رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬حلم تاريخى‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬‮«‬مبارك‮»‬

الصناديق‭ ‬الخاصة‭.. ‬مغارة‭ ‬على‭ ‬بابا

ملفات سياسية

الاثنين, 15 ديسمبر 2014 06:49
الصناديق‭ ‬الخاصة‭.. ‬مغارة‭ ‬على‭ ‬بابا
تحقيق - فاتن الزعويلي:

يبحث المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء ملفاً عن الصناديق الخاصة الذى يتضمن إدخال تعديل تشريعي لتنظيم عمليات الصرف من أرصدة الصناديق

والحسابات الخاصة، بحيث تخضع عمليات الصرف للقواعد القانونية المطبقة على كل الجهات العامة، وذلك فيما يخص المناقصات والمزايدات التي تجريها هذه الصناديق والحسابات الخاصة، أو صرف أجور ومكافآت للعاملين بما يهدف إلى مزيد من تفعيل المظلة الرقابية ونحن فى انتظار تفعيل هذا التعديل.
فالصناديق الخاصة أنشئت بهدف دفع مسيرة التنمية وتحقيق مرونة في عملية الإنفاق علي المشروعات التي تعجز الموازنة العامة عن الوفاء بها، وكالعادة تحول الهدف عن مساره وتم توظيف الصناديق لتكون باباً خلفياً لنهب المال العام وإنفاقه في غير الأغراض المخصصة لذلك، خاصة بعدما سيطرت سياسات عقيمة علي أداء الصناديق رسخت لفساد أكبر يقاوم عمليات الإصلاح.
ويرى المحللون أن الصناديق الخاصة هي منجم للفساد لصالح كبار المسئولين وأنها تحتاج إلى الشفافية فى اللوائح والقوانين التى تنظمها، بالإضافة إلى إخضاعها للمراقبة من قبل الجهاز المركزى للمحاسبات.
«الوفد» تفتح ملف الصناديق الخاصة، محاولة الإجابة على أسئلة الكثيرين: كيف نشأت هذه الصناديق؟.. من يديرها؟.. وما الجهات الرقابية المنوط بها محاسبة المسئولين عنها؟.. وما مصادر دخلها؟.. وفي أي مجال تنفق ما تجمعه من أموال؟.. لماذا لا تضم إلى الموازنة العامة للدولة؟
تم إنشاء أول صندوق في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تحت مسمي «صندوق النظافة» بالقانون رقم 38 لسنة 1967 الذي يجمع أمواله من رسوم النظافة المحلية.
بعد تولي الرئيس الراحل أنور السادات مقاليد الحكم أصدر القانون رقم 53 لسنة 1973 من خلاله أجاز إنشاء الصناديق بأمر من رئيس الجمهورية، وأعطت له الحق في تخصيص موارد معينة لتمويلها، أي بموجب هذا القانون يكون للصندوق موازنات خاصة خارج الموازنة العامة للدولة.
وكان السبب الرئيسي في إنشاء الصناديق الخاصة وقتها هو التغلب علي القوانين الروتينية التي تعوق الاستثمار وتسهل من إنجاز الإجراءات والصفقات والمناقصات بدلاً من الاعتماد علي القوانين التي تأخذ وقتاً طويلاً، خاصة أن مصر وقتها بدأت تنتهج سياسة الاقتصاد الحر والتخلي عن فكرة الاشتراكية الناصرية.
وبعد تولي الرئيس الأسبق حسني مبارك حدث توسع في إنشاء الصناديق الخاصة بشكل خطير وتمت صياغة العديد من القوانين التي تسمح للجهات المختلفة بإنشاء الصناديق، أبرزها قانون صندوق الجامعات رقم 49 لسنة 1992 لتصبح هذه الصناديق هي الباب الخلفى للفساد في الدولة، وحققت ارتفاعاً كبيراً في مصادر دخلها ومواردها في ظل غياب تام للرقابة علي أموالها التي تذهب معظمها في مكافآت لأصحابها.
وفي عهد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق أصدر القانون رقم 139 في عام 1996 لكي يسمح للصناديق الخاصة بإنشاء حسابات لها في البنوك، وهو الأمر الذي ساهم في تضليل الجهات الرقابة وعدم معرفتهم أرصدة الصناديق الفعلية.
وأكد تقرير صادر عن الجهاز المركزى للمحاسبات أن أعداد الصناديق الخاصة وصل إلي 6215 صندوقاً برصيد بلغ 34 مليار جنيه، وأنه بالمقارنة بعام 2011 التي كانت الصناديق تقدر بـ 5241 صندوقاً برصيد بلغ 32 مليار جنيه، بينما الرصيد بالعملة الأجنبية حتي سبتمبر 2012 فقد سجل 7.18 مليار لعدد 715 حساباً داخل البنك المركزي.
هناك نوعان من الصناديق الخاصة.. النوع الأول: هو الصناديق التي تمثل كياناً إدارياً مستقلاً بذاته يدخل في الموازنة العامة للدولة بمسماه مثل «صندوق التنمية الثقافية» و«صندوق السجل العيني» و«صندوق دعم وتمويل المشروعات التعليمية» و«صندوق دور المحاكم والشهر العقاري» و«صندوق دعم وتطوير خدمات الطيران» وغيرها، وهذه صناديق قانونية تخضع للرقابة وتستخدم أموالها للأغراض التي  يحمل الصندوق اسمها.. أما النوع الثاني: فهو الصناديق التي تنشأ من داخل وحدات الجهاز الإداري للدولة أو المحافظات أو الهيئات الخدمية وتابعة لها مثل «حساب الخدمات والتنمية المحلية بالمحافظات» و«حساب الإسكان الاقتصادي بالمحافظات» و«حساب استصلاح الأراضي» و«صناديق تحسين الخدمة» وغيرها، وهذه

صناديق لا تخضع للرقابة المركزية وهي مصدر الفساد واللغط الدائر حول الصناديق الخاصة.
كان المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات قد تقدم للمهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء بمذكرة أوصى فيها بضرورة إصدار مرسوم بقانون لخضوع جميع الصناديق الخاصة لرقابة الجهاز وإلزام جميع جهات الدولة بالإفصاح عما لديها من صناديق خاصة ومصادر تمويلها وإنفاقها، كما طالب في القانون بمعاقبة الممتنعين من المسئولين عن الإدلاء بتلك المعلومات بالعزل من الوظيفة والمحاكمة الجنائية.
وأوضح «جنينة» أن الصناديق الخاصة يتم تمويل بعضها من اشتراكات الأعضاء أو من الموازنة العامة للدولة أو في صورة رسوم، مؤكداً مخالفتها للدستور، وشدد  على ضرورة ضم حصيلة تلك الصناديق إلى الموازنة العامة للدولة، مضيفاً أن فكرة الصناديق الخاصة أنشئت منذ الستينيات ولكنها انتشرت وأصبحت بدون رقابة.
وأضاف أن الصناديق الخاصة ليست جميعها فاسدة، فهناك صناديق التكافل ومشاريع العلاج، وهي مهمة تقوم بدور في خفض المعاشات عن المواطنين وبديلاً للدولة في هذا الشأن.
وفى تصريح للدكتور هانى قدرى، وزير المالية قال: إن من أهم الصناديق والحسابات الخاصة صناديق الهيئة العامة للبترول برصيد 2.3 مليار جنيه وحساب مكتبة الإسكندرية برصيد 1.04 مليار جنيه، وصندوق تطوير خدمات الطيران المدنى برصيد 333.4 مليون جنيه، وصناديق وزارة الداخلية برصيد 436.8 مليون جنيه بخلاف المحليات التى تقوم بتعيين عاملين على الحسابات والصناديق الخاصة وصل عددهم إلي 156.27 ألف موظف يتقاضون شهرياً 897.4 مليون جنيه، مشيراً إلي أن إيرادات تلك الصناديق مرتفعة حيث تضم حصيلة الغرامات والرسوم مثل غرامات الطرق ورسوم عبور البوابات، كما أن عدد الصناديق والحسابات الخاصة للجهات الموازية (جهاز إداري - إدارة محلية - هيئات خدمية) الموجودة حالياً بمصر طبقاً لآخر إحصاء تم في 30 يونية الماضي يبلغ نحو 6347 حساباً بإجمالي أرصدة 27.275 مليار جنيه.
وفى هذا السياق يقول الدكتور حمدى عبدالعظيم، عميد أكاديمية السادات للعلوم سابقاً والخبير الاقتصادى: إن الصناديق الخاصة عبارة عن أوعية موازية في الوزارات أو الهيئات العامة وتنشأ بقرارات جمهورية تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات تتنوع مصادر تمويلها، فهناك صناديق تأخذ موارد من الجمهور وتمول الخدمات الإضافية له لأن خزانة الدولة لا يوجد بها أموال كافية، وهذه الصناديق تخضع للجهاز المركزى للمحاسبات ووزارة المالية ويتم التفتيش عليها قبل الصرف وبعد الصرف وهذه الصناديق لا تسبب أى مشكلة، إلا أن هناك بعض البنود نرى أنها ليست مهمة مثل الاحتفالات والهدايا والمهرجانات، استقبال كبار الموظفين، التعيينات والمكافآت وكل ذلك يعد إهداراً للأموال لأنه لا يوجد تكافؤ بين مختلف الفئات.
وتابع: هناك صناديق للمشروعات الأجنبية بمعنى أن تمويلها يأتى من منحة خارجية وهذه الصناديق غير مقيدة فى اللوائح المالية «أموال الحكومة» وهذه الصناديق مرتبطة بفترة المنحة، أى أنه إذا نفدت أمواله ينتهى هذا الحساب نهائياً، فالمشكلة تتمثل فى اللوائح والقوانين المنظمة لهذه الصناديق.
ويطالب «الخبير الاقتصادى» الجهات المشرفة علي الصناديق بمزيد من الشفافية من خلال إدراج كل بيانات الإيداع والإنفاق عن طريق البنك المركزي وبقرار صادر من وزير المالية طبقاً للقانون فلا يكتفي بمجرد وضع مندوب للوزارة كل مهمته التوقيع علي الصرف والإنفاق، خاصة أن هناك تجاوزات قد حدثت بالفعل تمثلت في مكافآت الموظفين العاملين بهذه الجهات ولذلك من الضروري عمل لائحة جديدة لتعديل القانون.
فيما أضاف البدرى فرغلى، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات أن الصناديق الخاصة بمثابة نخب امام اى مسئول فهى تحتوى على مئات المليارات أنشئت فى نظام مبارك لتلبية مطالب الكبار فقط من أجل أن يطيعوا ما كان يصدر لهم من أوامر بعد أن زادت حصتهم من الفساد، وهذه الصناديق لها لوائح سرية ولوائح علنية، والكبار استغلوا هذه الصناديق للنهب المنظم والفساد القانونى، أى أنهم كانوا يحصلون من هذه الصناديق على أموال هائلة بالقانون واللوائح.
وأردف «فرغلى» أن الخطر الشديد في هذه الصناديق أن أموالها تأتى من الضرائب والرسوم الموجهة إلى الخزانة العامة للدولة، وأن كل ما يفرض عليه رسم أو ضريبة يستقطع منه وهو فى الطريق جانب كبير يدخل الصندوق والباقى يذهب إلى الخزانة العامة فهذه الصناديق تمثل قاطع طريق لأموال الشعب الموجهة إلى الخزانة العامة، ولم يستطع أى نظام فى مصر أن يقترب من هذه الصناديق ولا يستطيع أحد أن يقوم برصدها أو تجميعها أو معرفة ما فيها.
وأشار «فرغلى» إلى أن هذه الصناديق تمزق العدالة الاجتماعية، كما أنها غير خاضعة للرقابة المالية من الجهاز المركزى للمحاسبات، فالكبار يحصلون منها على كل ما يريده.
وأضاف أن هناك حوالى 86 هيئة حكومية هيئات اقتصادية مثل هيئة السكة الحديد، وهيئة البريد وهيئة الموانئ، فكل هيئة لها صندوق خاص تتعامل فيه بعيداً عن كل أنواع الرقابة، وجميع المسئولين يتحاشون الاقتراب من هذه الصناديق لأن الجميع متورط من داخلها ويصرفون المستحقات من داخلها وجميها أموال عامة مأخوذة من الشعب، فهى ملك الخزانة العامة للدولة، فمثلاً جميع الإيصالات الصادرة من الخزانة العامة إذا احتوت على أى رسم هذا الرسم لا يذهب إلى الخزانة العامة يتم الاستقطاع منه، فالمحافظة تأخذ حصة والمحافظ يحصل على حصة وكذلك مكتب الوزير، والوزير نفسه يأخذ حصة، فإذا احتوى الإيصال على 1000 جنيه مثلاً يصل إلى الخزانة العامة 200 جنيه بعد الاستقطاعات التى جرت عليه حتى عندما تم تطبيق الحد الأقصى للأجور، فالصناديق الخاصة لا تخضع للحد الأقصى للأجور.
وأشارت الدكتورة بسنت فهمى، الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، إلى أنه منذ أنشئت الصناديق الخاصة فترة تولى رئيس الوزراء الراحل عاطف عبيد الذى جعل لكل هيئة صندوق خاص بها ولو نظرنا إلى الموازنة العامة للدولة سوف نجد أن كل الإيرادات توزع على العاملين فى القطاعات المختلفة، أما باقى الشعب فلا يجد شيئاً.
وأكدت أن الصناديق بها أموال طائلة يمكن الاستفادة بها في حل كافة المشاكل التي تحتاج لتمويل، وفي النهاية يقولون: إن البلد لا يوجد بها إيرادات فمن أين نأتى بإيرادات ما دامت كل جهة تأخذ إيراداتها توزعها على العاملين بها فقط وبهذا فالموازنة العامة للدولة لا تستفيد من تلك الصناديق، وشددت على أنه لابد من تعديل القوانين واللوائح التى تخضع لها تلك الصناديق.
أما الدكتور فرج عبدالفتاح، أستاذ الاقتصاد جامعة القاهرة، فيضيف أن الصناديق الخاصة عندما انشئت كان لها ضوابط قوية تحكم التصرف فى أموالها، فضلاً عن الغرض من انشائها ولكن ما حدث على مدار العشر سنوات الماضية أنه تم التوسع فى إنشاء هذه الصناديق وانتفى الغرض الأساسى فى إنشائها فضلاً عن تضخم مواردها، وبالتالى فإن ضمها إلى الموازنة العامة للدولة هو أمر من الأمور المطلوبة، ولا سيما فإن تكاليف العمل بهذه الصناديق يتم بمخصصات حكومية.
ومضى «عبدالفتاح» أن ضم الصناديق الخاصة إلى الخزانة العامة للدولة يعد خطوة من خطوات ترشيدها لأن أداءها لوظائفها سيستمر ولكن من خلال الإنفاق الذى يتم مراقبته من قبل وزارة المالية.
وعن حجم الأموال داخل تلك الصناديق قال «أستاذ الاقتصاد»: إن هذه الصناديق تشبه «مغارة على بابا» فلا يستطيع أى شخص التوصل إلى حجم مواردها لأن بعض هذه الصناديق تضع أموالها فى بنوك داخل مصر ولكن غير مصرية لذلك لا نستطيع حصرها.
من جانبه، قال الدكتور شريف دولار، الخبير الاقتصادي: إن هناك أنواعاً من الصناديق الخاصة بعضها خاص بالعاملين في الجهاز الحكومي تخص رواتبهم ومعاشاتهم والرعاية الصحية لهم، وهناك أنواع أخري خاصة بتغطية مصاريف خبراء واستشاري الوزارات التى تكلف المليارات، خاصة أن مرتبات المستشارين قد تتجاوز المليون جنيه في الشهر، لذا ينبغي عدم الخلط بين النوعين.
وتابع «دولار» أن الحكومة حتى الآن عجزت عن حصر الصناديق الخاصة، مضيفاً أنه يجب على كل هيئة اقتصادية تقنين وضع الصناديق الخاصة بها.
وأوضح «دولار» أن موضوع الصناديق الخاصة تم فتحه عقب الثورة مباشرة ومنذ حكومة عصام شرف، ويتم تداول أخبار عن ضمها للموازنة وأخرى عن صعوبة ذلك فالخوض فيها أمر حساس.
أشار «الخبير الاقتصادى» إلي أن الأمر ليس سهلاً، فلابد من دراسة قانونية مستفيضة ودراسة محاسبية لكل صندوق على حدة لحصرها بشكل دقيق ومعرفة ما الصناديق التى يمكن ضمها للموازنة العامة من عدمه.