رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اللواء أ. ح حسام سويلم يواصل رصد شعارات المتاجرة بالدين

الاعتداء على المقدسات ونشر التخريب من أساسيات فكر الإخوان

ملفات سياسية

الخميس, 29 يناير 2015 12:21
الاعتداء على المقدسات ونشر التخريب من أساسيات فكر الإخوان

أنزل الله تعالي الأمر بالجهاد في العديد من آيات القرآن.. وبينته العديد من أحاديث سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم.. ولقد لجأت الجماعات المتطرفة والإرهابية إلى المتاجرة بشعار الجهاد وتحريف معناه

.. فعلي حين يعني الجهاد مجاهدة كل إنسان لنفسه في طاعة الله ومجاهدة المسلمين للعدو إذا ما اعتدى على مقدسات الإسلام وحرمات المسلمين.. فإن هذه الجماعات حرفت هذا المعني الصحيح والمعروف وجعلت الجهاد هو مقاتلة المسلمين لبعضهم البعض وسفك دمائهم وتدمير وتخريب المجتمعات الإسلامية على النحو الذي نراه اليوم في العديد من الدول الإسلامية على أيدي الجماعات الإرهابية التي تتستر بشعار الجهاد مثل جماعة الإخوان المسلمين وأنصار بيت المقدس والقاعدة وداعش وجبهة النصرة وأجناد مصر وغيرها من الجماعات التي تحولت إلى أدوات في أيدي الأعداء لطعن الإسلام وتنفيذ مخططات أعدائه عن طريق تدمير الدول الإسلامية وإضعاف جيوشها وتفتيتها وشغلها وإلهائها عن واجبها المقدس في تحرير المقدسات الإسلامية في القدس التي تدنسها أقدام اليهود اليوم.
وعندما نرجع إلى القرآن ندرك أن الأمر بالجهاد في معظم آيات القرآن - كما سنتبين في هذا المقال - يتعلق بجهاد النفس ويستهدف هداية النفس الإنسانية والتي هي مقصد آيات القرآن كله كما يقول تعالى «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم».. وأن الجماعات المتطرفة والارهابية تحرف معنى هذه الآيات لتبرير ما تصنعه من الفتن والصراعات الدموية في صراعها للاستيلاء على الحكم والسلطة.
< أقوال وآراء:
تستند مزاعم الجماعات المتطرفة عن الجهاد إلى أقوال وآراء شخصية لزعماء هذه الجماعات وهي كلها بلا أي سند شرعي وتتعارض تعارضا تاما مع القرآن والسنة.. ومن أمثلة ذلك ما يلي:-
< أولًا: أقوال وآراء ابن تيمية:
يدعو ابن تيمية إلى التقاتل بين المسلمين واستحلال الأموال والأعراض تحت شعارات الجهاد.. ويتبين ذلك كما يلي:
أ) يدعو ابن تيمية إلى مقاتلة أي فئة أو جماعة لا تستجيب لدعوته ويزعم أن ذلك هو حكم الشرع فيقول في صفحة 109 من كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» ما نصه: (كل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله فلم يستجب لها فإنه يجب قتاله)!!
ب) أباح ابن تيمية وأتباعه أعمال السلب والنهب واستحلال الأموال والحرمات للمسلمين المخالفين دعوتهم تحت الزعم بأنه لا حرمة للنفس أو المال لمن يحكم عليه بالكفر!!.. وقد قال ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» صفحة 39 ما نصه (الكافرون أباح الله أنفسهم التي يعبدوه بها وأموالهم التي يستعينون بها على عبادته لعباده المؤمنين) كما قال في نفس الصفحة في تبريره لهذه الدعوة (إن الأصل في الخلق هو عبادة الله تعالي فمن حكم بكفره لم يعد هناك حرمة لنفسه أو لماله)!!.. واستنادًا إلى هذا الزعم روج بعض أتباع ابن تيمية في كتبهم صراحة للدعوة إلى القرصنة والسطو المسلح باسم الدين مثل كتاب (الحكم الجديرة بالإذاعة) تقديم نصر الدين الألباني وهو أحد مراجع الجماعات الإرهابية.. ويقول الكتاب بالحرف الواحد في صفحة 35 (إن رزق المؤمنين لا يتحقق بالسعي في طلب الدنيا والاجتهاد في أسبابها.. وإنما جعل الله رزقهم يتحقق بقتل أعدائهم الممتنعين عن قبول دعوة التوحيد واستباحة أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم).. ويزعم الكتاب أن المجاهدين يجب ألا ينشغلوا بالزراعة كالناس فيقول في صفحة 39 (إن الله جعل أرزاق المجاهدين في أسنة رماحهم فإذا زرعوا كانوا كالناس).. ويزعم أن المجاهدين الأوائل كانوا يقولون (والله ما جئنا زراعين ولكن جئنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم).
ولا يخفى على أي مسلم أن هذه المزاعم لابن تيمية عن استحلال حرمات وأموال الكافرين تخالف مخالفة تامة آيات القرآن كما تخالف السنة الشريفة.. فلقد قام سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم برد كل الأمانات التي كان أهل مكة يحتفظون بها عند حضرته إلى أصحابها من الكافرين عند هجرته من مكة إلى المدينة.. وقد ترك حضرته سيدنا على بن أبي طالب في مكة ليقوم برد هذه الأمانات إلى أصحابها رغم شدة كفرهم ومحاربتهم للدعوة.. وكذلك فإن سيدنا رسول الله لم يستحل دماء الكافرين لمجرد كفرهم ولم يأمر بقتل الكافرين عند فتح مكة وإنما قال لهم «اذهبوا فأنتم الطلقاء».. فأين ذلك من دعوة ابن تيمية وأتباعه الذين يكفرون المؤمنين ثم يبيحون لأنفسهم استحلال دمائهم وأموالهم وحرماتهم تحت شعارات الجهاد؟!!

ثانيًا: أقوال وآراء حسن البنا:
زعم حسن البنا كذبًا وافتراءً أن الحكومة هي ركن من أركان الإسلام ودعا أتباعه إلى الجهاد لإقامة ما يسمي بالحكومة الإسلامية.. وقد وردت هذه المزاعم في كتاب (مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا) طبعة دار الشهاب.. وعلى الرغم من أن هذا الزعم الآثم لحسن البنا يخالف الأساسيات التي يعرفها كل مسلم وهي أن أركان الإسلام خمسة فقط (وهي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا).. ليس بينها إقامة الحكومة الإسلامية المزعومة.. إلا أن حسن البنا يدعو أتباعه إلى الجهاد المسلح للاستيلاء على السلطة وإقامة الحكومة الإسلامية التي يزعم أنها أحد أركان الإسلام.. كما يتبين من أقواله الآتية:

< حسن البنا
• يقول حسن البنا بالحرف الواحد في صفحة 170 (إن الإسلام كما يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه) !!..
• ويقول حسن البنا في صفحة 170 (إن الإخوان المسلمين لا يطلبون الحكم لأنفسهم.. فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله )..
• ويؤكد حسن البنا أن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة لتحقيق هذا الهدف بمجرد أن يصبحوا جاهزين للمواجهة فيقول بالحرف الواحد صفحة 162: (في الوقت الذي يكون فيه منكم - معشر الإخوان المسلمين - ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيًا بالإيمان والعقيدة وجسمياً بالتدريب.. في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار واقتحم بكم عنان السماء وأغزو بكم كل عنيد جبار فإني فاعل إن شاء الله.. ألفوا الكتائب وكونوا الفرق، وأقبلوا على الدروس وسارعوا إلى التدريب).
• ويؤكد حسن البنا أهمية استخدام الإخوان المسلمين للقوة والسلاح لإقامة ما يسمي بالحكومة الإسلامية فيقول في صفحة 168: (يتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟).. ثم يجيب عن هذا التساؤل بقوله: (الإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء.. قوة العقيدة والإيمان ثم قوة الوحدة والارتباط ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح).
• ويحدد حسن البنا توقيت استخدام الإخوان المسلمين القوة لإقامة الحكومة الإسلامية المزعومة فيقول بالحرف الواحد في صفحة 170: (سيستخدم الإخوان المسلمون القوة حين لا يجدي غيرها.. وعندما يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء ينذرون أولًا ثم ينتظرون ثم يقدمون)!!.
ولا تتوقف دعوة حسن البنا عند حد القتال من أجل الاستيلاء على الحكم في مصر فقط وإنما تمتد إلى تصدير الفتن والفوضي إلى كل البلاد الإسلامية المجاورة.. فيزعم في نفس الكتاب (مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا) أن الجهاد يقتضي الاستمرار في مقاتلة الكافرين وإرسال السرايا لمحاربتهم دون انقطاع حتى ولو لم يحدث منهم أي اعتداء على المسلمين فيقول حسن البنا بالحرف الواحد في صفحة 258: (إن الجهاد يفرض علينا أن نبدأهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة وإن لم يقاتلونا.. ويجب على الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين).
ثالثًا: أقوال وآراء أبي الأعلي المودودي:
يعتبر أبو الأعلي المودودي مرجعًا مهمًا للجماعات الإرهابية والمتطرفة كجماعة الجهاد منذ الستينات وحتى اليوم.. وقد كان على علاقة وثيقة بالإخوان المسلمين وقد روج أبو الأعلي المودودي لمزاعم حسن البنا بأن الهدف من الجهاد في الإسلام هو (إنشاء الحكومة الإسلامية)!!.. وسخر من الاقتصار على تعليم الناس المعتقد الصحيح والمبادئ الأخلاقية وزعم أن إنشاء الحكومة الإسلامية هو المهمة الحقيقية للإسلام!!.. فقال في كتابه (الحكومة الإسلامية) صفحة 115 ما نصه: (إن الجهاد في سبيل تكوين هذه الحكومة وإيجادها هو أمر مشروع ومطلوب ومندوب)!!.. ثم قال بالحرف الواحد في نفس الصفحة (ما هي مهمة الإسلام الحقيقية في هذه الدنيا؟.. هل مهمته تفهيم الناس حفنة عقائد وتعليمهم قليلًا من المبادئ الأخلاقية تخلق فيهم رقة وليونة ؟.. إذا كانت هذه مهمته فلا فرق بينه وبين الديانة البوذية أو المسيحية)!!..
رابعًا: أقوال وآراء جماعة الجهاد الإسلامي:
يعتبر كتاب عبد السلام فرج (الفريضة الغائبة) دستور جماعة الجهاد الإسلامي منذ السبعينات وحتى اليوم (كما تعلن المواقع الإلكترونية التابعة لها).. ويذكر هذا الكتاب أن هدف جماعة الجهاد هو مقاتلة وإسقاط الأنظمة والحكومات في البلاد الإسلامية وليس محاربة الاستعمار أو الصهيونية أو الدول التي تجهر بعدائها للمسلمين.. ويبرر ذلك بقوله في صفحة 32: (أما الذين يدعون إلى توجيه الطاقات الإسلامية نحو تحرير مقدسات المسلمين وأوطانهم المحتلة من الصهيونية والاستعمار فإن جماعة الجهاد يقولون لهم ليست هذه المعركة المباشرة وليس هذا هو الطريق الصحيح لتحرير هذه المقدسات.. أما الطريق الصحيح لتحرير القدس فإنه يمر عبر تحرير بلادنا من الحكم الكافر لأن هؤلاء الحكام هم أساس وجود الاستعمار في بلاد الإسلام ولابد من إزالة هؤلاء أولًا ثم الانطلاق تحت قيادة إسلامية لتحرير المقدسات) !!.. ثم يقول (إن الاستعمار هو العدو البعيد وإن الحكام الكفرة هم العدو القريب).
خامسًا: أقوال وآراء تنظيم داعش:
يقتصر الدعاة في تنظيم داعش – كما يتبين من المواقع الإلكترونية التابعة له – على الدعوة (لإقامة الخلافة المزعومة) وتنصيب خليفة للمسلمين بمعرفتهم.. وهم يطالبون أتباعهم بالجهاد لتنفيذ هذا الهدف بالقوة المسلحة.. ويستندون إلى روايات كاذبة مثل الحديث المدسوس (لقد جئتكم بالذبح) وغيره.. لتبرير الجرائم الوحشية لهذه الجماعة في ذبح المسلمين وقطع رقابهم وسفك دمائهم وسبي النساء ونقض العهود والمواثيق ونشر الفزع وتخريب الديار وترويع الآمنين!!.. ومن البديهي أن كل أقوال دعاة هذا التنظيم عن الجهاد – وكذلك كل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة الأخرى – تخلو تمامًا من أي إشارة أو ذكر لجهاد النفس رغم أنه أساس الجهاد لكل مسلم لينعم بالهداية ويتحلي بمكارم الأخلاق المحمدية !!!
< وجوب التأسي بالرسل في الدعوة:
إن أي داع صادق في الأمة لابد أن يتأسى بحضرات الرسل امتثالًا لأمر المولي عز وجل في قوله تعالي (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) «21 الأحزاب».. ولقد بعث الله تعالي رسله الكرام لهداية الناس إلى الخالق عزوجل كما يقول تعالي (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) «52 الشوري».. وارتبط بعث حضرات الرسل بإتمام مكارم الأخلاق في الأمة كما يتبين من الحديث الشريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. وكان كل رسول لا يكل ولا يمل في دعوته لقومه إلى الهداية رغم إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين حتى إن سيدنا نوحا عليه الصلاة والسلام قد قضي ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه إلى الله تعالي ليلًا ونهارًا سرًا وجهرًا رغم شدة كفرهم وإعراضهم.. ولم يلجأ سيدنا نوح طوال هذه السنوات إلى معاقبة أحد على كفره أو استخدام القوة أو العنف لإجبار أحد على الإيمان تاركًا أمرهم للمولي عز وجل الذي يختص بحساب الناس على إيمانهم أو كفرهم كما يقول تعالي (إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب).. وكذلك فإن سيدنا موسي وسيدنا هارون عندما ذهبا إلى فرعون فقد امتثلا لأمر المولي عز وجل بدعوته بالقول اللين في قوله تعالي (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) 43/44 مريم.. وذلك على الرغم من كل ما كان يتصف به فرعون من الكبر والطغيان.. ويتبين من منهج الرسل في الدعوة كما جاء في القصص القرآني أن حضرات الرسل جميعًا لم يسعوا مطلقًا إلى السيطرة على الحكم أو الوصول إلى السلطة.. بل إن بعض دعاة التطرف والإرهاب لم يتورعوا عن الإعلان الصريح عن اعتراضهم على منهج الرسل في الدعوة إلى الله دون عنف أو إكراه.. ومن هؤلاء أبو الأعلى المودودي الذي سخر – في العبارة التي أوردناها في السطور السابقة – ممن يقومون بتعليم العقيدة الإسلامية الصحيحة والمبادئ الأخلاقية.. وزعم أن ذلك المنهج - بغير الدعوة إلى التقاتل والعنف - يخلق في المسلمين (رقة وليونة) وأنه يشبه (البوذية أو المسيحية)!!.
ويتأكد لنا مما سبق أن كل أقوال دعاة الفتنة والإرهاب عن (الجهاد المزعوم) والتي تدعو إلى الاقتتال بين المسلمين وسفك الدماء وتدمير وتخريب المجتمعات الإسلامية.. كما يكشف تعارضها الكامل مع القرآن والسنة ومنهج حضرات الرسل جميعًا في الدعوة إلى الله.
< جهاد النفس:
إن جهاد النفس ضرورة لكل مسلم وقد وصفه سيدنا رسول الله بأنه الجهاد الأكبر وذلك في قول حضرته في الحديث الشريف بعد عودة المسلمين من احدي الغزوات (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.. قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال: جهاد النفس).. فالمسلم لا بد له من مجاهدة نفسه حتى يستطيع أن يداوم على أداء العبادات والطاعات ولا يركن إلى التكاسل أو التراخي أو الانشغال عن أدائها.. ولابد له أيضًا من مجاهدة نفسه حتى يكون في أدائه للعبادات خاشعًا حاضر القلب صادق الوجهة إلى الله تعالي.. كما أن جهاد النفس ضرورة أيضًا لكل مسلم حتى يتجنب الوقوع في المخالفات والذنوب والآثام.. وكذلك فإن جهاد النفس هو الذي يحفظ الإنسان من اتباع الأهواء التي تبعده عن طاعة الله ورسوله.. ولقد بين سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ضرورة مجاهدة المسلم لنفسه في الحديث الشريف (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك).. فإذا ركن الإنسان إلى نفسه فإنه ينزلق شيئًا فشيئًا إلى المعاصي والمخالفات واتباع خطوات الشيطان خطوة بعد خطوة وهو ما يحذرنا منه المولي عز وجل في قوله تعالي (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) «168 البقرة».. حتى يصبح الإنسان أسيرًا لنفسه التي تأمره بالسوء وحتى تتملكه الأهواء والشهوات فلا يستطيع الخروج منها.. وتتأكد لنا ضرورة مجاهدة النفس عندما نتوقف أمام الحديث الشريف (حفت

الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات).. فجهاد النفس هو الذي يحدد مصير الإنسان.. فهو الذي يحمي المؤمن من الوقوع في الشهوات التي تنتهي بالإنسان إلى النار.. وهو السبيل لإلزام النفس طاعة الله التي تصل بالمؤمن إلى الجنة..
ولقد وعد الله تعالي عباده المؤمنين الذين يحرصون على مجاهدة أنفسهم في طاعة الله بأن يعينهم وينصرهم على أنفسهم ويهديهم سواء السبيل كما يقول تعالي (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) «96 العنكبوت».. وكلما اهتدي المؤمنون وحرصوا على مجاهدة أنفسهم زادهم الله اهتداءً وفضلًا حتى ينعموا بتقوي الله كما يقول تعالي (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) «17 الأحقاف».. وباستمرار المؤمن في مداومته على جهاده لنفسه يزيده الله تعالي حبًا للطاعة حتى يصبح هواه في كل أمور دينه ودنياه تبعًا لما جاء به سيدنا رسول الله كما يقول حضرته في الحديث الشريف (والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به).. وكما يتبين من الحديث فإن هذا المؤمن ينعم باستمراره في جهاده لنفسه حتى تكون طاعة الله ورسوله أحب إليه مما سواها في هذه الحياة الدنيا.. ولقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في قوله تعالي (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) «6 الأحزاب».. حيث تبين الآية أن المؤمنين الصادقين أولى بهم أن يستبدلوا أنفسهم المليئة بالأهواء والشهوات بنفس الرسول النقية المزكاة وذلك بمجاهدتهم لأنفسهم وطاعتهم لحضرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وتذكرهم الدائم له.
< الهجرة وارتباطها بجهاد النفس
عندما نرجع إلى القرآن نجد أن العديد من الآيات يرتبط فيها الإيمان بالهجرة والجهاد.. ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالي (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) «73 الأنفال».. (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) «74 الأنفال».. (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) «20 التوبة».
وكما هو معروف فإن الإيمان هو أمر شخصى يتعلق بقلب كل مؤمن على حده.. والهجرة كذلك هي أمر شخصى يتعلق بكل مؤمن وقد عرف سيدنا رسول الله الهجرة في حديثه الشريف بقوله (الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن).. ومن ثم فإن الجهاد الذي يرتبط بالإيمان والهجرة كما ورد في هذه الآيات لابد أن يكون أيضًا أمرًا شخصيًا يتعلق بإيمان المؤمن وهجرته للفواحش.. وهذا هو جهاد النفس.. وقد بين ذلك الحديث الشريف: (الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله).. فهذا الحديث يبين أن الخصلة الأولى للهجرة هي (هجرة السيئات) وهي التي يهجر فيها المؤمن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. كما يشير إلى الخصلة الثانية للهجرة وهي (الهجرة إلى الله ورسوله) وهي التي ينعم بها الله عز وجل على المؤمنين الذين يحرصون لى مجاهدة أنفسهم ويداومون على طاعة الله ورسوله فتهاجر نفوسهم الى الله عز وجل وينعمون بالقرب الإلهي في حياتنا الدنيا.. ولقد وصف القرآن الواقع الذي ينعم به هؤلاء المؤمنون الصادقون في حياتهم الدنيا وتذكرهم الدائم للخالق عز وجل في كل لحظة من لحظات حياتهم وذلك في قولته تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلقه السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) «191 آل عمران».. كما يبين القرآن أن هؤلاء المؤمنين الذين يداومون على مجاهدة أنفسهم لا تنشغل قلوبهم بأمور الدنيا من المال أو الأهل ولا يلهيهم أي أمر عن ذكر الله كما يقول تعالى.. (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) «38 النور».
هذه بعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة عن جهاد النفس والتي تؤكد ضرورة مجاهدة كل مؤمن لنفسه في كل لحظة من لحظات حياته حتى ينعم بطاعة الله ويحفظ الله تقواه.

< جهاد الحرب:
شرع الله القتال للمؤمنين دفاعًا عن أرض المسلمين ودينهم وحرماتهم ومقدساتهم فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) «15/17 الأنفال».. وأمر المولي عز وجل المؤمنين بالاستعداد الدائم لملاقاة العدو فقال تعالي (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) «60 الأنفال».. وتبين هذه الآيات أنه إذا ما فرض القتال على المسلمين فإن المشاركة فيه هي فرض عين على كل مسلم قادر.. فمن استطاع أن يقدم النفس فليقدم النفس.. ومن استطاع أن يقدم المال فليقدم المال.. ومن لم يملك النفس والمال فليكن مشاركًا بقلبه بالدعاء الصادق الذي لا يتوقف أن ينصر الله جيوش المسلمين على أعدائهم.. ولقد بين لنا سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أهمية دعاء المؤمن الصادق في الحديث الشريف (الدعاء سلاح المؤمن).. ومن ثم فإن المؤمنين جميعًا لابد أن يجتمعوا على قلب رجل واحد في مواجهة أعدائهم عندما يحيق الخطر بالمسلمين وتحين لحظة المواجهة مع أعدائهم ويتساوى في مسئولية المواجهة من كان له شرف المشاركة بالنفس أو بالمال أو بالدعوة الصادقة من المؤمنين..
ومن الجدير بالذكر أن الله قد جعل قتال الكافرين مشروطاً بأن يبدأوا هم بقتال أو اعتداء أو أن يمثلوا خطراً أو تهديداً للمسلمين في أرضهم أو حرماتهم أو مقدساتهم وهو ما يتبين في قوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» «البقرة 190».. ويحذر المولى عز وجل المسلمين في نفس الآية من الاعتداء على غيرهم دون سبب أو مبرر وذلك في قوله تعالى (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).. ويتبين من ذلك بطلان زعم ابن تيمية ومن يروجون له (وعلى رأسهم حسن البنا وسيد قطب) بوجوب مقاتلة «جميع المشركين» لمجرد شركهم حتى ولو يبدوا أي بادرة للعدوان على المسلمين.. وهو زعم كاذب يستهدف تبرير مسلك الجماعات الارهابية والمتطرفة في مقاتلة المخالفين لهم من المسلمين واستحلال حرماتهم بعد أن يحكموا عليهم بالكفر!!.
< الارتباط بين جهاد الحرب وجهاد النفس:
يرتبط جهاد النفس بجهاد الحرب ارتباطًا وثيقًا ولا يمكن الفصل بينهما.. فجهاد النفس هو الجهاد الأكبر الذي يجب أن يحرص كل مؤمن على المداومة عليه طوال حياته كلها حتى يظل المؤمن طائعًا لله فلا يقع في المخالفات أو المعاصي.. والجهاد في ميدان القتال لا ينفك عن جهاد النفس.. فلابد للمجاهدين الذين يحاربون أعداء الإسلام أن يجاهدوا أنفسهم حتى يصبروا ويثبتوا ويصمدوا في مواجهة أعدائهم ويقدموا حياتهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام وحماية أرضه ومقدساته وحتى يحققوا النصر على أعدائهم مهما كان قدر ما يملكون من العدة أو الرجال.. كما أن المؤمنين المقاتلين في سبيل الله لابد أن يجاهدوا أنفسهم لإلزامها طاعة الله حتى يتحقق لهم النصر.. فلقد جعل الله تعالي انتصار المؤمنين على أعدائهم مشروطًا بانتصارهم على أنفسهم كما جاء في قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) «7 محمد».. فقوله تعالي (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ) معناه (إن تنصروا الله على أنفسكم).. فالمؤمنون ينتصرون على أعدائهم بطاعتهم لله ومعصية أعدائهم له كما جاء في قول سيدنا عمر بن الخطاب للمؤمنين الذين خرجوا لقتال أعدائهم (إنما ننتصر عليهم بطاعتنا لله ومعصيتهم له).
ولقد شهدت حروب المسلمين وغزواتهم أعظم البطولات والتضحيات التي تنم عن أعلي درجات مجاهدة النفس.. كما شهدت هذه الحروب أعظم الأخلاقيات الإسلامية لأن المجاهدين المسلمين الطائعين يحرصون في قتالهم على الالتزام بمكارم الاخلاق التي أوصي بها سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون.. فلقد نهي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم عن التمثيل بأجساد الأعداء في القتال في حديثه الشريف (إياكم والمثلة).. وأوصي سيدنا أبو بكر الصديق جنوده بالالتزام بمكارم الأخلاق في قتالهم في وصيته المعروفة بقوله: (لا تخونوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا تقطعوا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له).
ولعل هذه الحقائق الأخيرة عن شروط مقاتلة الكافرين وعن (الاخلاقيات الإسلامية) في القتال تكشف وحدها حقيقة دعاة الفتنة من الإرهابيين والمتطرفين الذين يتخذون من شعار الجهاد ستارًا لجرائمهم.. فهم يقتلون المسلمين الآمنين ويتركون المعتدين وكل من يهدد ديار المسلمين ومقدساتهم.. وهم يرتكبون كل الجرائم التي نهي الله ورسوله عنها من قتل وذبح وتمثيل وانتهاك للحرمات.. ولم يعد خافيًا على أي مسلم ذي بصيرة أن هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية ليست سوي معاول للهدم والتخريب والتدمير للبلاد والمجتمعات الإسلامية ولا تخدم إلا مخططات أعداء الإسلام ومؤامراتهم.