط الفقر؟؟‮. ‬وهو ما أكده تقرير التنمية البشرية لمصر الصادر عام‮ ‬2010‮ ‬عندما صنف حوالي‮ ‬20٪‮ ‬من السكان ضمن الفئات الفقيرة التي‮ ‬تعاني‮ ‬من صعوبة في‮ ‬الالتحاق بالمدارس،‮ ‬واعتبر التقرير بطالة الشباب هي‮ ‬السمة الغالبة علي‮ ‬شكل البطالة في‮ ‬مصر وتشكل أكثر أنواع إقصاء الشباب خطورة فحوالي‮ ‬90٪‮ ‬من المتعطلين‮ ‬يقل عمرهم عن‮ ‬30‮ ‬عاماً،‮ ‬وقد زاد في‮ ‬السنوات الأخيرة معدل الانهيار الإقتصادي‮ ‬وغلق عشرات المنشأت الصناعية وزاد التضخم وأنخفضت القوي‮ ‬الشرائية للجنيه المصري،‮ ‬وانسحبت الدولة من أداء دورها الأساسي‮ ‬في‮ ‬توفير الغذاء والدواء وتحقيق الأمن للمواطنين وارتفعت أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني‮ ‬دون دعم رغم أن دخل المواطن لم‮ ‬يرتفع بنسبة‮ ‬10٪‮ ‬من زيادات الأسعار‮.‬

أما عن الفساد في‮ ‬العهد الحالي‮ ‬فحدث ولا حرج‮.. ‬فالكشف عن رموز من أفراد النخبة الحاكمة والمقربين الواحد تلو الآخر لم بعد

مثيراً‮ ‬لاهتمام الناس إلي‮ ‬درجة أنه أصبح السلوك المتبع لدي‮ ‬المصريين،‮ ‬فالإحصائيات تقول‮: ‬إن هذا الخراب والذي‮ ‬تسببت فيه النخبة الحاكمة واتباعها والمقربون منها من بلوغ‮ ‬دين مصر الداخلي‮ ‬إلي‮ ‬495‮ ‬مليار جنيه وخارجي‮ ‬34‮ ‬مليار دولار،‮ ‬وأن نسبة الفقر وصلت إلي‮ ‬36٪‮ ‬من الشعب المصري‮ ‬تحت خط الفقر ودخلهم اليومي‮ ‬أقل من واحد دولار في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬قام عدد من رجال الأعمال الفاسدين بتهريب‮ ‬300‮ ‬مليار دولار خارج حدود البلاد طبقاً‮ ‬لإحصاءات مؤسسة الأهرام،‮ ‬وصعود سعر الدولار من‮ ‬70‮ ‬قرشاً‮ ‬عام‮ ‬1977‮ ‬إلي‮ ‬خمسة جنيهات وثمانين قرشاً‮ ‬عام‮ ‬2010،‮ ‬وإصابة‮ ‬7‮ ‬ملايين مصري‮ ‬أي‮ ‬نسبة‮ ‬11٪‮ ‬من المصريين بالسكر و20٪‮ ‬بالذبحة الصدرية خاصة في‮ ‬الشباب تحت الأربعين وتضاعفت الإصابة بمرض السرطان‮ ‬8‮ ‬أضعاف في‮ ‬الثلاث سنوات الأخيرة والتي‮ ‬تعتبر أعلي‮ ‬نسبة في‮ ‬العالم،‮ ‬و20٪‮ ‬آخرين مصابون بالالتهاب الكبدي‮ ‬وهي‮ ‬أيضاً‮ ‬أعلي‮ ‬نسبة في‮ ‬العلم أو نفس النسبة في‮ ‬الفشل الكلوي،‮ ‬ورغم اختفاء شلل الأطفال في‮ ‬العالم ما عدا سته دول للأسف مصر منها و إصابة‮ ‬20‮ ‬مليون مواطن بالاكتئاب النفسي‮ ‬و6‮ ‬ملايين بأمراض نفسية أخري،‮ ‬وهروب‮ ‬80٪‮ ‬من المصريين من همومهم الي‮ ‬التدخين وإثبات كل التقارير المصرية والعالمية أن مصر بها أعلي‮ ‬نسبة تلوث،‮ ‬وهذه الأمور دفعت مصريين إلي‮ ‬المحاكم لارتكابهم مشاكل وصلت إلي‮ ‬20‮ ‬مليون قضية بالمحاكم‮ ‬يعود بعضها إلي‮ ‬38‮ ‬عاماً‮ ‬لم‮ ‬يتم الفصل فيها حتي‮ ‬الآن‮ ‬،‮ ‬أو ارتفاع نسبة البطالة للقادرين علي‮ ‬العمل إلي‮ ‬29٪‮ ‬وانتحار‮ ‬3‮ ‬آلاف شاب سنوياً‮ ‬وطلاق‮ ‬40٪‮ ‬من حالات الزواج الرسمي‮ ‬سنويا،‮ ‬وإصابة‮ ‬9‮ ‬ملايين فتاة بالعنوسة منهن‮ ‬4‮ ‬ملايين فتاة فوق‮ ‬35‮ ‬عاماً،‮ ‬وهجرة‮ ‬4‮ ‬ملايين شاب للخارج منهم‮ ‬820‮ ‬ألفاً‮ ‬من الكفاءات في‮ ‬آخر احصاء عام‮ ‬2005‮ ‬وهم علماء في‮ ‬أخطر وأهم التخصصات،‮ ‬وأمية‮ ‬45٪‮ ‬من الشعب المصري‮ ‬رغم شهادات محو الأمية المضروبة،‮ ‬وانفاق‮ ‬6‮ ‬مليارات دولار سنوياً‮ ‬علي‮ ‬المخدرات بأنواعها،‮ ‬وتجريف مليون و‮ ‬200‮ ‬ألف فدان من الأراضي‮ ‬الزراعية الخضراء التي‮ ‬كانت قد وصلت مساحتها إلي‮ ‬6‮ ‬ملايين فدان‮.‬

وتضخم الفساد لأكبر حد ممكن وتنوع ما بين فساد سياسي‮ ‬عبر تزوير

الانتخابات وانتهاكات حقوق الإنسان المصري‮ ‬علي‮ ‬مختلف الأصعدة،‮ ‬وفساد اقتصادي‮ ‬في‮ ‬مجالات المحاباة والمجاملة لبعض المقربين من النظام سواء عن طريق تسهيلات خاصة تمنح لهم أو احتكارهم لعدد من المشاريع الأساسية أو تسهيلات للقروض بلا ضمانات،‮ ‬وفساد في‮ ‬البنوك ونظم الائتمان وتهريب الأموال للخارج عبر القنوات المصرفية الرسمية،‮ ‬وفساد في‮ ‬قطاع الزراعة والذي‮ ‬تميز في‮ ‬مجال المبيدات المنتهية الصلاحية والقضاء علي‮ ‬محاصيل زراعية هامة ورئيسية بمصر مثل القطن وإهمال محصول القمح والذرة وتدمير عدد من السلع المهمة للاقتصاد المصري،‮ ‬وفساد بوزارة الداخلية بدءاً‮ ‬من طرق الالتحاق بكليات الشرطة بالواسطة أو المبالغ‮ ‬المالية الطائلة أو موافقة الجهات الأمنية علي‮ ‬أي‮ ‬شاغر اي‮ ‬وظيفة والتعذيب وأحياناً‮ ‬لقتل داخل أقسام الشرطة و تورط عدد من القيادات الأمنية في‮ ‬التعاون والتسهيل للكثير من الأعمال الممنوعة،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬أنه لا تمضي‮ ‬أيام كثيرة إلا ويكشف الاعلام عن قضايا الفساد والرشوة‮ ‬يكون المتهم فيها اما وزيراً‮ ‬أو مساعدي‮ ‬الوزير أو أفراد مكتبه،‮ ‬وفقا لما ذكره الدكتور أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الادارية أن الموظف في‮ ‬مجال الخدمات الذي‮ ‬يتقاضي‮ ‬5‮ ‬جنيهات رشوة ويتعامل مع أكثر من‮ ‬65‮ ‬ألف مواطن سنوياً‮ ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬أنه‮ ‬يتحصل علي‮ ‬300‮ ‬ألف جنيه في‮ ‬العام الواحد‮.‬

أما المشهد السياسي‮ ‬فهو المشهد الأكثر سخونة،‮ ‬فالنظام‮ ‬يعيش حالة من شخصنة النظام واختصاره في‮ ‬شخص واحد،‮ ‬فهو الوحيد الذي‮ ‬يملك الحل والربط،‮ ‬وحوله نخبة حاكمة أساءت إلي‮ ‬سمعة مصر ولعبت سياسة من النوع القذر الذي‮ ‬دفع مصر إلي‮ ‬الهوية وشوه سمعتها داخلياً‮ ‬وخارجياً،‮ ‬فقد تمكن الحزب الوطني‮ ‬بمساعدة النظام الحاكم من تزوير ثلاثة انتخابات متتالية بدأتها بالمحليات ثم مجلس الشوري‮ ‬ثم مؤخراً‮ ‬مجلس الشعب،‮ ‬حيث كان التزوير فاضحاً‮ ‬سافراً‮ ‬بلا حدود وتمكن أحمد عز وجمال مبارك ومجموعته أن‮ ‬يقصوا المعارضة ويستبعدوها عن المشهد السياسي‮ ‬تمهيداً‮ ‬لانتخابات الرئاسة هذا العام في‮ ‬جو ساخن جداً‮ ‬وتلمحيات بأن القصر‮ ‬يستعد للوريث وهذا هو السيناريو المحتمل لوجود عدة شواهد وهي‮ ‬سفر‮ »‬جمال‮« ‬لأمريكا ولقاؤه عدداً‮ ‬من المسئولين الأمريكيين هناك،‮ ‬وسفره لفرنسا ولقاؤه بالرئيس الفرنسي‮ »‬ساركوزي‮« ‬ولقاؤه إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق علي‮ ‬هامش منتدي‮ ‬دافوس في‮ ‬مؤشر للبحث عن دور في‮ ‬الملف الخارجي‮ ‬والداخلي،‮ ‬لذلك لعب النظام بكل أجهزته ووضع الحزب الوطني‮ ‬في‮ ‬الصورة وشخص أحمد عز ليرتكب أكبر مذبحة للمعارضة المصرية في‮ ‬الانتخابات البرلمانية الماضية وقبلها الشوري‮.‬

أيضاً‮ ‬تصاعدت في‮ ‬الآونة الأخيرة الحركات الاحتجاجية والمظاهرات والاعتصامات والاضرابات إلا أنها لا تزال لم تصل لمرحلة النضج بعد للحد الذي‮ ‬يشير إلي‮ ‬تكرار مظاهرات‮ ‬18‮ ‬يناير‮ ‬1977،‮ ‬إلا أن المؤشرات تقول‮: ‬إن مصر تستعد لحدث أكبر من‮ ‬18‮ ‬يناير،‮ ‬حيث تشهد أكبر عدد من المظاهرات والاحتجاجات وكذلك خلق كيانات موازية كثيرة مثل نقابة الصحفيين في‮ ‬عام‮ ‬2000‮ ‬والبرلمان البديل والاتحادات الطلابية البديلة والنقابات المالية الموازية،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬الاحتقان الداخلي‮ ‬من الضغط الحكومي‮ ‬علي‮ ‬المواطن سواء في‮ ‬لقمة عيشه أو عمله أو ممارسة حقوقه المشروعة‮.‬

فالحقيقة أن مصر تزحف نحو ثورة كبيرة تتشابك فيها كل هذه الكيانات الموازية والحركات الاحتجاجية والطبقة المطحونة في‮ ‬مصر‮ »‬الوسطي‮ ‬سابقاً‮«.‬

 

أهم الاخبار