"الغضب المصري" يطرح نفسه بقوة على أركانها

مأزق إدارة أوباما في مواجهة انتفاضات الشرق الأوسط

ملفات عالمية

الأربعاء, 26 يناير 2011 21:31
تحليل يكتبه – مصطفى عبد الرازق

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مأزقا كبيرا في الشرق الأوسط يتمثل في تردي أوضاع الأنظمة الحليفة لها الأمر الذي يتطلب البحث عن نهج أمريكي جديد للتعامل مع المنطقة. فقد حمل شهر يناير الجاري العديد من التطورات الجذرية بشأن حلفاء واشنطن بما ينذر بتغيير في تركيبة هؤلاء الحلفاء بالشكل الذي قد يلحق الضرر بالمصالح الأمريكية أو على الأقل بالصورة الأمريكية في المنطقة. فلم تكد ثورة تونس تطيح بالرئيس زين العابدين بن علي، حتى اشتعلت الأوضاع في مصر، بشكل يهدد بتكرار السيناريو التونسي. في ذات الوقت الذي كان الوضع فيه يتجه المنحى نفسه في لبنان، لجهة تراجع نفوذ تيار المستقبل الذي يقوده الحريري لصالح حزب الله الذي تسعى الأخيرة إلى تحجيمه بكافة السبل.

وتتبدى صدمة الولايات المتحدة من التغييرات الجارية في المنطقة من أن تونس كانت تعتبر من الدول القلائل التي كان يمكن للنظام فيها أن يسقط بفعل ثورة شعبية. غير أنه مع وقوعها وجدت واشنطن نفسها "ممزقة" إذا صح التعبير بين مساندتها لنظام ديكتاتوري يتوافق مع مصالحها وبين تأييد ثورة شعب يسعى إلى الحرية والديمقراطية وهي الدعاوى التي طالما رفعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وبشكل خاص إدارتا بوش وأوباما فيما بعد أحداث 11 سبتمبر. كان الدرس الأول الذي مثلته ثورة تونس للإدارة الأمريكية، وفقما ذهبت بعض التحليلات، هو أن الجماهير العربية في المنطقة قد يئست من إمكانية تحقق التغيير بفعل المساندة أو الدعم الأمريكي، الأمل الذي نما عقب مشروع الغزو الأمريكي للعراق رغم الرفض الشعبي العربي له، إزاء تزايد الشعارات الأمريكية بضرورة دخول المنطقة مرحلة جديدة تتخلص خلالها من الأنظمة الديكتاتورية وهو ما تبخر على وقع إدراك واشنطن صعوبة التخلص من أنظمة تحقق لها مصالحها.

لم يكن أمام واشنطن للتعاطي مع ثورة تونس سوى إلتزام الصمت لحين إنجلاء الموقف، وهو ما تحقق برحيل بن علي.. هنا وعلى خلفية ذلك التطور خرجت الإدارة الأمريكية لتعلن بشكل واضح وقوفها إلى جانب إرادة الشعب التونسي. وكان آخر هذه المواقف الواضحة ما أعلنه الرئيس أوباما خلال خطاب حالة الإتحاد ليلة الأربعاء من أن بلاده تتضامن مع التونسيين وتدعم "تطلعاتهم الديمقراطية". وربما فات الإدارة الأمريكية أن تكون أكثر حصافة وتستبق الأحداث لتدعم التحرك الشعبي في تونس في محاولة لتحسين صورتها على مستوى الرأى العام العربي بعيدا عما قد يثار من أن ذلك يعتبر تدخلا في الشئون الداخلية لدولة

مستقلة حيث أن واشنطن لا تلقي بالا لهذه الاعتبارات.

لم تكد تمر أيام على الحدث التونسي حتى اشتعلت الأوضاع في المنطقة العربية وبشكل خاص في الدول الرئيسية وخاصة مصر وتليها الجزائر وموريتانيا وإلى حد ما الأردن، وهو ما كان أمرا طبيعيا يمكن استيعابه من خلال متابعة ردود الفعل المختلفة التي كانت تشير كلها إلى أن عدوي ما أصطلح على تسميته بـ "البوعزيزية" ستمتد لعدد من الدول العربية وهاهي ذا تشتعل وبأقصى صورها وضوحا في الحالة المصرية.

إذا كانت الثورة التونسية قد أفقدت واشنطن نظاما حليفا فإن وضع مصر بالغ الإختلاف، فخسارتها قد يقلب أولويات واشنطن رأسا على عقب، في ضوء الحيوية التي تمثلها مصر في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على صعيد عدد من الملفات، الأمر الذي يعكسه حجم المساعدات المقدمة من الولايات المتحدة لمصر والتي تقدر بنحو 1.3 مليار دولار سنويا شاملة المساعدات العسكرية. ومن هنا يمكن تفهم الدعوات المتزايدة في الإعلام الأمريكي إلى استيعاب درس تونس في التعامل مع الأوضاع في مصر.

على الصعيد العملي بدا موقف الإدارة واضحا في وقوفه إلى جانب النظام الحاكم وهو ما تجلي في تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والتي أكدت خلالها أن وضع النظام المصري مستقر داعية إلى ضبط النفس، الأمر الذي استفز شخصية مثل البرادعي حيث استنكر مثل هذا الموقف! وهو الموقف الذي كرره المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، فى بيان صدر اليوم، الأربعاء، أشار فيه إلى أن واشنطن "ترصد وضع مصر عن كثب وأن الولايات المتحدة تؤيد حق التعبير والتجمع للشعب كله، وعلى كل الأطراف أن تمارس ضبط النفس"، فيما يبدو حرصا من واشنطن على إمساك العصا من المنتصف تحسبا لتحول الأحداث في غير الوجهة التي تريدها الإدارة الأمريكية.

يتبدى المأزق الأمريكي هنا كذلك في أنه إذا ما قررت واشنطن الوقوف خلف النظام المصري فإن ذلك سيظهرها بمظهر المتآمر على إرادة الشعب المصري، وهو ما قد يعزز من مناخ الكراهية لها في أوساط المصريين بالشكل الذي قد يؤثر بالسلب على المصالح الأمريكية حال تغير النظام. في

ذات الوقت فإنها إذا ما اتجهت إلى دعم المظاهرات فإنها تكون بذلك تقوض وضع حكومة بالغة الحيوية لمصالحها.

يكتسب الوضع في مصر مقارنة بما حدث في تونس أهمية خاصة.. من أنه في الحالة التونسية لم يكن هناك الكثير الذي يمكن أن تخشاه واشنطن حال سقوط نظام بن علي، باعتبار أن النظام البديل قد لا يختلف كثيرا عن سابقه في ضوء حقيقة أن العناصر المناوئة للولايات المتحدة وبشكل خاص الإسلاميين إما أنهم في المعتقلات أو في المنفى بالخارج. الوضع على العكس تماما في مصر، فجماعة الإخوان بشكل خاص تقف على أهبة الاستعداد للحلول محل النظام إذا ما سنحت لها الفرصة، وهي قد تكون قائمة في ضوء أنها تعتبر الفصيل الرئيسي المعارض للنظام والأكثر تنظيما وقدرة على حشد الشارع.

وإذا كانت واشنطن تفضل بقاء الوضع على ما هو عليه، فيما الحقائق على أرض الواقع تطرح خيارات بديلة، فمن بين السيناريوهات التي يطرحها البعض أنه أما وأن نظام مبارك ليس آيلا للسقوط بين لحظة وأخرى، فإن الإدارة الأمريكية يجب عليها أن تستغل ذلك الوضع في التهيئة لموقفها القائم على التحول عن النظام المصري إلى تطبيع علاقاتها مع المعارضة. وعلى هذا الأساس يمكن لواشنطن أن تبعد نفسها شيئا فشيئا عن النظام المصري، بتوجيه العديد من الانتقادات لسياساته، وفي ذات الوقت العمل على تعميق اتصالاتها مع المعارضة – الأمر الذي قد يكون قائما حاليا – والتي قد تسنح لها الفرصة لتولي الحكم. ورغم أن ذلك قد يوفر خروجا آمنا لواشنطن من مأزقها إلا أنه لن يمثل سوى إقرار بالأمر الواقع المتمثل في أن نظاما حليفا لها قد سقط على غير إرادتها.

ويتعزز المأزق الأمريكي منظورا إليه من زاوية ما يجري في لبنان استطاع حزب الله تقويض حكومة تصريف الأعمال برئاسة سعد الحريري وهو الجهد الذي نجح من خلاله في فرض مرشح آخر يحظى بالقبول على مختلف المستويات هو عمر ميقاتي في قلب للمعادلة السياسية في لبنان رأسا على عقب. ولم تجد الولايات المتحدة ما تخرج به في مواجهة هذا التطور سوى اتهام حزب الله بممارسة التهديد والترهيب والعنف للسيطرة على الحكومة في لبنان وتحقيق أهدافه السياسية. ولم تكتف الولايات المتحدة بهذا بل راحت تلوح بتأثر علاقاتها مع لبنان في حال قيام حكومة لبنانية يهيمن عليها حزب الله، وهو ما يتناقض مع قواعد الديمقراطية التي تدعو إليها واشنطن باعتبار أن حزب الله – بغض النظر عن تقييم موقفه النهائي – خاض أزمة تشكيل الحكومة إنطلاقا من قواعد ديمقراطية.

ولعل المتابعة المتأنية لهذه التطورات منظورا إليها من زاوية علاقة هذه الدول الثلاث مع الولايات المتحدة يفرض العديد من التساؤلات حول المستقبل في المنطقة، وتجعلنا نعيد طرح التساؤل الذي قدمه الصحفي البريطاني روبرت فيسك المتخصص بقضايا الشرق الاوسط  وهو هل قرر الشعب العربي الآن اختيار زعمائه؟ وهل نحن في طريقنا لأن نرى عالما عربيا جديدا لا يخضع لسيطرة الغرب؟ يبدو أن الأمور تتجه لذلك، وإن كانت النتيجة النهائية مرهونة بتطورات المستقبل.

 

أهم الاخبار