رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

من بركات الثورات العربية .. عودة الأموال المهربة للخارج

مقالات الرأى

الخميس, 25 أغسطس 2011 14:18
بقلم : الدكتور / السيد مصطفى أبو الخير

     من ضمن تجليات وبركات الثورات العربية التى قامت فى عدة دول عربية منها ما نجح كتونس ومصر وليبيا، ومنها مازالت الثورة لم تصل بعد إلى هدفها فى أسقاط الحكومات كاليمن وسوريا، الحديث عن المطالبات الكثيرة والمتعددة عن مصير الأموال العربية التى هربها الحكام الذين ألقوا فى مزبلة التاريخ أول الذين ينتصرون ذلك،

أسئلة باتت تدور وتؤرق عقل كل مواطن عربى، فقد ثارت فى الأونة الأخيرة تساؤلات عدة عن مدى امكانية استعادة الأموال التى هربت من الحكام المعزولين، فقد شكك البعض فى امكانية استعادة هذه الأموال لعدم معرفة وثقة أصحاب هذا الرأى فى القانون الدولى ودوره فى ذلك. والثانى عدم الثقة فى الأشخاص والآليات المخصصة لاستعادة مثل هذه الأموال، من السهل استعادة الأموال المنهوبة لو اتخذنا الخطوات القانونية السليمة.

     هناك عدة طرق وتتمثل الأولى منها فى تفعيل واستخدام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2005 وقد صدقت مصر وجميع الدول العربية عليها، وصدق عليها حتى الآن (180) دولة على مستوى العالم، لذلك دخلت حيز النفاذ وهى ملزمة لكل دولة وقعت عليها، وذلك? باستخدام الآليات الواردة فى هذه الاتفاقية عن طريق النائب العام لأنه الجهة المختصة بالتحقيق في هذه الجرائم واحالة مرتكبيها للقضاء المدني الطبيعي لمحاكمتهم، وبعد صدور حكم نهائى عليهم،  يتقدم بطلب رسمي للأمين العام للأمم المتحدة لاستعادة الأصول والأموال المهربة. فقد نصت المادة (3) من الاتفاقية على:

1)ـ تنطبق هذه الاتفاقية، وفقا لأحكامها، على منع الفساد والتحرى عنه وملاحقــة مرتكبيه، وعلى تجميد وحجز وإرجاع العائدات المتأتية من الأفعال المجرّمة وفقا لهذه الاتفاقية.
2
ـ من أجل تنفيذ هذه الاتفاقية، ليس ضروريا أن تكون الجرائم المبيّنة فيها قد ألحقت ضررا أو أذى بأملاك الدولة، باستثناء ما تنص عليه خلافا لذلك، وقد تناولت المواد 54 و55 و57 من الاتفاقية أحكام وسبل استراداد تلك الأموال، فنصت المادة (54) على دور الدولة طالبة التحفظ على ما لديها من أموال محل تحقيق فى جرائم فساد، فنصت الفقرة الأولى من هذه المادة على قصر تقديم طلب التحفظ من الأجهزة القضائية فقط وبناء على أدلة ثابتة، وطالبت الفقرة الثانية أن تسفر التحقيقات على أدلة وأساس تثبت أن الأموال المطلوب مصادرتها قد أكتسبت بطريق غير مشروع، والفقرة الثالثة ضرورة أن تتم مراسلة ومخاطبة الدول التى لديها تلك الأموال بطلبات مشفوعة بالمستندات الدالة على صدق ما جاء بالتحقيقات، فضلا عن أدلة مادية تؤكد ذلك، وإلا يمكن للدولة المطلوب منها التحفظ والتجميد رفض الطلب.

     وقد حددت الاتفاقية فى المادة (55) منها الإجراءات التى ينبغى على الدولة المطلوب منها التحفظ على ما لديها من أموال جاءت نتيجة جرائم فساد، فقد طالبتها بضرورة الكشف عن الأموال والممتلكات التى بإسم الشخص محل طلب التحفظ واقتفاء أثرها وتجميدها وحجزها، على أن يتم ذلك وفقا لقانونها الداخلى وقواعدها الإجرائية أو أى اتفاق دولى هى ملتزمة به، وطبقا للمادة (31) من الاتفاقية يجب أن تتخذ هذه الدولة كافة الإجراءات الضرورية ولا يجوز الاحتجاج بسرية الحسابات هنا.

والاجراءات التى ينبغى على الدولة القيام بها لاستعادة أموالها المنهوبة نصت عليها المادة (57) من الاتفاقية على كيفية إعادة الأموال الناتجة عن جرائم فساد إلى الدولة التى هربت منها هذه الأموال، حيث

يتم ذلك (بإرسال طلب إلى الدول التى لديها الأموال المتحصلة من جرائم فساد مرفق به الحكم القضائى النهائى المسبب والمشفوع بالمستندات التى تؤكد كون تلك الأموال تم الحصول عليها من جرائم فساد) بعدها تقوم الدول المطلوب منها اعادة تلك الأموال بإرجاع الممتلكات المصادرة، وفقا لأحكام اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد، ولها حسب الاتفاق (أن تقتطع نفقات معقولة تكبدتها فى عمليات التحقيق أو الملاحقة أو الإجراءات القضائية المفضية إلى إرجاع الممتلكات المصادرة أو أن تتصرف فيها بمقتضى هذه المادة).

والذى يمكن أن تفعله الدولة صاحبة الأموال المنهوبة إذا رفضت الدولة الموجود بها تلك الأموال ردها نصت عليه المادة (66) من الاتفاقية على طرق قانونية حال رفض الدولة الموجود لديها الأموال الناتجة عن جرائم فساد إعادة هذه الأموال أو تجميدها والتحفظ عليها، فنصت على أن تلجأ الدولة طالبة التحفظ والمصادرة إلى التفاوض معها أولا، فإذا لم يثمر التفاوض عن شيء أو تعذر اتمام التفاوض جاز اللجوء إلى التحكيم الدولى على أن ينتهى خلال ستة أشهر..... فإذا تعذر ذلك أيضا جاز اللجوء الى محكمة العدل الدولية باحالة النزاع إليها بطلب يقدم وفقا للنظام الأساسى للمحكمة.

وهناك الطرق الأخرى لاستعادة الأموال المنهوبة هناك طريقة ثانية تكمن فى قيام أبناء مصر بالخارج وخاصة الدول الأوروبية بتقديم بلاغات للنائب العام فى كل دولة يقطنون فيها، وهذه الطريقة فعلها أبناء تونس بالخارج، استنادا إلى أن هذه الأموال جاءت نتيجة الاعتداء على حقوق الإنسان، فقد اعطت دول الاتحاد الأوروبى لمحاكمها حق محاكمة كل من ارتكب جرائم ضد حقوق الإنسان وهو ما يعرف فى القانون الدولى بمبدأ الاختصاص العالمى الذى نصت عليه اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الاضافيين لهما لعام 1977.

والطريقة الثالثة هى الطريقة الدبلوماسية حيث يتم من خلالها التفاوض مع الدول التى بها هذه الأموال المهربة من أجل تجميدها وتسليمها لمصر، ولكن هذه الطريقة يعاب عليها أن الدول التى بها هذه الأموال تطلب نسبة منها وأحيانا تكون كبيرة، ثانيا أن معظم الدول لا تأخذ بهذه الطريقة، ويجب الإشارة هنا إلى أن المحاكمات السريعة لا تعترف بها دول الاتحاد الأوروبى والكثير من الدول، لذلك ينبغى أن تكون المحاكمة أمام القاضى المدنى الطبيعى وألا يكون الحكم أو المحاكمة أمام محكمة استثنائية أو أن يحاكم المتهم بقوانين استثنائية، لأن ذلك يطعن فى المحاكمة والحكم، لذلك يجب أن تتوافر كافة الضمانات القانونية للمحاكمة فى إتاحة فرصة الدفاع عن النفس للمتهم ولا بد أن يكون له محام للدفاع عنه، وفى حالة صدور حكم نهائى بذلك يمكن إعادة الأموال كاملة.

أما الطريقة الأخيرة فتتمثل فى مبادرة «ستار» التى اطلقتها الأمم المتحدة وصندوق النقد فى عام 2008 وتنص على قيام الدول الغنية بالإعادة الطوعية للأموال المنهوبة من الدول النامية لاستخدامها فى مشروعات التنمية ومكافحة الفقر

.

عقبات عملية استعادة الاموال العربية المهربة للخارج: رغم الضمانات القانونية التى وردت فى الاتفاقيات السابقة والتى وفرت طرق عدة لاستعادة الأموال المهربة إلا أنه يوجد العديد من العوائق الوطنية والإفليمية والعالمية التى تجعل من الصعب وفى بعض الأحيان من المستحيل استعادة هذه الأموال المهربة، ويوجد فى الغرب شركات ومنظمات لديها خبرة كبيرة تهريب وأخفاء الأموال وهناك مكاتب لها شهرتها العالمية فى ذلك، فضلا عن أن الأموال العربية المهربة بالخارج تعتبر هى عصب الاقتصاديات الأوربية وخاصة الأمريكية والتى ان قدر لنا أن نسحبها أنهارت بعض الاقتصاديات الغربية وعلى رأسها الاقتصاد الأمريكي.

     أخم هذه العقبات سرية الحسابات المصرفية، رغم النص على أن سرية الحسابات لا تعتبر عائق نحو استرجاع هذه الأموال فى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة إلا أن هناك العديد من الدول تتمسك بسرية الحسابات ولا تفصح عن الاموال الموجودة لديها  تعتبر السرية المصرفية من أكثر العقبات التي تقف عائقاً أمام عودة هذه الاموال إذ أنها تشكل مانعاً من الإطلاع على الودائع المصرفية، وتعتبر السرية المصرفية عقبة بوجه عودة هذه الأموال لأن أولى الخطوات التي يجب اتخاذها من اجل ذلك, هي الإستقصاء والتفتيش عن الأموال غير المشروعة وعن مصادر هذه الأموال, بالإضافة إلى دراسة وتحليل العمليات النقدية, وجمع المعلومات المتعلقة بتطور عمليات تبادل الأموال... إلا أن القيام بهذه الخطوات يتطلب الكشف عن الودائع الموجودة في المؤسسات المالية وخاصة المصرفية, مما يؤدي إلى الإصطدام بسرية الحسابات المصرفية.

  ويعتبر تعقد الأنظمة المالية وزيادة قدرتها على اتمام المعاملات الضخمة، وتهريب الأموال مما يجعل من الصعب تعقب هذه الأموال ومعرفة مكانها وقيمتها، ومن هذه العقبات أيضا ضعف الأجهزة الرقابية ، ورغم وجود العديد من الأجهزة الرقابية إلا أن اجهزة الرقابة تعاني بعض النقائص التي تحد من فعاليتها, وتتعلق هذه النقائص خصوصاً بتنوع القانون المطبق والغموض في المهمات الملقاة على عاتق هذه الأجهزة, اضافة إلى انه ما تزال انتاجية نظام المراقبة والملاحقة محدودة إلى حد كبير.

     كما أن عدم وجود نظام معلوماتي متطور حيث لا تزال أجهزة الرقابة غير قادرة على ضبط كل عمليات التبييض , بسبب ذلك، يسمح بالتحقق من مصدر الأموال المعروضة, بشكل سري وسريع, هذا إلى جانب عدم وجود اجهزة معلوماتية في غالبية الدول المعنية. من هنا, كانت الضرورة إلى إقامة نظام معلوماتي متطور يسمح بمراقبة التحركات المالية ومعرفة مشروعية مصدرها, ثم تتبع مسارها وكيفية استعمالها والمجالات التي تستثمر بها.

     وعدم التزام المصارف بالمراقبة والتحقق يعتبر عقبة حقيقية فى سبيل اعادة الأموال حيث إنّ المصارف لا تتعاون مع العدالة بما فيه الكفاية للكشف عن هذه الأموال, وذلك من خلال الإمتناع عن الإبلاغ عن الحالات المشبوهة بحجة الحفاظ على مبدأ السرية المصرفية. فالدور الذي يجب على المصارف وكافة المؤسسات المالية أن تلعبه يعتبر الدور الأساسي والأهم في انجاح عودة الأموال لا تقوم به تلك الأجهزة بالدرجة المطلوبة.

     فضلا عن أن عدم وجود برنامج تدريبي للعاملين في القطاع المالي، أى أنعدام الخبرة فى التعامل مع مثل هذه الظاهرة،  يشكل عقبة كبرى فى استعادة الاموال, حيث يستطيع أصحاب الأموال المشبوهة اجراء العمليات المالية المتعددة لإخفاء المصدر غير المشروع لأموالهم بسهولة وحرية مطلقة نظراً لضعف قدرات الموظفين في التعرف على الصفقات التي يتبعها المهربون في انجاز عملياتهم.لذلك, يقتضي تدريب وتنمية قدرات الموظفين في البنوك المختلفة وجميع العاملين في القطاع المالي على طريقة التعرّف على الصفقات المشكوك فيها والاجراءات السياسية الخاصة لمجابهتها, وكذلك الاجراءات القانونية الخاصة بذلك.

     من العقبات أيضا أن الاموال المهربة يلجأ المهربون احياناً كثيرة إلى تبييض اموالهم عبر أقنية غير مصرفية, كشراء المؤسسات والشركات والعقارات والمعادن الثمينة والمجموعات الفنية النادرة..., ودفع ثمنها نقداً. وعليه يكون من الضروري تحديد سقف للقيمة التي يمكن أن تدفع نقداً. ومن أجل ذلك يجب تفعيل وتحصين الشيكات المصرفية, والعمل على تشجيع الناس على التعامل بها, شرط ان تؤمن الحماية الكاملة لها, خوفاً من زيادة عدد الشيكات بدون رصيد, فيؤثر ذلك سلباً على الهدف المنشود.

استاذ القانون الدولى العام