كشف بشاعة الإرهابيين في تدمير الإرث الإنساني

حضارة المصريين القدماء لم تكن وثنية

ملفات سياسية

الجمعة, 20 مارس 2015 07:26
حضارة المصريين القدماء لم تكن وثنيةصورة أرشيفية
بقلم اللواء أ. ح: حسام سويلم

لم يكن قيام التنظيم الهمجي داعش بتدمير محتويات متحف الموصل بالعراق التي تعود إلى حضارة نينوى قبل 6000 سنة من الميلاد، وأحرقوا آلاف الكتب وسط المدينة، مختلفاً في الفكر والسلوك التخريبي عما قامت به تنظيمات أخرى متطرفة بتدمير الإرث الإنساني.

ففي مارس 2001 أمر القائد الأعلى لحركة طالبان (الملا عمر) في أفغانستان بتدمير تمثالين عملاقين لبوذا في باميان يعودان إلى أكثر من 1500 عام، وقد اعتبرتهما الحركة «مخالفين لتعاليم الإسلام». وفي أغسطس 2012 خرب متشددون ضريح الشعاب الدهماني في طرابلس ودنسوه، وتعرض للتدمير أيضا ضريح الشيخ عبد السلام الأسمر الفقيه الصوفي من القرن السادس عشر في زليتن التي تبعد 160 كم شرق العاصمة، كذلك تعرضت مكتبة وجامعة تحملان الاسم نفسه لأعمال تخريب ونهب. وفي يوغسلافيا وخلال الحرب بين المجموعات الدينية في البوسنة من 1992 إلى 1995 أحرق المقاتلون الصرب المكتبة الوطنية في سراييفو التي بنيت في القرن التاسع عشر وأعيد فتحها في مايو 2014 بعد 22 عاما على تدميرها. وفي سوريا تم تفجير مئذنة المسجد الأموي في سوريا من قبل عناصر إرهابية من جبهة النصرة، ويعتبر هذا المسجد من روائع الفن المعماري الاسلامي، ومدرج في لائحة التراث العالمي التابعة لليونيسكو.
‎- أما في مصر فقد قام المتشددون من جماعة الإخوان والسلفيين بهدم كثير من مقامات أولياء الله الصالحين في المدن المصرية، وهددوا بهدم الآثار المصرية القديمة وعلى رأسها أبو الهول والهرم، وذلك عقب ثورة 25 يناير، بل كانوا في الأيام الأولى من هذه الثورة على وشك تدمير المتحف المصري بميدان التحرير القريب من مكان تجمعهم لولا تغطية قوات الجيش التي كانت تحمي المتحف ولم يقتصر الأمر على ذلك.. بل نجد موقع «اسلام ديب» ينشر فتوى لمفتي قطر تطالب فيها بهدم الأهرامات وأبو الهول، واعتبار القضاء على هذه الآثار واجبا شرعا، الأمر الذي أثار غضب الكثير في مصر. سواء من الاثريين والمثقفين أو من جانب عامة الشعب المصري الذين اعتبروا هذه الفتوى نوعاً من الهراء ولا سند لها، وتتم عن جهل من الناحيتين (الدينية والعلمية). كما رأينا كيف وضع هؤلاء المتشددون النقاب على تمثال ام كلثوم بدعوى ان وجهها عورة!! كما حطموا رأس تمثال طه حسين عميد الأدب العربي في المنيا، وهو واحد من الرموز الثقافية والفكرية في الوطن العربي، وقاموا بتحطيم تمثال «سنوسرت الثالث» في المنصورة، وهشموا اللوحات المعدنية على تمثال سيمون بوليفار في قلب القاهرة، باعتبار أن تلك التماثيل ما هي إلا أصنام يجب تهشيمها وإزالتها من الوجود.
وإذا أردنا ان نتعرف على الركائز الفكرية التي يعتمد عليها كل من قاموا بهذه الأعمال التخريبية، فسنجد انها تعود إلى ما أرساه سيد قطب – كاهن جماعة الإخوان – في كتبه خاصة «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن» من مفاهيم باطلة أبعد ما تكون عن الدين، يزدري فيها مبدئي الوطنية والقومية ويعتبرهما «علائق نتنة» بل يصف الحضارة المصرية القديمة بأنها «عفن» و«حضارة أصنام» يجب التخلص من رموزها بهدم المعابد وتحطيم التماثيل المصرية القديمة، وأن على المسلم ألا يكون ولاءه للوطن، بل عليه ان يصرف ولاءه للجماعة فقط، وما مصر في نظره إلا «ماء ورمل وطين وكلأ مما تجتمع عليه البهائم» كما يدعي أن الوطنية هي «مبدأ وتصور جاهلي».
‎- أما انعكاس هذا الفكر الهدام على الجيل الجديد من شباب مصر، فيشيد اليه الصحفي عبده مباشر في مقال له بالاهرام بتاريخ 12 ديسمبر 2010 نتيجة حوار أجراه مع طلبة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وصفه بـ «الفاجعة». حيث استنكر الطلبة إقبال المصريين المسلمين على مشاهدة الآثار والتماثيل الفرعونية وإحاطتها بكل هذا التقدير، وأكدوا أنها ليست أكثر من أصنام تستحق التدمير، وعقبوا قائلين: «إنهم لو وصلوا إلى السلطة فلن يتورعوا عن تدمير كل الآثار الفرعونية حماية للناس من الشرك، ثم أشاروا إلى ما تضمنه القرآن الكريم عن فرعون.
‎- وعندما أوضح لهم الاساتذة ان كل المسلمين الآن في مرحلة من الوعي والايمان والفهم تمنعهم تماما من النظر إلى هذه الآثار والتماثيل الفرعونية باعتبارها أصناما، كما أنها التجسيد الموجود والباقي لعظمة الأجداد الفراعنة، ثم أشاروا إلى أن هؤلاء الأجداد هم الذين أشرق على أيديهم فجر الضمير.. وهو ما أكده الكاتب المتخصص البريطاني الجنسية جيمس هنري برستيد، كما انهم بفطرتهم النقية أدركوا أن هناك خالقا واحدا لهذا الكون، وآمنوا بأن هناك بعثا بعد الموت، وحسابا على أفعال البشر ثم ثوابا او عقابا، ولكن الطلبة قالوا: إنها أصنام وشرك بالله، وطريق للضلال والإضلال. ورد الأساتذة، بأنه لا يمكن تصور عودة الناس إلى ما كان سائدا في عصور الجاهلية قبل الرسالة المحمدية وانتشار الاسلام، فقال الطلبة: لقد كان هناك قوم آمنوا بالأنبياء الذين جاءوا قبل محمد نبي الله ورسوله، ثم نسوا فيما بعد، او نسى من أتى بعدهم ما جاء به الأنبياء وأشركوا وعبدوا الأصنام، لذا فإن الحل هو تدمير هذه الاوثان. فقال الأساتذة: أي أنكم ستفعلون ما سبق ان فعلته حكومة طالبان في افغانستان بعد ان استقرت في الحكم ودمرت تمثالين حجريين كبيرين لبوذا، ثم عقبوا ان مثل هذا العمل واجه استنكارا وغضباً من كل أركان المعمورة. فقالوا في صوت واحد وبحدة: إن ما فعلته حكومة طالبان هو الصواب، وأنه لا قيمة لاستنكار العالم، المهم إرضاء الله وتجنب غضبه، ودفع المنكر حفاظا على الاسلام وحماية المسلمين من الفتنة والافتتان، وفد انتصرت طالبان للاسلام، ولم تبال بغضب الغاضبين.. وقال الأساتذة إنكم تريدون تدمير تاريخ مصر، فردوا قائلين: إنه تاريخ من الشرك، والتاريخ الحقيقي يبدأ بتحول مصر إلى الاسلام. وواجههم الأساتذة بقولهم إنهم وكل من ينهج نهجهم أو يفكر على طريقتهم خطر على مصر والمصريين حتى وإن كنتم جميعا في الظاهر تتحدثون بلسان اسلامي، ولكنه في النهاية لايمكن أن يكون من الاسلام، ولن يؤدي إلا إلى تشويه صورة الاسلام والمسلمين وزعزعة الاستقرار في مصر وإصابتها بشروخ عميقة.
‎- أما ما لم يقله الأساتذه آنذاك في هذا اللقاء الذي جرى قبل استيلاء الإخوان على السلطة في مصر بعامين، أن من لوثوا عقول هؤلاء الشباب قد نجحوا تماما وتمكنوا من السيطرة عليهم. ومثل هؤلاء الشباب لا يقبلون بالمنطق ولا يريدون حوارا، بل يريدون من الجميع التسليم بما يرونه، وبمعنى أصح ما يراه قادتكم، وكان من المفيد أن يقول الأساتذة لهم إنه منذ فتح مصر عام 642م، وبدء اقتراب العرب الفاتحين من آثار مصر القديمة، وكانوا حديثي عهد بالاسلام لم يثبت ان أيامهم قد فتن في دينه بسبب هذه الآثار.
‎- ثم استطرد عبده ومباشر واصفا هذا التيار المتشدد من شباب مصر، وكأنه يرى خطورة وصوله إلى السلطة في مصر كما حدث في بعض الدول الاسلامية.. فيقول: «وهذا التيار المتشدد بقواه التي وصلت إلى قمة السلطة في بعض الدول، أو التي تعمل بكل قواها في عدد آخر من الدول للوصول إلى السلطة وعلى رأسها مصر كما حدث بالفعل في يوليو 2012، هو الذي يحرم الفن والغناء والموسيقى والسينما والتليفزيون، ويحرم الاختلاط ويرى أن صوت المرأة عورة وخروجها للشارع مكروه إلا للضرورة، ويفرض عليها البقاء في المنزل، اما العمل فهو مكروه إلا لضرورة، والحجاب فرض والنقاب أفضل من الحجاب. وبالنسبة للرجل فإن اللحية لابد منها، ويجب ان يكون طولها قبضتين، ويفضل للرجل ارتداء القميص والسروال، ولابد من الالتزام بتسريحة الشعر الشرعية. وهذا الاستغراق في الشكل دون سند من القرآن

أو السنة هو أهم ما يميز هذا التيار، اما العلم والتطور والتقدم والتنمية الاقتصادية، وفهم العالم بصراعاته وتوازناته فتلك قضايا مؤجلة يسبقها أسلمة وفقا لرؤيته.. ويتبنى استمرار الصراع حتى ولو استولت اسرائيل على كل فلسطين، واحتلت اراضي عربية اخرى، استنادا إلى ان الغد سيحمل نصرا مؤزرا.
انعكاس الفكر الإخواني على سلوك الجماعة
‎- انعكس هذا الفكر الإخواني الهدام على سلوك الجماعة عندما استولت على السلطة وحكمت مصر في عام 2012، وأتت الثمار المسمومة لتعليمات سيد قطب بنبذ الولاء والانتماء الوطني، ليس فقط فيما يمارسه الإخوان من سياسات أبرزت استعداد الجماعة للتنازل عن أراض مصرية لحلفاء لها تتمثل في 750 كم مربع من شمال سيناء وضمها إلى قطاع غزة حيث تحكم حركة حماس فرع الإخوان هناك، مع تجنيس 50.000 فلسطيني بالجنسية المصرية، والتنازل عن حلايب وشلاتين للسودان حيث يحكم نظام البشير الإخواني وتسليم مشاريع محور قناة السويس إلى قطر. كما انعكس هذا الفكر الإخواني ايضا بعد ان نجح الشعب المصري في إزاحة الجماعة عن الحكم بثورته في 30 يونيو 2013، حيث مارست خيانة الوطن على أوسع نطاق باستعداء القوى الخارجية ضد مصر، ودعوتهم لاحتلالها وضرب الجيش المصري وتفكيكه ومنع السلاح وقطع الغيار عنه، بل وجدنا من قادة الإخوان من طالب الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي بإرسال قواتهم إلى مصر لإسقاط النظام الجديد الذي قام بعد ثورة 30 يونيو، ومطالبة الأمريكيين والأوربيين بإعادة محمد مرسي بالقوة إلى كرسي الحكم رغم انف الجيش والشعب المصري، وطالب شيخهم الخائن والتعيس والخسيس يوسف القرضاوي بتدخل اجنبي ضد مصر، بل طالب الحجيج في مكة بالدعاء على من اسماهم اعداء الامة في مصر، وسمعنا زعماء الإخوان في اعتصام رابعة يبشرون من فوق المنصة بنزول 7000 من جنود المارينز الامريكان في السويس وسط صيحات (الله أكبر) من قبل قطيع الإخوان المتجمع في ذلك الاعتصام .
‎- وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلا ينبغي أن ننسى يوم قال مرشدهم مهدي عاكف «طظ في مصر واللي جابوا مصر، أن أقبل برئيس من ماليزيا»، ولم يقتصر الأمر عند ذلك، بل نجد احد شيوخ الجماعة –محمد عبدالمقصود - يخطب في الاحتفال بذكرى حرب اكتوبر معلنا: «انتهى زمن مصر للمصريين»، حيث تثبت هذه التصريحات ان جماعة الإخوان لا تنظر لمصر باعتبارها وطنا بل سكنا لهم، وقاعدة وركيزة لتحقيق الحلم الإخواني للسيطرة على المنطقة أنطلاقا من مصر، وأن التنازل عن حقوق مصر لدول وتنظيمات اخرى عمل يتفق واهداف الجماعة.
‎- وفي إطار خطة تمكين جماعة الإخوان وحلفائهم السلفيين من السيطرة على مفاصل الدولة المصرية وهياكلها الرئيسية باسم الدين، وبعد أن أعلنوا أن «الحضارة المصرية القديمة (عفن)، وانها (حضارة أصنام)» يجب التخلص منها، وبعد ان وصفوا الادب بـ (الدعارة)، ورفضوا الوقوف تحية للعلم والسلام الوطني.. إلى غير ذلك من السلوكيات التي تستهدف تحطيم الولاء والانتماء الوطني في قلوب المصريين، وللأسف باسم الدين، نجدهم يخطون خطوة جديدة نحو بسط هيمنتهم كاملة على المصريين، تتمثل فيما أطلقوا عليه «حراسة عقيدة المسلمين» . فتحت عنوان «حراسة الشريعة» نظم مجلس ما يسمى (شورى العلماء) التابع لمكتب إرشاد الجماعة، الملتقى الأول لأئمة دعاة مصر، وليس بينهم ازهري واحد، وليس من المعروف من نصبَّهم علماء، كما ليس من المعروف ما هو مفهوم «حراسة العقيدة»؟ ومن الذي اوكل لهم حراسة عقيدة المسلمين في مصر؟ ولا كيف سيحرسونها وضد من؟ هذا في حين انهم يكفرون شيخ الأزهر، بل يكفرون كل من لا يعتقد ويؤمن بأفكارهم ويصلون في ذلك إلى حد استحلال حرماته، ناهيك عن هدم الاضرحة الموجودة في مصر – بما فيها أضرحة أهل بيت سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام – بحجة انها تخالف العقيدة. كما تعني حراسة العقيدة في مفهومهم تعزير الليبراليين والصوفيين بالجلد والسجن، ومحاسبة الأزهر لأنه يدرس في معاهده مناهج تحوي المذاهب المختلفة والفلسفة والمنطق.. وهي من المحرمات في مفهوم حراس العقيدة. وغني عن القول أن الذي يدعون اليه من «حراسة العقيدة» هو نوع من التعصب الديني يمكن في حالة تطبيقها ان تصيب الوطن في مقتل، وهو اصطلاح لم يتطرق إليه أي مذهب من مذاهب المسلمين في اي بلد او عالم من العلماء، كما يعني هذا الاصطلاح أيضا أن الذين نصبوا انفسهم حراسا على العقيدة سيفرضون انفسهم أوصياء على الناس، وحتما سيتدخلون ليس فقط في ممارسة المسلمين لشعائرهم ومعاملاتهم بالقوة وبما يتفق مع مفاهيم وافكار حراس العقيدة، بل سيتدخلون ايضا في ضمائرهم، وبما يؤدي إلى اشعال نيران فتنة لا يخبو أوارها إلا بتوعية الناس بأن مثل هذه الدعاوي باطلة ومخالفة لصحيح الدين، وبأن تتولى سلطات الدولة الضرب بيد من حديد على كل من يحاول ان يفرض نفسه وصيا على عقائد الناس ومعاملاتهم، فردا أو جماعة.
‎- وحتى بعد سقوط نظام حكم الإخوان في مصر عقب ثورة 30 يونيو، وانتقاما من شعب مصر وجيشها، نجد جماعة الإخوان وحلفاءها يمارسون أحط وأبشع وأقذر صور الخيانة، بما يؤكد انتفاء الوطنية لدى اتباعها، حيث وضعت بصمتها السوداء في اكثر من مكان في مصر، سواء بالاعتداء على قوات الجيش والشرطة، او بتخريب المنشآت العامة والخاصة، واطلاق النار عشوائيا على الاهالي المعترضين على ممارساتهم، فضلا عن تخريب المرافق العامة من وسائل نقل وسكة حديد ومترو.. مما ادى لسقوط مئات القتلى والمصابين من المصريين الابرياء، وكل هذه الجرائم ارتكبت وترتكب للاسف باسم الدين والدين منها براء.
الرد على الدعاوي الباطلة
‎أولا: مصر القديمة معظمها إسلامية ولم تكن كلها فرعونية
‎- دأب الكثيرون على وصف مصر في عصرها القديم بـ(مصر فرعونية) استنادا إلى وصف القرآن الكريم لحاكم مصر في زمن سيدنا موسى عليه السلام بـ(فرعون). وهذا الوصف ينافي الحقيقة تماما، لأن القرآن الكريم يصف أيضا حاكم مصر في زمن سيدنا يوسف بـ(الملك) فلماذا يصف القرآن أحد حكام مصر القديمة بأنه (فرعون)، في حين يصف حاكم آخر في حقبة زمنية أخرى قريبة بـ(الملك) ؟ حقيقة الامر ان لفظ (فرعون) يعني صفة لشخص وليست منصباً أو وظيفة، وهي صفة تعني البغي والطغيان مصداقا لقوله تعالى مخاطبا كل من سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام «اذهبا إلى فرعون إنه طغى»، كذلك من صفات فرعون التعالي والإسراف في الأرض «إن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين»، أيضا من صفاته تضليل الناس عن دعوة الحق «وأضل فرعون قومه وما هدى»، كما انه من صفات فرعون تشتيت الناس وجعلهم فرقا
واحزابا متنافرة ليمكن له السيطرة عليهم: مصداقا لقوله تعالى «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين» (القصص-3) ناهيك عما يتصف به فرعون من تسلط وتجبر وتأليه نفسه على الناس، مصداقا لقوله تعالى: «وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري»، وقوله تعالى : «قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».
‎- يؤكد ما سقناه آنفا ان لفظ (فرعون) يختص بصفة شخص له السمات التي سقناها آنفا سواء كان حاكما او دون ذلك، ولذلك فهو أمر لا يتعلق بفترة زمنية يختص بها تاريخ مصر القديم كما يظن البعض، بل أمر دائم ومستديم في الوجود لأنه يخص صفات نوعية من البشر لها هذه الصفات والسلوكيات، ولا نزال نعايش الكثير منهم في زمننا الحالي ونعاني منهم وموجودون في بلدان مختلفة من العالم، يدل على ذلك حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «فرعون أمتي أشد عليها من فرعون أخي موسى».
‎- وندلل على كلامنا هذا من القرآن الكريم حين وصف حاكم مصر في زمن سيدنا يوسف عليه السلام، فقد وصفه الله تعالى بـ(الملك) ولم يصفه بفرعون، لأنه كان من المؤمنين بسيدنا يوسف، مصداقا لقوله تعالى: «قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين آمين، قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم». (يوسف 54-55).
‎- وقد ساعد على انتشار المفهوم الباطل حول (مصر الفرعونية) عدم ادراك البعض ما تحمله اللغة المصرية القديمة من رموز تدل على معان وحقائق معينة، فقد حوت الآثار المصرية القديمة الكثير من الكتابات والنقوش التي تشير إلى أن الكتابة المصرية القديمة (رمزية صورية) وليست حرفية مثل باقي اللغات، ومعظمها تعبر عن الخير والشر، والحساب في الآخرة، وعبادة الإله الواحد الأحد، وليس ذلك غريبا لأن مصر قدم إليها في الزمن القديم الكثير من رسل الله الكرام (سادتنا ابراهيم واسحق ويعقوب وادريس وموسى وعيسى.. وغيرهم) وبالتالي كان لهم أتباع آمنوا برسالاتهم مصداقا لقوله تعالى: «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله»، وكان دينهم الاسلام مصداقا لقوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام» لذلك اقاموا هذه الحضارة المصرية القديمة، وما تعكس آثارها من علوم ومعارف انسانية ما زالت الحضارة الحالية عاجزة عن فك طلاسمها في الفلك والهندسة والعمارة والطب والزراعة والصناعة.. الخ، وما ذلك إلا ثمار وجود رسل الله الكرام بين المصريين.
‎- ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احاديث يكرم فيها مصر ويوصي بأبنائها، ويحدد فيها دور مصر الرائد والرئيس في الدفاع عن الاسلام .. منها قوله «مصر كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصمه الله» أي مصر ستكون منذ خلق الله الأرض وفيها مصر.. وإلى الأبد هي المدافعة عن الاسلام وحرمات المسلمين، وأن كل من يريد الإساءة بمصر فإن الله كفيل بأن يقصمه. وأيضا حديثه الشريف «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا من أهلها جندا كثيفاً. فإنهم خير اجناد الأرض، وانهم لفي رباط إلى يوم القيامة» كما أوصى حضرته بأهل مصر في حديثه الشريف «ستفتحون بعدي مصر، فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لكم فيها نسبا وصهرا» . وقد اثبتت وقائع التاريخ صدق احاديث سيدنا رسول الله عندما تصدى المصريون لغزوات اعداء الاسلام من الصليبيين والتتار والصهيونيين في معارك حطين (1187) وعين جالوت (1265) وحروب الصراع العربي – الاسرائيلي 1948،1956،1967،1973.
‎ثانيا: ليست كل التماثيل أصناما
‎- يوجد فرق كبير بين (الاصنام) و(التماثيل) فالأصنام تلك التي تعبد من دون الله، اما التماثيل فهي قد تنحت لأغراض اخرى مع الجداريات ذات النقوش والكتابات، فهي تعكس تاريخ وتراث الامم وتسجله للأجيال القادمة ،بدليل قوله تعالى في سورة سبأ حين عدد نعمه على سيدنا سليمان عليه السلام «لسليمان الريح غدوها شهر ورواجها شهر، وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه عذاب السعير، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور»(12-13) وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يمكن أن يأمر الرسول أتباعه بعمل يخالف ما يأمر به المولى عز وجل من عبادته وحده لا شريك له ؟ حاشا لله، بل كانوا يعملون ما أمر به المولى عز وجل «بإذن ربه» وايضا شكرا وتقربا إلى الله تعالى.
‎- أما تحطيم سيدنا ابراهيم عليه السلام للاصنام، فإنما كان ذلك لكونها تعبد من دون الله. فضلا عن أن ما تشير إليه الآيات في هذا الشأن يدل بوضوح على أن حضرته كان يحطم في واقع الأمر اصناما بشرية يتبعها قومه، وينحتون لهم في قلوبهم آلهه تعبد من دون الله، يتبعونهم في كل ما يأمرون به من ضلالات وأباطيل على عكس كل ما أمر به الله ورسوله، وهو واقع عشناه الأمس ونعيشه اليوم وغدا وفي كل ما نشاهده من قبل من يدعون الاسلام، ويزعمون العمل لصالحه، في حين يفعلون كل ما هو ضد الاسلام وعكس ما أمر به الله ورسوله، لاسيما في اعتداءاتهم التي نراها على حرمات المسلمين من أرواح ودماء وممتلكات عامة وخاصة . لذلك كانت كل دعوة سيدنا ابراهيم دعوة حجة وإقناع «وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه» ويتأكد لنا ايضا ان تحطيم حضرته للاصنام بشرية.. قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عندما ذهب إلى ارض مكة لبناء الكعبة بأمر من الله تعالى» واذا قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس، فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم» (إبراهيم 34-35) ومن البديهي ان الاصنام المنحوتة من الحجارة لا تضل احدا ولو مكث امامها سنوات، ولكن الذي يضل هو انسان شيطان يفعل بكلامه واساليبه الضلال في عقول غيره ممن يتبعونه، ويصرفهم بعيدا عن كل ما يأمر به الله ورسوله إلى ما يبتغيه ويستهدفه من مفاسد على النحو الذي نشاهده اليوم من ائمة الضلال الذين يدعون أتباعهم إلى وما يفسد في الأرض، فهؤلاء المتبوعون صاروا آلهة في قلوب اتباعهم، ينفذون ما يطلبونه منهم من اعمال هدامة بقانون السمع والطاعة دون تعقل او تدبر، لذلك اطلق عليهم سيدنا ابراهيم (اصناما او اوثانا) تعبد من دون الله، لذلك كانت مهمته هي تحطيم هذه الاصنام البشرية في قلوب اتباعهم باقامة الحجة عليهم . لذلك ترك سيدنا ابراهيم اكبر تلك الاصنام ليشهد قومه على عجزه عن الدفاع عن نفسه ودعواه الباطلة واتباعه بعد ان أقام عليهم جميعاً الحجة أمام قومه مصداقا لقوله تعالى: «فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى انفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون» والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الشأن: لماذا ترك سيدنا ابراهيم اكبر تلك الاصنام، فلو كان واجباً لكان يجب عليه تحطيمه؟ ولكنه لم يفعل ليكون المعبود والعابدون لهم شهداء على أنفسهم على عجزهم عن الاتيان بأي برهان على صدق دعاواهم الباطلة في مواجهة الحجة التي يقيمها عليهم حضرته.
ويتأكد هذا المعنى – أي المعنى بالاصنام والاوثان في اغلب ما تشير اليه الايات القرآنية –انها اوثان بشرية تضلل الناس وتفسد عليهم دنياهم وآخرتهم، اذا رجعنا إلى قوله تعالى على لسان سيدنا ابراهيم في سورة العنكبوت «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين». (24) ومع افتراض ان يقيم عابد الوثن الحجري مودة مع هذا الوثن المعبود الذي لا يسمع ولا ينطق في الدنيا، فكيف يكون بينهما نقاش ومحاورة يوم القيامة حيث يكفر ببعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضاً؟!
‎- وهذا الواقع نشاهده اليوم وفي كل يوم وفي كل بلد – من دعاوي الباطل التي يرفعها ائمة التكفير والارهاب تحت شعارات دينية براقة، هي كلمات حق يراد بها باطل، يضلون بها الناس وتصرفهم عن طريق الاسلام الصحيح، ويحولونهم إلى ادوات قتل وهدم وتخريب في مجتمعاتهم باسم الدين، لذلك يأمر المولى عز وجل ائمة الهدى في الامة الاسلامية، الواعين لأمور دينهم، بمقاتلة دعاة الباطل هؤلاء بالحجة والبرهان الساطع، وبما يقتل دعاوي الباطل في مهدها بما اتاهم الله ورسوله من نور الهداية والبصيرة والمعرفة مصداقا لقوله تعالى: «فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون» (التوبة) وبديهي ان المخاطب في هذه الاية هم ائمة الايمان، وان القتال المعني قتال حجة وبرهان وليس قتالاً مادياً، حتى ينتهوا عما هم فيه من تضليل وتكفير الناس، ولو كان المقصود من القتال هو القتال المادي لما انتهت الاية بقوله تعالى: «لعلهم ينتهون» بعد ان تم قتلهم، وهو نفس النهج الذي وضعه سيدنا ابراهيم لمقاتلة عبدة الاوثان والاصنام البشرية، لذلك يأمرنا المولى عز وجل ان نتخذ من حضرته في دعوته اسوة حسنة مصداقا لقوله تعالى: «لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه» (الممتحنة).