رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورة بين تشومسكي و الغنوشي.. ؟!

مقالات الرأى

الاثنين, 29 أغسطس 2011 23:14
بقلم :دكتور أسامة أبوطالب

في حديثه مع الإعلامي «يسري فودة» على قناة «أون تي في» في برنامجه الجاد والمهم لم أجد مساحة شاسعة من الخلاف بين رأي المفكر العربي التونسي المجاهد الشيخ راشد الغنوشي ورأي عالم اللغويات المفكر الأمريكي الكبير ناعوم تشومسكي المعروف بمواقفه المضادة الصريحة والمعلنة للسياسات الأمريكية

. فقد تضمن الحديث تعليق الشيخ معترضا أو مناقضا لفقرة هامة في خطاب تشومسكي الشهير الذي تحدث فيه عن ثورة تونس وثورة مصر وربط بينهما وبين الموقف الأمريكي الغربي من المنطقة العربية الإسلامية أو الشرق أوسطية بأكملها. وعلى العكس تماما من آراء مواطنيه هنتنجتون وفوكوياما الاستعمارية العنصرية اللذين غاب عن توقعاتهما ما حدث لاحقا في المنطقة من مفاجآت «الربيع العربي» كلية. الأمر الذي جعل فوكوياما يتراجع عما قاله سابقا في نظريته عن الصراع بين الغرب والشرق وهو يتحدث عن الثورة المصرية التي بهرت العالم على حد تعبير رئيسه أوباما.

 يرى تشومسكي أنه من الخطأ الشديد تصديق ما تردده أمريكا بأنها تريد إقامة ديمقراطيات شرق أوسطية على مساحة بلادنا العربية وترحب بذلك. بل إن الصحيح من وجهة نظره هو أنها لا تزال تتبع سياسة التعامل على «طريقة الرجل المريض» مع حكام المنطقة عندما يتهالكون ويضعفون أو تقوى عليهم شعوبهم. حيث يصبحون في هذه الحالة عبئا على السياسة الأمريكية ومصدر إزعاج لساستها. لأنهم - بحسابات الربح والخسارة - يكلفونها الكثير في مقابل استمرار دعمها لهم وحمايتها لأنظمتهم الطغيانية التقليدية الراكدة التي لا تعرف ولا تريد أن تغيّر من أساليبها القديمة في التعامل مع شعوبها نظرا لافتقادها إلى ما نسميه بـ «الذكاء الاستبدادي» الذي ظنوه يضمن لهم بقاء أطول في الحكم وإرضاء وتبعية أكثر لأمريكا وللغرب باتباعهم أنواعا عتيقة مكررة من الممارسات التقليدية القمعية الغبيّة مع شعوبهم دون أن يفطنوا أنها لابد وأن تدفعهم إلى حدّ الثورة، بدلا من أن يمارسوا خداعهم و تهدئتهم بمهارة و بدهاء إصلاحي جزئي طويل الأمد محدود الجرعات كما كان ينصحهم سادتهم في الغرب!

يؤكد تشومسكي إذن عدم الرغبة الأمريكية الغربية في قيام حكومات ديمقراطية حقيقية تحقق الاستقرار الذي يريدونه في الشرق الأوسط العربي والإيراني بالطبع إن لم يكن الرفض التام لها . وتبعا لذلك فإن إستراتيجيتها في المنطقة تعتمد على إبقاء الحال كما هو عليه بوسيلتين اثنتين أولاهما: هي المحافظة على النظام التابع القائم عن طريق التضحية بالحاكم الذي أصبح ضعيفا مريضا هشُّا وواهنا – سياسيا - لدرجة أن تراخت قبضته فلم تعد قادرة على تلجيم شعبه والسيطرة عليه أيا كانت الأسباب . والذي يلخصه مبدأ «التضحية بالحاكم كي يستمر نفس النظام» ! أما الوسيلة الثانية فهي : تغيير النظام المتهالك الذي تمثله الهيئة الحاكمة القديمة - التي يرون انتهاء فترة صلاحيتها - واستبدالها بهيئة أخرى تنتمي لنفس النهج وإنما تعمل بآليات أحدث وأكثر مهارة.. وفي ذلك ما يحقق الاستمرار التام للأنظمة التي يريدونها. علاوة على استهلاكها للطاقات الثورية وتبديدها ؛ مع إضاعة ما يمكن إضاعته من الوقت الذي يكفل لهم استمرار تدفق

المكاسب عليهم واستمرار التقدم في تنفيذ المخططات التي وضعوها ولكن في عرض جديد ووفق مشهد آخر تم تجميله وتغيير اللاعبين الأساسيين فيه.

ومن الواضح أن كلا الأسلوبين إنما يمثل التهاما للثورات وانقضاضا عليها وتمييعها. ووفقا لهذا التفسير فقد قبلت واشنطن التسليم بسقوط مبارك الذي كان يمثل كنزا استراتيجيا نادرا لها ولإسرائيل. ولتوضيح أكثر فها هو نص كلمات ناعوم تشومسكي الذي يقول وبالحرف الواحد: «تبذل أمريكا وحلفاؤها قصارى جهدها لمنع قيام ديمقراطية حقيقية في الوطن العربي لسبب بسيط جدا . فالغالبية العظمى في المنطقة تعتبر أمريكا مصدر التهديد الرئيس لمصالحها . بل إن أغلبية معارضة لسياساتها الخارجية تعتقد أن المنطقة ستكون أكثر أمنا إذا امتلكت إيران أسلحة نووية. وتبلغ هذه النسبة ثمانين بالمائة في مصر التي هي أهم دولة. بينما يعتقد عشرة بالمائة من المصريين أن إيران تمثل خطرا عليهم. ومن ثم فإن أمريكا وحلفاءها لا يريدون حكومات تعبر عن إرادة الشعب. لأنه لو حدث ذلك فلن تخسر أمريكا سيطرتها على المنطقة فحسب بل سيتم طردها منها . ماذا عن مصر إذن – والتي هي أهم دولة – حتى ولو لم تكن مركزا رئيسا لإنتاج النفط؟.. حسنا. في مصر وتونس والدول المماثلة توجد خطة يتم تطبيقها عمليا دون أن تتطلب عبقرية لفهمها هي: أنه إذا كان لديك طاغية يواجه مشاكل (مع شعبه) فقف بجانبه إلى آخر مدى. لكن عندما يصبح الاستمرار في دعمه مستحيلا لأي سبب كان؛ فينبغي عليك إرساله إلى مكان ما. ثم قم بإصدار تصريحات رنانة عن حبك للديمقراطية فيما أنت تحاول الإبقاء على النظام القديم ربما بأسماء جديدة . وقد حدث هذا مرارا وتكرارا مع سيموزا في نيكاراجوا ومع شاه إيران وماركوس الفلبين و ديفيليه في هاييتي وزعيم كوريا الجنوبية وموبوتو في الكونغو وتشاوشيسكو الأثير لدى الغرب في رومانيا وسوهارتو في إندونيسيا. وهو أمر نمطي تماما وهو بعينه ما يحدث في مصر»!

انتهت كلمات تشومسكي. لكننا نريد أن نختلف معه أيضا – كما اختلف الشيخ الغنوشي - فنعدّل في عبارته الأخيرة لنجعلها «وهو بعينه ما (يريدون له) أن يحدث في مصر؛ أو ما يحاولون إحداثه فيها؛ وليس ما هو حادث بالفعل. لأن ما يحدث في مصر غير ذلك تماما حيث لا يريد الجيش أن يحكم بل يقرّ بأن وجوده هو حالة تمثل «حراسة مؤقتة» لضمان القيام بإصلاحات جذرية جوهرية نضمن بها دستورا وطنيا جديدا ورئاسة جمهورية محددة المدة وبرلمانا شعبيا حقيقيا أيا كان الاختلاف على مواقع الأولوية والبدء من بينها؛ ثم يتم تسليم السلطة لحكومة مدنية ديمقراطية التكوين يحمي بقاءها حمايته

لتداول السلطة وعدم الانفراد بالقرار!

وبالنسبة للوسيلة الأولى أي التضحية بالحاكم المستهلك ؛ فإنه يمكن القول إن أمريكا - كما هو معروف حتى هذه اللحظة - لم تتدخل لإنقاذ الرئيس المخلوع من شعبه لأنها تأكدت من نجاح الثورة ومن عدم قدرة نظامه الهش على التصدي لها وكبحها في نفس الوقت، رغم تاريخها الطويل في الوقوف إلى جانبه ودعمه. أما فيما يتعلق بالوسيلة الثانية، فالثابت - أو المعلن حتى هذه اللحظة - أنها لم تتورط بالضغط على الجيش المصري كي يبادر إلى ذلك نظرا لمعرفتها الأكيدة أن هذا الجيش بتاريخه الوطني إنما يختلف عن جيش تركيا وعن جيش البعث السوري و جيش القذافي و جيش زين العابدين بن علي. أو من يدري فربما تكون قد حاولت ذلك أو التمست السبيل «برقّة أو بدهاء» إليه، لكنه قوبل بالرفض الصريح من جانب قياداته فتراجعت «تكتيكيا» كي تبدأ في تلمّس طريق آخر تحقق بها استمرار مصالحها وتنفيذ إستراتيجيتها!

 لقد عارض الشيخ راشد الغنوشي رأي تشومسكي بتأكيده صحة وجدية ووطنية ومحلية الثورتين المصرية والتونسية وثوارهما و خلوهما من أية شوائب لدفع أو مساندة أو دعم أمريكي أو غربي البتة. وربما فات على الشيخ أن المفكر الأمريكي لم يوجهها لأي منهما تصريحا أو تلميحا. مثلما لم يشكك في اتجاه الثورة المصرية منذ بداية إعلان المجلس العسكري بقاءه منعقدا حتى امتثال مبارك للإزاحة رغما عنه. لكنه يصف النوايا الأمريكية مستشهدا بسوابق لها معروفة في صناعة التغييرات الشكلية المفتعلة وتمييع الثورات لكونها لا تريد قيام ديمقراطيات حقيقية ولا استقرارا بين شعوب المنطقة وأولها مصر. وهي حقيقة لا أظن أن الشيخ يختلف مع الكثيرين حولها وأولهم ناعوم تشومسكي «المفكر الأمريكي» المعارض نفسه الذي أظنه بتصريحاته تلك إنما يحذر الثورة من نوايا بلاده المضمرة تجاهها، والتي ربما تشهد عليها أو تؤكدها عدة ملاحظات معلنة أهمها بوادر عدم الرضا الأمريكي الذي جسده موقفهم تجاه قرار وزارة الخارجية المصرية الجديدة المبكر والمختلف عقب الثورة تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية وما تبع ذلك من فتح للمعابر ومن الدور المصري – الذي طال تعمّدوا تعطيله – في التقريب بين حركتي فتح وحماس. وأيضا حديث وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن أمن إسرائيل الذي يجب أن تضمنه مصر!

ثم في موقفهم المتراخي والمتغير من تجميد أرصدة مبارك وأسرته وأموال رموز نظامهم في الخارج مقابل تأكيدهم السريع (المدهش) على تجميد أرصدة القذافي وأسرته في بنوكهم وبنوك حلفائهم الأوربيين. وكذلك في التربص القلق من المبادرة السريعة التي قام بها رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف مع ممثلين من شباب الثورة إلى أفريقيا لحل مشكلة المياه المعلقة والمتأزمة. كما أن في المبادرات التي قام بها المجلس العسكري مثل حلّ المحليات والموافقة على علانية المحاكمات ووضع قانون الغدر موضع الدراسة ما يؤكد نقاء موقف الجيش وينأى به عن الخضوع للرغبة الأمريكية ورفضه لأن تجعل منه واجهة خادعة جديدة لنظام فاسد قديم. أما متى تفشل إستراتيجيتهم تماما ويتأكد إخفاقها فحين يرى العالم انتصار الثورة بإعلان الدستور المصري الجديد، وبتشكيل مجلس الشعب بنقاء، وبانتخاب رئيس جمهورية محدد المدة وبتسليم المجلس العسكري إدارة البلاد للسلطة المنتخبة وبقائه حارسا ضامنا لمسيرة الديمقراطية والبناء. حينئذ سوف يسعد البروفيسور تشوميسكي كثيرا – لأنه مفكر حرّ - حتى ولو جانب الجزء الأخير من تحليلاته أو توقعاته الصواب! ولن يحدث ذلك إلا حين يتوقف السياسيون المحترفون – سارقو الفرح - عن الركض سعيا لاقتسام غنائم الثورة قبل أن تظهر بشائر الثمار. وحين يتفق الفرقاء المتناحرون على عمل مشروع وطني حقيقي يجمع بينهم. وحين يكفّ بعض مرشحي الرئاسة عن عرض أنفسهم بابتذال. وحين يعرف الذين يستميتون في غسل صورة النظام القديم ورموزه أنهم مفضوحون فيختشون. وحين يخجل المنافقون والمتحولون والمنقلبون فلا يتمادوا في الخداع والاستهبال!

Sm_abutaleb@hotmail.com