رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بأية حال عدت يا عيد..؟!

مقالات الرأى

الثلاثاء, 06 سبتمبر 2011 08:56
بقلم : دكتور أسامة أبو طالب

«عيد بأية حال عدت يا عيد.. بما مضى أم لأمر فيه تجديد؟»... في البداية لم أكن أعرف لم يطاردني بيت المتنبي هذا ويلحّ علي من قبل عيد الفطر وكأنه يستبق توقعاتي المتفائلة دائما ويتحداها.

حتى إذا كان مساء ليلة العيد خرجت من منزلي - بعد اعتكاف طويل لأتمشى منطلقا من شارعنا المحاذي لنيل الروضة والذي كان من هدوئه وإحاطة الأشجار على سور الكورنيش به يسمى شارع الغرام - متّبعا عادتي القديمة سائرا حول جزيرة الروضة و « العيد يملأ أضلعي عيدا «كما تقول فيروز. كل شيء كان ينبغي أن يوحي بالرضا ويملأ النفس أملا في أول عيد لمصر بعد الثورة. لكن النيل الذي خلّده أمير الشعراء في أغنيات عبد الوهاب لم يكن « النجاشي الحليوه الأسمر» ولا لونه «دهب ومرمر» كما لم يكن هو النهر الخالد «المسافر زاده الخيال» بل كان; كابيا قاتما وكأن كل الأتوبيسات القديمة التي سمحوا لها باختراق شارعنا الجميل قد تقيأت فيه وأفرغت حمولة أمعائها من زيت المحركات المستهلك القذر. سطحه أيضا كان غامضا صامتا صمت الطرق المتوجسة المهددة بالبلطجية هذه الأيام. وبالطبع فلم يكن «أرغوله في إيده» بعد أن سرقوه منه أو كسروه فلم يعد قادرا على أن «يسبّح لسيده»؛ بل كان يصدر أنينا متقطعا لاهثا يشكو فيه أسياده الجدد وعبيدهم الذين حوّلوه إلى مقلب قمامة ومستقر للمجاري الطافحة! ولأنني غرقت في أفكاري ومشاعري المفاجأة هذه لم أنتبه إلى أنني أحدث نفسي حتى وجدتني سائرا في شارع المنيل العريق الذي جعله أهله أيام الثورة بلجانهم الشعبية أكثر أحياء القاهرة أمانا. لكنني ولشدة دهشتي وجدته قد تحول إلى شارع أشبه بشارع « ناهيا بمحافظة الجيزة «الذي يعتبر كل من دخل فيه مفقودا وكل من خرج منه مولودا، حيث يسيطر على حركته - أو بالأحرى زحفه البطيء وزحامه - عصابات سائقي الميكروباص المملوكة شراكة للبلطجية مع بعض متنفذّي السلطة البائدة وكبار التابعين للحزب الفاسد المنحل. أما على الجانبين فقد تكدست السيارات الواقفة مكونّة صفين إضافيين في كل اتجاه. بينما امتلأت الجزيرة الوسطى الضيقة بجحافل المتسولين والمتسولات يحميهم ويدفعهم مع العشرات من أطفالهم مجرمون محترفون حتى بدا المشهد وكأنه بروفة إنسانية قبيحة ليوم حشرٍ انطلق فيه الضالون والمهمشون والعجزة والمتمكيجين بالعاهات والمرتدين لأقنعة الجوع من الذين سرعان ما تتحول ملامح المسكنة على وجوههم إلى كرهٍ متوحش مخيف مختلط بأحطّ الشتائم لو أنك جرؤت على الرفض فلم تتّق شرّهم بصدقة تدفعها مرغما قبل أن يقرروا مطاردتك في شراسة وقودها هو حصاد القهر المخزون والظلم المعتّق والاستبداد الذي كنّا نخشى انطلاقه من العشوائيات فنجّانا الله منه بثورة من «ورد الجناين» المطالبين بالخبز المغموس بالكرامة والحالمين بالعدل والصادحين بأجمل ما أورثنا أجدادنا وآباؤنا العظام من قصائد وأغنيات.. وهكذا قررت العودة إلى البيت مسرعا لاهثا كي أظل صامتا أقلب كل قنوات التليفزيون وأفكر فيما حدث ويحدث وما يمكن أن يحدث لنا وقد أصبحنا جميعا – في كل عالمنا العربي – فٌرجة لمن يريد أن يراه ربيعا عربيا أو جحيما عربيا على حد سواء: لمن يريد أن يبكي ومن يريد أن يضحك على الملهاة وقد اختلطت بالمأساة فصنعت نوعا شرسا متوحشا من الكوميديا الفاجعة جعلني مرغما أردد «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم».. هل كنّا كذلك سابقا أو هكذا أصبحنا؟ وإذ لم تسعفني الإجابات حتى اليوم الثاني راودتني شياطين المغامرة كي أعاود ما بدأته بالأمس - من استكشاف القاهرة في أول الأعياد بعد

الثورة - حتى نجحت بالفعل في وضعي داخل سيارتي والانطلاق إلى حي الزمالك لتبدو الصورة أفضل كثيرا نظرا لوجود الكثير من السفارات بالطبع. ولذلك فقد اقتصر الأمر على جحافل من صغار المتسولين ينطلقون بإشارات مرتّبة يطلقها المعلمون والمعلمات الكبار المختفون في الأركان كي يقذفوا بالفلّ المغشوش والياسمين المرشوش بأردأ أنواع الروائح أو يمسحون السيارات – بالأحرى يلوثونها – عنوة وهم يتشعبطون عليها فلا ينقذ أصحابها منهم سوى إشارة المرور البطيئة وكأنها قد تآمرت عليهم. بينما يندفع السائرون على أقدامهم بأقصى سرعة هاربين قبل أن الوحوش المسكينة إليهم. ذلك أيضا هو حصاد القهر مرة ثانية. ومثله في مدن مصر وقراها وعشوائياتها.. من يدري فربما كان المشهد أفظع بكثير!

بعد ساعة كاملة كان قد انتهى مشهد استكشاف العيد في الزمالك لتبدأ رحلة العذاب الخرافي من فوق الكوبري هبوطا إلى التليفزيون، حيث بدا وكأن الأحياء الشعبية والمتوسطة المحيطة بالمبنى قد تقيأت أسوأ ما فيها من بشر: غاب ورد الجناين وغابت الأغاني والقصائد وغاب الذين كانوا يمسكون بأيدي بعضهم بعضا في مواجهة الطلقات الغاشمة والقناصة المسعورين. مثلما اختفت الوجوه النبيلة المتراحمة وحّلت محلها شراذم المراهقين المتحرشين بفتيات بريئات والمزعجين لزوجات طيبات خرجن مع أزواج قنوعين فرحين بصحبة أولادهم كي يتنفسوا نسيم العيد في المراكب أو يتنزهوا مشيا على شاطئ ما كان اسمه النهر الخالد!

الجمهور هنا مختلف تماما ليس فقيرا جدا ولا غنيا تماما وإنما أغلبه طبقة جديدة متوسطة في أول درجاتها وشرائحها: صنايعية كسّيبة.. حرفيّون معهم ما يكفيهم.. موظفون متجهمون في مقتبل العمر مع زوجات محجبات في احتشام يعبرن الشارع خلفهن أو يمشين صامتات يجرجرن الأطفال في أسى وضيق كأنهن نادمات على الخروج من دورهن في مثل هذا اليوم. عدد آخر أكبر كثيرا من فتيات مغطيات الرؤوس بينما تسقط خصور بنطلوناتهن وتضيق أرجلها فيتلوى باقي الجسم أو يترجرج ضاغطا على الأحذية العالية المدببة الكعوب في ابتذال يليق بالضحكات الصاخبة والصرخات الفجّة والقفشات المتبادلة والتعليقات المختلطة بالشتائم في رقاعة مكشوفة.

السيارات وسط هذا الزحام المخيف تزحف سنتيمترات كل عدة دقائق وسط الحرارة والرطوبة الخانقة وبعضها لا يحمل أرقاما على الإطلاق رغم اختراقهم شوارع العاصمة في ثقة متبجحة واطمئنان - لا يُعرف إلى ماذا يستند - بينما تدوي فرقعات قوافل الدراجات النارية التي لا يحصى عددها وقد حمل كل منها ما يزيد على ثلاثة من المراهقين والشباب الصفيق وخلفهن البنات السائبات يطلقن ضحكات السخرية على المارة ويمارسون عدوانية غريبة شرسة على راكبي السيارات الملاكي خاصة إذا كانت الماركات غالية، حيث يخبط البعض منهم عليها بحقد عليها لاعناً أصحابها ؛ وواصفا إياهم بالفلول إذا كانت النوافذ مغلقة وأجهزة التكييف دائرة. أكثر من ساعة ونصف استغرقها الوصول إلى كوبري قصر النيل وسط هذا المشهد الجهنمي الذي جعلني أصرخ في سريّ صامتا مكررا صيحة القذافي الشهيرة: من أنتم؟؟ ثم أوجّه السؤال بعد ذلك متتاليا عاليا معي: من هؤلاء؟ كي أتلقّى الإجابة المؤكدة من ابنتي الصغيرة المذعورة المشفقة على ثورة جيلها «إنهم لا ينتمون

إلى الشباب المستنير المتحضر الذين بشّروا بالثورة وباشروها. كما أنهم لا يمكن أن يكونوا من عائلات الشهداء ولا أن يقارنوا بهم لأنهم لا يستحقون أن يضعوا رؤوسهم، حيث سالت دماؤهم النبيلة».. و بالقطع ليسوا من أبناء المصريين الطيبين البسطاء أو المستورين أو الأثرياء المحترمين حاملي تقاليد التربية الكريمة والمدافعين عنها؟ من يكونون إذن ومن أين أتى هذا الطفح الهائل الرهيب وأية أرحام قميئة لفظتهم إلى حياتنا؟ من هو المسئول عن سلوكهم الصفيق وأصواتهم الصاخبة وأغانيهم البشعة وملابسهم ونكاتهم ولغتهم وتعليقاتهم وتحرشاتهم التي لا تخجل ولا تخاف؟ من الذي أخفى عن المسلمين منهم أن «المسلم هو من سلم الناس من لسانه ويده»؟ ومن لم يقم بتعليم المسيحيين منهم أيضا أنه ينبغي أن «تعمّ بالناس المسرة وأن يظلل الأرض السلام»؟ من الذي جهّل المحجبات منهن بأن التّدين الحق ليس مجرد خرقة توضع على الرأس. ومن علم السافرات منهن خلع برقع الحياء ليصبحن سافلات حتى ولو كنّ متعلمات أو حصلن على قسط من التعليم؟

أية مدارس تحملتهم أو تحمّلتهن ؛ بل أي أهل مارسوا تربيتهم إن كانوا قد تربوا من الأصل؟. إنهم وإنهن ليسوا فقراء بل سفلة وغوغاء قادرون ماديا ويزدادون خطرا كلما اغتنوا أو وصلوا إلى منصب أو اعتلوا مكانة لأنهم عملة رديئة تكتسح العملة الجيدة وتنفيها. كما أنهم يتكاثرون ويتفاقم عددهم حتى تختنق بهم البيوت وتغصّ بوجودهم الشوارع وتختفي الأخلاق وتتوارى القيم! (وتذكّرت أنه في عهد عبد الناصر - رغم كل ما يوجه إليه من انتقادات كثير منها حقيقي - كانت الشرطة العسكرية تطارد أمثالهم وتحلق شعور رؤوسهم زيرو ثم تسوقهم إلى مدرسة الرجولة في معسكرات التجنيد. لكن الحلاقة الزيرو أصبحت هذه الأيام مودة. كما أن جمعيات حقوق الإنسان وحقوق الحيوان أيضا لن تصمت إذا ما فعل بهم ذلك .. فأي وضع معقد رهيب)؟! إن السؤال عمّن أوصلهم – وأوصل آباءهم ومن يفوقونهم غنى من أبناء الطبقة الجديدة بفجّارها ومترفيها إلى هذه الحالة - يرتدّ بنا إلى حلقاته الأولى كي تعود نفس الإجابة السابقة دونما استغراب: إنهم أيضا حصاد القهر ومحصلة الطغيان وطفح الفساد. لأنهم وإن لم يكونوا مقهورين ماديا أو غير محتاجين فهم فاسدون في الخلق فقراء في الروح كما يقول السيد المسيح عليه السلام. أما الأفسد منهم والأفقر في الروح فهم من أوصلوهم إلى ذلك من مسئولي أنظمة القهر وعهود الطغيان الذين قلبوا معايير القيمة فجعلوا الثراء دليلا على الرفعة وطريقا لها . والقدرة المادية – دون السؤال عن مصدرها - معبرا إلى التمايز. مثلما دمّروا مناهج التعليم الأميرية الصلبة وميعّوها في المدارس والجامعات فحوّلوها إلى مشاريع للربح وسمحوا للجهلاء أن تربو أموالهم فيها. وهم الذين زرعوا الفتنة بيننا وشوّهوا مفاهيم الدين في عقولنا وسمحوا للمستفيدين من ذلك – مسلمين ومسيحيين – أن يحصدوا وأن يتربّحوا. وهم الذين أطلقوا أنياب المرض وأظافر الجهل وغيلان الجوع تنهش في الأجساد وتفترس العقول حتى يسلس لهم القياد!

وهم أيضا من كمموا أفواه المعارضة الشريفة وأخرسوا أصوات الانتقاد الصادق الأمين. كما أنهم هم الذين نصبوا أبواقهم تكذب وإعلامهم يضلل وجلاديهم يفترون حتى أوصلونا إلى ما كنا عليه من الخوف وما وصلنا إليه من التسيّب في السلوك والهشاشة في المواقف والتميّع في الأخلاق والتدني في الإنتاج والانفلات في الأمن حتى انحدرنا إلى حالة من الهبوط يتطلّب علاجها – في حالة توفر النوايا الصادقة والعزائم المخلصة - وقتا طويلا وجهدا لا يقدر عليه سوى أخلص المخلصين حتى ارتفعت الصيحات المستغيثة تسأل عمن من يعود بهذا البلد وشعبه إلى الانضباط بالعدل والاحترام بالقانون والتفوق بالتعليم والترقي بالكفاءة والمساواة في الحقوق والنزاهة في أداء الواجب؟ ليس إذن سوى جماعة حقيقية من المخلصين الأكفاء ذوي الخبرة يجتمعون على قلب رجل واحد كي تؤسّس بهم حكومة قوية يحرسها المجلس العسكري ويؤيدها دون إخلال بالديمقراطية: حكومة طاهرة قادرة على إقرار الأمن الذي بدونه يستحيل أن يتحقق مشروع النهضة في الإنتاج أو ينجح حلم التغيير في الإنسان. ولن يتم ذلك إلا حين يهدأ ما نحن فيه من ضجة ويتوقف الطنين المزعج الصادر من إعلام انتهازي متقلب ومرشحين طامعين في الرئاسة وسياسيين محترفين كاذبين ومصلحين انتهازيين مدّعين. وعندئذ يصبح للعيد معنى يدفعنا إلى التعديل في بيت المتنبي ليصبح: «عيد بأحسن حال عيد يا عيد.. لا ما مضى بل لأمر فيه تجديد».. وتجديد أكيد!

sm_abutaleb@hotmail.com