رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حُرمة الحياة الخاصة

مقالات الرأى

السبت, 23 مايو 2015 19:46
أ.د. الشافعي محمد بشير

 

الله سبحانه وتعالي كريم حليم ستار.. وهذا أول سطر في قانون حماية الحياة الخاصة للإنسان، الذي يتعلق بذلك الشطر من أسماء الله الحسني داعياً.. اللهمَّ أكرمنا ولا تهنا، واسترنا ولا تفضحنا.

ولو سُجل هذا الشعار علي أبواب أقسام الشرطة والسجون والمعتقلات لما اشتكي أحد من إهدارهم حقوق الإنسان.
وهو أول سطر أيضاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقول: لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضي بنا الي أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والغامة ولما كان من الضروري أن يتولي القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر الي التمرد علي الاستبداد والظلم.
هذا هو الحق.. وتلك هي الغاية منه. وعقوبة إهدارها الثورة علي الظلم والاستبداد وإسقاط الحكومات كما حدث في ثورتي 25 يناير و30 يونية، حيث خرج الملايين من المصريين ينادون «عيش حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية» ومعه شعار مرفوع يقول للحاكم «ارحل.. وارحل يعني امشي» وقد مشي حاكم الثلاثين سنة الي السجن كما مشي حاكم السنة الواحدة هو الآخر الي السجن جزاء وفاقا علي إهدار حقوق الإنسان والشعب والوطن.
وجاء الدستور الجديد الذي وافقنا عليه بأغلبية كبيرة ونصَّ في المادة الحادية والخمسين علي أن «الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها». والمادة السابعة والخمسون «للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس» والمادة الثامنة والخمسون «للمنازل حرمة، وفيما عدا حالات الخطر أو الاستغاثة لا يجوز دخولها ولا تفتيشها ولا مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائي مسبب ويجب تنبيه من في المنازل عند دخولها أو تفتيشها واطلاعهم علي الأمر الصادر في هذا الشأن.
والمادة الستون «لجسد الإنسان حرمة والاعتداء عليه أو تشويهه أو التمثيل به جريمة يعاقب عليها القانون».
وفي كل نظم الحكم التي أهدرت كرامة الإنسان وانتهكت حرماته قامت ثورة أسقطت نظم الحكم وقدمت الحكام للمحاكمة الجنائية الوطنية والدولية فقد كان نظام الحكم في يوغوسلافيا في الأعوام من 1990 حتي 1995، يمتهن كرامة مواطنيه المسلمين في البوسنة والهرسك ويعتدي علي حرماتهم لأقصي درجات الإجرام حتي إنه جعل من الاغتصاب منهجاً رسمياً للنظام كما ثبت ذلك في تقارير الأمم المتحدة، وكان مصير النظام ورئيسه السقوط المخزي والمحاكم الجنائية الدولية وإلقاءه في السجن وسقوطه ميتاً مثل نظام الحكم في دولة أمريكا الجنوبية التي اعتقلت الطالبة الجامعية النشطة سياسياً واتهمتها بالانتماء الي جماعة إرهابية لإسقاط نظام الحكم وعرضتها لكل وسائل التعذيب في الأماكن الحساسة وعلقتها عارية تماماً في ساحة مكشوفة في البرد القارص واستمر إذلالها وانتهاك حرمة جسدها بتركها عارية وسط الحراس والجلادين، وقد انتصفت لها الهيئات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان وانتقم لها ربنا سبحانه وتعالي بإسقاط الحكم والحكام وخروجها من السجن عالية الرأس مع الأحرار والنظام الجديد الذي يحترم حقوق الإنسان وخصوصياته.
ولن نذهب بعيداً عن نظام حكم الثلاثين سنة طوارئ في مصر وانتهاكه حرمات الإنسان كما حدث في قرية تيرا دقهلية في نوفمبر 1987، حين حاصرت قوات الأمن القرية سبعة أيام مع إهانات للداخل والخارج كما أخبرنا طلابنا من تلك القرية، وكانت قمة الإهدار للإنسانية عندما اقتحمت قوات الأمن البيوت بعد منتصف الليل واعتقلت الكثير بلباس النوم وسجلت طالباتنا شكوي المرأة الفلاحة التي كانت تعمل في الحقل طول النهار وأرادت أن تستحم فهجموا عليها وهي عارية

تماما مع توسلاتها بأن يستروها، وقد سجلنا كل تلك الانتهاكات وقدمنا شكوي ضد نظام الحكم لمركز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في چينيف، حيث سُجلت تحت عنوان قضية تيرا دقهلية التي انضمت لقضايا عديدة في انتهاك حرمات البيوت والناس وأدت فيما أدت الي إسقاط نظام الحكم وإلقاء رئيسه علي ظهره أمام محكمة الجنايات جزاء وفاقا.
وأحدث جريمة من جرائم انتهاك الحرمات ما نشرته جريدة الوفد يوم الجمعة 15 مايو تحت عنوان «حاخام يصور النساء عاريات في واشنطن»، وقالت الجريدة إن حاخاماً معروفاً في واشنطن أقر في فبراير الماضي بأنه صور مقاطع فيديو لسيدات أثناء الاستحمام باستخدام أجهزة تم تركيبها في غرفتي تبديل ملابس في المغطس اليهودي، ويسعي المدعون الأمريكيون لاستصدار حكم ضده بالسجن 17 عاماً، وتتعدد مثل تلك الجرائم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا عندما يختبئ المصورون في الأشجار ويصورون سيدات مشهورات وهن يقضين أوقاتا حول حوض السباحة ويستطيع المصور قنص الصورة المحرمة بالكاميرا المقربة «زوم» عن بعد ليكتسب السبق بنشرها في المجلة، ولكن القضاء له وللمجلة بالمرصاد إذ يحكم بتعويضات ملايين الدولارات عن انتهاك الحق في الخصوصية Privacy.
ولا ننسي تصريح وزير داخلية مشهور في مصر وهو يلقي كلاما في مجلس الشعب مفتخرا بأن «طلعهم بلابيص» أي عراة تماما والعياذ بالله ومهما كانت التهمة المنسوبة إليهم.
ولا ننسي كذلك وضع أجهزة تنصت في البيوت خاصة مع المعارضين لنظام الحكم بل وكاميرات خفية داخل البيت أو المكتب في تجسس نهي عنه ربنا سبحانه وتعالي «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا»، ويقول سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم» و«أن الأمير إذا ابتغي الريبة في الناس أفسدهم» ويقول للكعبة المشرفة «لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك».
وإذا كان الوفد قد قدم بلاغا رسميا للنائب العام معلنا في الصفحة الأولي للجريدة في 12 مايو تحت عناوين «حرمات المصريين في خطر.. وفضائيات وجهات غامضة تنتهك الحياة الخاصة للشخصيات العامة بفبركة المكالمات.. والصندوق الأسود يلطخ بالزور سمعة رجال السياسة والإعلام.. حرب غير شريفة وشرسة تدار بحرفية لإرباك الحياة السياسية».. إلخ.
وفي مجلدنا المطول عن أحوال مصر في ثلث قرن عشرات المقالات والشكاوي الدولية ضد انتهاكات حرمة الحياة الخاصة للإنسان المصري، لعلها أن تكون سندا لبلاغ الوفد للمستشار النائب العام وعلي الله قصد السبيل.

 

ا