اللواء أ. ح. حسام سويلم يكشف حقيقة «الإسرائيليات» وخرافات التطرف

الإرهابيون يستخدمون الأحكام الباطلة وقوداً لتكفير المجتمعات

ملفات سياسية

الاثنين, 09 فبراير 2015 07:05
 الإرهابيون يستخدمون الأحكام الباطلة وقوداً لتكفير المجتمعات

يستند دعاة فتنة الإرهاب والتطرف بشكل رئيسى إلى أقوال ابن تيمية وأحكامه الباطلة.. كما يستندون إلى الروايات والأقوال المدسوسة الواردة فى بعض كتب التراث والتى تتعارض مع القرآن والسنة..

وسوف نتناول فى هذا المقال أمثلة من دعاوى التكفير والقتل والإرهاب التى تروج لها هذه الجماعات ليتبين لنا خطورة تداول هذه الكتب وتدريسها دون تنقيتها مما تحتوى عليه من المدسوسات والأباطيل ودورها المباشر فى إشعال نيران فتنة التكفير والتقاتل التى يعانى منها المجتمع الاسلامى اليوم.
ولما كانت هذه الحقائق معروفة ولا تخفى عن علماء المسلمين.. فإن علماء الأزهر والمسئولون فى المؤسسات الدينية مسئولون أمام الله ورسوله وأمام الأمة الإسلامية جمعاء عن تطهير كتب التراث من الاسرائيليات والخرافات والأحاديث الموضوعة والأحكام المخالفة للقرآن والسنة التى تحفل بها هذه الكتب.. وهم قادرون على أداء هذه المهمة.. بل هم الأولى بالقيام بها بحكم اطلاعهم عليها وادراكهم لتفاصيلها.
< إقرار الأزهر بخطورة الإسرائيليات فى كتب التراث الإسلامى:
يقر الكثير من العلماء بأن كتب التراث تحفل بالاسرائيليات والأباطيل والخرافات والأحكام الباطلة.. وسوف نورد فيما يلى ما أورده علماء الأزهر الذين قاموا بتحقيق واحد من أشهر كتب التفسير وهو كتاب ابن كثير.. وكذلك ما أوردته لجنة من علماء الأزهر الذين قاموا بوضع (التفسير الوسيط) بتكليف من مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر والذى قام المجمع بطبعه ونشره:
أولاً: يقر محقق وتفسير ابن كثير طبعة دار الشعب عام 1974– وهم ثلاثة من علماء الأزهر – فى مقدمة الكتاب بأنه يحفل بالإسرائيليات التى لا تستند إلى نقل ولا إلى عقل والتى هى أشبه بالخيالات والأساطير فيقولون فى تقديمهم لهذا التفسير فى صفحة 6 بالجزء الأول بالحرف الوحد (ومع إجلالنا لقيمة الكتاب الذى نحن بصدد إخراجه فإننا نلاحظ عليه أنه حفل بالكثير من الإسرائيليات التى لا تستند إلى نقل ولا إلى عقل والتى هى أشبه بالخيالات والأساطير منها بالآثار والحقائق).
كما قال العلماء الثلاثة فى المقدمة فى صفحة 4 فى تفسيرهم لسبب التسلل الواسع للإسرائيليات والمدسوسات إلى كتب التفسير (إن الرقعة الإسلامية قد امتلأت بالفتن واضطربت بالمحن وانطوت تحت لواء الدولة الإسلامية أمم وشعوب كانت لها عقائدها ومبادئها وثقافتها وكان من بين هذه الأمم والشعوب من دخلوا الإسلام عن اقتناع وإيمان وكان منهم من دخلوا على دخل ودغل.. وقد احترف هؤلاء وهؤلاء العلم وافرغوا أنفسهم له وجدوا فى طلبه حتى استووا على عرشه وتسنموا أوجهه وبلغوا مبلغ الصدارة والرئاسة فيه.. وكان تفسير القرآن هو أحد هذه العلوم الذى تولاها هؤلاء الأعاجم عامة وأهل الكتاب منهم خاصة.. وهنا رأينا سيلاً من الإسرائيليات ومن نصوص العهدين القديم والحديث ينهمر على آى القرآن ويحيط بها.. ولقد رأينا كثيراً من المفسرين فى هذا العصر يروون عن اليهود والنصارى الذين دخلوا فى الإسلام ويستشهدون بما ينقلونه عنهم وكان لكعب الأحبار ووهب بن منبه فى هذا الميدان الواسع دور أى دور ونشاط أى نشاط.. ثم يلخص العلماء الثلاثة الواقع الذى حدث فى كتب التفسير وهو تسلل الأحاديث الموضوعة والأخبار المدخولة والخيالات التى يأباها العقل والمنطق فيقولون: (وهكذا بدأ الكدر يشوب مواد التفسير وأخذت أكاذيب أهل الكتاب وأساطيرهم تأخذ طريقها إلى هذه الموارد التى كانت من قبل طاهرة نقية لم ترنق صفواها الأحاديث الموضوعة والأخبار المدخولة والخيالات التى يأباها العقل وترفضها براهين المنطق).
ثانياً: أكد علماء مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر الذين وضعوا كتاب (التفسير الوسيط) أن الكثير من كتب التراث التى بين أيدينا اليوم قد تعرض للدس على مؤلفيها بعد موتهم عن طريق أعداء الإسلام حيث قال هؤلاء العلماء بالحرف الواحد فى مقدمة الكتاب صفحة 11 بالحزب الأول بالطبعة الأولى ما نصه (إن سيلاً جارفاً من الأساطير الإسرائيلية والأقاصيص الخرافية تطرق إلى بعض الكتب التى ألفها أعلام العلماء ونقلت عنهم بحسن نية.. وأكبر الظن أن هذه الأساطير والخرافات سرت إلى كتب القوم عن طريق أعداء الإسلام الذين عجزوا فى وقت ازدهاره عن حربه علناً فنسخوا كتب أولئك العلماء ودسوا فيها تلك الأكاذيب بعد رحيلهم إلى دار الخلود فى غفلة عن عيون الرقباء لتضعف الثقة بالقرآن وبعقليات المفسرين.. وبذلك يتم لهم ما أرادوا من حرب الإسلام عن طريق القلم بدلاً من حربه بالسيف).
< أمثلة من أحكام التكفير والقتل والإرهاب:
سوف نتناول فى السطور القادمة بعضاً من أخطر دعاوى فتنة التطرف والإرهاب لنتبين أنها تستند إلى بعض كتب التراث التى تحفل بالأحكام الباطلة والمدسوسات التى وضعها أعداء الاسلام والتى تستهدف نشر الفتن والصراعات فى الأمة الإسلامية:
1- فتاوى ابن تيمية التى تدعو إلى تكفير المسلم لأخيه المسلم وقتله:
لا يخفى على أحد أن أخطر كتب التراث التى بين أيدينا اليوم هى تلك التى تحتوى على فتاوى ابن تيمية الخطيرة والتى تعتبر أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الفكر المتطرف القائم على تكفير المسلمين بعضهم لبعض والتقاتل بين أبناء الأمة الاسلامية باسم الدين.. ولقد أوردنا أمثلة من فتاوى ابن تيمية فى المقال العاشر نقلاً عن كتاب (الفتاوى الكبرى لابن تيمية) والتى بلغ الأمر بها إلى حد الدعوة إلى قتل المسلم لأخيه المسلم الذى يؤدى الصلاة ولكنه يجهر بالنية فى صلاته بدعوى أنه بذلك يشوش على من حوله فى المسجد (المجلد الأولى ص 1)!!.. وكذلك قتل المسلم الذى لا يحضر صلاة الجماعة بالمسجد إن كان يسكن قريباً منه (المجلد الأول ص220)!!.. وقتل المسلم الذى يؤخر صلاة الفجر إلى بعد طلوع الشمس (المجلد الثانى ص 50)!!.. بل والفتوى بقتل المسلم لأخيه المسلم الذى يخالفه فى الرأى فى المسائل الفقهية الفرعية كصيام المسافر فى رمضان وقصر الصلاة فى السفر (المجلد الثانى ص214)!!.. وأخيراً يفتح ابن تيمية باب القتل على مصراعيه بالحكم بقتل أى مسلم بالشبهات وبمجرد اتهامه بأنه منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر رغم أن حقيقة هذا الاتهام لا

يعلمها إلا الخالق عز وجل (المجلد الأول ص 359)!!.
كما أوردنا فى نفس المقال أمثلة من الفتاوى الخطيرة لابن تيمية فى كتابه (السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية) والتى يحكم فيها بقتل كل من لا يلتزمون بالعبادات (كالصلاة أو الحج أو الصيام).. بل وقتل من يتركون صلاة السنة (ص64)!!.. وقتل من بلغته الدعوة ولم يستجب لها (ص109)!!
وكما يتبين من الأمثلة السابقة فإن ابن تيمية قد فتح الباب على مصراعيه لسفك دماء المسلمين وقتلهم تحت أى مبرر حتى ولو كانوا يؤدون فرائض الإسلام ويلتزمون بأحكامه .. وعلى الرغم من ذلك فإن أحداً من العلماء لم يقم بالرد على هذه الفتاوى وإثبات بطلانها وتعارضها الكامل مع القرآن والسنة.. وإنما على العكس من ذلك فإن الكثير من العلماء يصفون ابن تيمية بأنه (شيخ الاسلام).. ويبحثون عن تبريرات ساقطة يدافعون بها عن مسلك ابن تيمية الفاحش فى تكفير المسلمين والدعوة للتقاتل بينهم بالزعم بأنها كانت تتعلق بعصره والظروف التى أحاطت به!!.. وهم بذلك مسئولون أمام الله تعالى عن كل من سقطوا من المسلمين فى هذه الفتن وأصبحوا وقوداً لها وما عانته وتعانيه الأمة من التفكك والضعف والانقسام وسفك دماء المسلمين بغير حدود نتيجة دعاوى ابن تيمية إلى التكفير والتقاتل بين أبناء الامة الواحدة والتى لم تجد من العلماء من يتصدى لها ويواجهها ويكشف بطلانها وتعارضها مع القرآن والسنة لحماية الشباب وإنقاذهم من الوقوع ضحية لهذه الفتن.
2- الدعوة إلى السلب والنهب واستحلال حرمات المسلمين بعد تكفيرهم:
تستند الجماعات المتطرفة فى تبريرها للدعوة إلى السلب والنهب واستحلال الأموال والحرمات وسبى النساء من المسلمين المخالفين بالزعم بأن ذلك كله هو (رزق الله للمجاهدين)!! والزعم بأن ذلك هو حكم شرعى كما جاء فى بعض كتب التراث المتداولة بين هذه الجماعات.. ومن بينها كتاب (الحكم الجديرة بالإذاعة) تقديم وتعليق الشيخ ناصر الدين الألبانى.. وهذا الكتاب هو أحد المراجع الفكرية للتنظيمات الارهابية كما أوردنا بالتفصيل فى المقال العاشر.. ويقول الكتاب بالحرف الواحد فى صفحة 35 (إن رزق المؤمنين لا يتحقق بالسعى فى طلب الدنيا والاجتهاد فى أسبابها .. وإنما جعل الله رزقهم يتحقق بقتل أعدائهم الممتنعين عن قبول دعوة التوحيد واستباحة أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم).. ويزعم الكتاب ان المجاهدين يجب ألا ينشغلوا بالزراعة كالناس فيقول فى صفحة 39 (إن الله جعل أرزاق المجاهدين فى أسنة رماحهم فإذا زرعوا كانوا كالناس).. ويزعم أن المجاهدين الأوائل كانوا يقولون ( والله ما جئنا زراعين ولكن جئنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم)!!.
ومن البديهى أن هذه الدعوة إلى السلب والنهب واستحلال الحرمات هى مخالفة صريحة للقرآن والسنة.. فالمولى عز وجل يأمر المسلم بأن يتحرى الرزق الحلال وألا يعتدى على حقوق أو حرمات غيره وأن يسعى كل مسلم إلى تحصيل رزقه بالأخذ بكل الوسائل والأساليب التى أحلها الله كما يقول عز وجل (هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) «15 الملك».. فكيف يترك علماء الدين هذه الدعاوى الصريحة فى كتب التراث التى تسىء إلى الإسلام أبلغ إساءة وتصور المسلمين على أنهم مجموعات من العصابات المسلحة التى تعتمد فى أرزاقها على السلب والنهب.. وتصور الجهاد – الذى فرضه الله للدفاع عن أرض المسلمين ومقدساتهم ولنشر دعوة الهداية بين الناس - على أنه الوسيلة الشرعية للمسلمين للرزق الحرام وجلب السبايا والاستيلاء على أموال الآخرين وممتلكاتهم عن طريق شن الحروب الدائمة والاعتداءات المستمرة على الشعوب المجاورة لهم؟!!
3-  الدعوة إلى قتل تارك الصلاة:
تحفل كتب التراث بالأحكام الباطلة التى تدعو إلى قتل تارك الصلاة.. ولا تفرق هذه الأحكام فى القتل بين من يترك الصلاة سهواً وتشاغلاً وبين من يتركها كفراً بها وإنكاراً لفرضيتها.. وعلى حين يكتفى معظم أصحاب هذا الحكم الباطل بقتل تارك الصلاة سهواً وتشاغلاً ويسمحون بدفنه بعد قتله فى مقابر المسلمين فإن ابن تيمية لا يتورع عن تكفير هذا المسلم أيضاً ويمنع دفنه فى مقابر المسلمين ويقول بالحرف الواحد فى كتاب (السياسة الشرعية) (وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً وهذا كله مع الإقرار بوجوبها..)!!
فهل يخفى وجود هذا الحكم الباطل المدسوس فى الكثير من كتب التراث على أحد من علماء الدين؟.. وكيف يترك علماء الدين مثل هذا الحكم الباطل الذى يشعل نيران التكفير والقتل بين المسلمين بدلاً من الدعوة إلى التراحم والهداية إلى الله تعالى؟
4- الروايات المدسوسة التى تدعو إلى الأمية وتحريم الكتابة والتعلم
يروج ابن تيمية فى العديد من فتاواه ومؤلفاته للحديث المدسوس الذى يدعو إلى الأمية ويحرم تعلم الكتابة والحساب والذى يقول (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا أو هكذا يعنى مرة تسعة وعشرون ومرة ثلاثون).. ولقد حاولت بعض الجماعات الارهابية فى مصر – مثل جماعة التكفير والهجرة عام 1977 – الترويج لهذه الدعوة الباطلة.. إلا أن السنوات الأخيرة قد شهدت ظهور بعض الجماعات الإرهابية الكبيرة فى بعض البلاد الإفريقية مثل نيجيريا وتشاد ومالى وعلى رأسها جماعة (بوكو حرام).. وتستند هذه الجماعات إلى ذلك الحكم الباطل (بتحريم التعليم
غير الديني) وتقوم بمهاجمة المعاهد العلمية والمدارس وتمنع التعليم بالقوة وتنشر الخراب والدمار وتحكم بتكفير وقتل الطلبة الذين يصرون على تلقى العلم والأخذ بأسباب التعليم لتظل هذه المناطق الإسلامية الفقيرة تعانى من الجهل والتخلف والفقر والمرض باسم الإسلام.. والإسلام براء من هذه الدعاوى الآثمة !!
ولا تخفى هذه الرواية المدسوسة عن أحد من رجال الدين.. كما لا يخفى عليهم أيضاً أن ابن تيمية يقوم بالترويج لهذه الدعوة فى العديد من فتاواه المنشورة فى كتاب (مجموعة فتاوى ابن تيمية).. حتى أنه يزعم أن المسلم الذى يتعلم القراءة والكتابة خارج عن حكم الشرع ويتبع غير سبيل المؤمنين ولا ينتسب إلى أمة سيدنا رسول الله فيقول فى فتواه فى المجلد الأول صفحة 165 من كتابه ما نصه: (إن قوله: نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب هو خبر تضمن نهياً.. فإنه أخبر أن الأمة التى اتبعته وهى الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب.. فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة فى هذا الحكم.. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس فى دينها .. والخروج عنها محرم منهى عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهياً عنهما).. كما يقول أيضاً فى فتواه فى المجلد الأول صفحة 174 ما نصه (لذا كان الكتاب والحساب نقصاً وعيباً.. بل سيئة وذنباً فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية).. ويفتى ابن تيمية بتحريم العلوم كالكيمياء ويصف الكيمياء بأنها أشد تحريماً من الربا وأنها من الغش الباطل المحرم ويهاجم عالم الكيمياء المسلم العظيم جابر بن حيان.. فيقول فى فتواه فى الجزء الأول من (مجموعة فتاوى شيخ الإسلام احمد بن تيمية) صفحة 374 ما نصه: (الكيمياء أشد تحريماً من الربا.. وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهول لا يعرف وليس له ذكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين).
وإذا كان من البديهيات التى لا تخفى على أى مسلم أن القرآن والسنة يأمران بالأخذ بأسباب العلم كما جاء فى الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).. وأن الحضارة الإسلامية قد حققت أعظم الإنجازات العلمية فى مجالات الحسابات الرياضية والفلكية.. فكيف يحاول بعض العلماء الدفاع عن هذه الرواية المدسوسة التى يروج لها ابن تيمية وأتباعه والتى تقول (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)؟.. إن هذه الرواية تتعارض تعارضاً كاملاً مع صريح الآيات القرآنية فى قوله تعالى (هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) «6 يونس».. أليس من واجب العلماء تنقية الكتب الاسلامية من هذه الروايات المدسوسة والفتاوى الباطلة ومواجهتها وإثبات بطلانها وتعارضها مع القرآن والسنة.
5- الدعوة إلى الهجرة من الأوطان وقتل الانتماء للأهل والأرض:
تحفل كتب التراث بالأحكام الباطلة والروايات المدسوسة التى تدعو المسلم إلى مغادرة وطنه وأهله والانضمام إلى الجماعات الإرهابية التى تقاتل المجتمع الاسلامى بدعوى أنه (مجتمع كافر).. وتورد الكثير من كتب التراث حكماً باطلاً بتقسيم البلاد إلى ما يسمى ( بدار الحرب ودار الإسلام) حيث يزعم دعاة الفتنة أن البلد الذى يحكمون على أهله بالكفر يعتبر (داراً للحرب) وأن البلد الذى يحكمون على أهله بالإسلام يعتبر (داراً للإسلام).. ثم يستندون إلى هذا الحكم الباطل فى دعوة الشباب المتحمس لدينه إلى ترك أهله عشيرته والهجرة من أرضه وترك وطنه ومجتمعه بدعوى أنها (دار للحرب) والانضمام إلى الجماعات المتطرفة التى تتجمع وتتسلح فى مكان آخر يصفونه بأنه (دار للإسلام) استعداداً لمحاربة هذا المجتمع الكافر على زعمهم من أجل تحويله بالقوة ليصبح (داراً للإسلام)!!.. ورغم أن هذا الحكم الباطل بتقسيم البلاد إلى دار للحرب ودار للإسلام تتناقله دون تدبر الكثير من كتب التراث إلا أن أكثر الكتب ترويجاً لهذه المزاعم الخطيرة هى ما يلى:
1- كتاب وفتاوى ابن تيمية العديدة التى تحفل بهذا الحكم وتدعو المسلمين إلى الانتقال من دار الحرب إلى دار الإسلام.. وقد أخذت عنها كل الجماعات المتطرفة هذا الحكم الباطل بوجوب هجرة الشباب من أوطانهم للانضمام إلى معسكرات هذه الجماعات الإرهابية.. وقد بلغ الأمر فى خطورته إلى حد أن بعض رجال الدين – مثل الشيخ الألبانى – قد أفتوا بوجوب هجرة المسلمين فى الضفة الغربية من أرضهم وتركها لليهود تحت دعوى أنها دار حرب والانتقال إلى أى بلد إسلامى آخر!!.. وقد ورد ذلك صراحة فى فتوى الشيخ الألبانى فى كتاب (فتاوى الشيخ الألبانى) تأليف الشيخ عكاشة عبد المنان الطيبى – مكتبة التراث الإسلامى بعابدين عام 1994.. وقد أوردنا هذه الفتوى بالتفصيل فى مقالنا الثامن.
2- العديد من كتب التراث التى تتناقل الروايات المدسوسة عن معنى الهجرة مثل كتاب (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخارى ومسلم).. وتورد هذه الكتب أحكاماً باطلة تزعم أن المسلم يجب عليه شرعاً الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وتركه لأبويه وأولاده وأن ينتقل من البلد الأكثر إثماً إلى البلد الأقل إثماً حتى ولو انتقل ليعيش على رأس جبل!! 
ولقد استغل دعاة الفتنة مثل سيد قطب هذه المزاعم الباطلة عن تقسيم البلاد إلى دار حرب ودار إسلام ليدعو كل مسلم أن يخلع من عنقه كل آثار الانتماء والولاء لوطنه وأرضه وأهله وأن يعزم أمره على محاربة مجتمعه وبلده بدعوى أنها (دار حرب) وليروج للزعم بأن الانتماء والولاء للوطن يتعارض مع الانتماء للدين والعقيدة.
ومن الجدير بالذكر أن الهجرة التى يأمر بها المولى عز وجل وسيدنا رسول الله فى القرآن والأحاديث الشريفة لا تعنى مطلقاً الانتقال من مكان إلى آخر.. وإنما تعنى - كما أوضحنا بالتفصيل فى المقال التاسع – هجرة المؤمن للفواحش كما جاء فى الحديث الشريف (الهجرة ان تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ثم انت مهاجر وان مت بالحضرمة).. وكما يتبين فى قوله تعالى (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «26 العنكبوت».
ورغم إدراك رجال الدين جميعاً لوجود هذه الأحكام الباطلة فى كتب التراث التى تدعو الشباب إلى الهجرة من أوطانهم بدعوى أنها (دار حرب).. فإن أحداً منهم لم يحاول أن يتصدى لهذه الأكاذيب والأباطيل رغم خطورتها الشديدة ولم يحاول كشف تعارضها الكامل مع القرآن والسنة.. وظل المسلمون حتى يتداولون هذه المزاعم الباطلة على أنها أحكام شرعية وليست دعاوى للفتنة تستهدف تقويض أركان المجتمعات الإسلامية وإثارة الفتن والصراعات بين المسلمين.
6-  الفهم الخاطئ للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:
تحفل الكتب الدينية المتداولة بين أيدى المسلمين اليوم بالدعوة إلى الإكراه فى الدين واستخدام العنف تحت شعارات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وذلك استغلالاً للفهم الخاطئ للحديث الشريف (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان).. وهذا الفهم الخاطئ للحديث الشريف يتعارض تعارضاً تاماً مع القرآن والسنة الشريفة كما يؤدى إلى شيوع الفوضى والصراعات الدموية فى المجتمعات الإسلامية بدعوى أن المسلم يجب أن يغير المنكر بالقوة فى غيره من الناس.. فلقد حدد الحديث الشريف مسئولية كل مسلم فى قوله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).. فكل مسلم مسئول عن نفسه وعن رعيته من أهل بيته ومن يقعون تحت ولايته الشرعية.