رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عسل أسود

كلنا عبدالحميد شتا!!

مقالات الرأى

الاثنين, 18 مايو 2015 20:34
صفوت عمران

لم يكن عبدالحميد شتا، ذلك الشاب النابه سوي تعبير صادق عن قلبنا الموجوع، وحلمنا المدفون، تحت مقاييس عفنة، توغلت في مجتمعنا وتحولت الي اخطبوط سيطر علي جميع مفاصله، عبدالحميد الذي انتحر في منتصف تسعينات القرن الماضي عندما رسب في امتحان وزارة الخارجية بدعوي ان والده غير لائق اجتماعيا فقط لمجرد كونه رجلاً بسيطاً بينما نجح من كان هو يدرس لهم «كورس» دخول الامتحان فقط لأنهم من أبناء الأكابر ومن اصحاب كروت التوصية وكأن الفقر في بلادنا اصبح جريمة مخلة بالشرف، ونفض المجتمع الملىء بالفساد والاستبداد يده من بناء الوطن وركز من يتولون زمام أموره فقط علي نهب عقوله وسرقة ثرواته، الي ان جاءت ثورة يناير فتصورنا زوراً وبهتاناً، ان عهد الظلم الاجتماعي وبيع الوطن مجانا للاقطاعيين الجدد قد ولي إلي غير رجعة، لنكتشف اننا اشترينا «التروماي» وابتعنا الوهم، لقد مات ولم تصل صرخة انتحاره الي المسئولين منذ مبارك وحتي الآن فأصبحنا جميعا «عبدالحميد شتا» وإن اختلفت الأسباب والدوافع، فدائما النتائج واحدة، «مزيد من القهر الاجتماعي، والانحيازات غير العادلة، واهدار طاقات ابناء الوطن».

ذكريات تلك الحادثة الأليمة عادت تجري أمامي ليس بسبب التصريحات العنصرية لوزير العدل المستقيل المستشار محفوظ صابر، والذي ينتمي الي طبقة من ابناء الفلاحين والعمال الذين استفادوا من ثورة يوليو، وهؤلاء عندما وصلوا للسطة استولوا عليها وتحولوا الي إقطاعيين جدد، ونسوا مبادئ الثورة التي بدونها ما اصبحوا في تلك المواقع، وهي ظاهرة اجتماعية تستحق الفحص والدراسة، لكن ما حدث للشاب شتا نموذج يتكرر كل يوم بعدما تاهت المعايير، وللأسف استقالة وزير العدل ربما تكون عقابا له علي انه رضي كمسئول بواقع مر ولم يسع الي تغييره لكنه هل ستنتهي الأزمة، هل ستكون الكفاءة هي المعيار الوحيد للعمل والترقي، اما النصر كل النصر للوساطة والمحسوبية وكروت التوصية.
الحقيقة أنني حذرت منذ عام تقريبا من غياب العدالة الاجتماعية عندما علمت أن مجلس القضاء الأعلي اشترط لقبول أي عضو بالهيئات القضائية أن يكون والده من الحاصلين علي مؤهلات عليا، وهو ما يمثل جريمة مكتملة الأركان يمارسها

للأسف من اختارهم الله ليكونوا عنوان عدله في الأرض، وتزويراً مفضوحاً وخداعاً مكشوفاً لا ينطلي علي عقل طفل صغير.
ويبقي السؤال: هل جميع من حصلوا علي مؤهلات عليا منزهون عن الهوي ولا يرتكبون أي جريمة مخلة بالشرف «كذب وافتراء»، وكأن الفقراء الذين يمثلون 40% والبسطاء الذين يزيدون على 60% من الشعب المصري يجب محاكمة أولادهم رميا بالرصاص لأنهم «أولاد البطة السوداء» وهو تشكيك مرفوض في هؤلاء الذين يمثلون الشرف والأمانة والصدق والأخلاق المصرية الحقيقية، وكأن أغلب كبار القضاة الآن أولياء أمورهم كانوا إقطاعيين وليسوا مجرد موظفين وعمال وفلاحين وطنيين ومحبين لوطنهم استفادوا من ثورة يوليو وما أقرته من عدالة اجتماعية فأصبحوا في مواقعهم الآن، ودونها لظلوا أُجراء لدي البهوات والباشوات، للأسف نسي كبار رجال العدالة أمثالهم ولم ينظروا إلا لمصالحهم الضيقة، وناضلوا ليس من أجل اقرار العدل، بل لوضع نظام يُقَسم أبناء المجتمع إلي طبقات وفئات، لنجد انفسنا أمام شباب نابغين حاصلين علي تقديرات امتياز وجيد جدا ولا يلتحقون بالهيئات القضائية، بينما بعض أبناء القضاة و«المَرضي عنهم» يتم قبولهم حتي لو كانوا حاصلين علي تقدير مقبول وهو ما وصفه المستشار احمد الزند قبل سنوات «بالزحف المقدس»، مؤكدا أن أحداً لن يستطيع وقف دخول أبناء القضاة للهيئات القضائية حتي لو لم تنطبق عليهم الشروط العامة وكأن «علي رأسهم ريشة» فيما يبدو، وصدق الرجل رغم عدم عدالة قضيته.
الحقيقة أن عقارب الساعة بدأت تعود للوراء، بما ينذر بكارثة لن يستطيع المجتمع تحملها، فالعدالة الاجتماعية التي ضاعت طوال العقود الأخيرة، لم تزد على كونها شعاراً عادت لتطالب به ثورة يناير لكن دون جدوي، فالفساد ينخر في أكبر مؤسسات الدولة وأعرقها، والواسطة والمحسوبية وكروت التوصية مازال لها الكلمة الأولي والأخيرة، ولا عزاء لملايين البسطاء الذين ينفقون أعمارهم لتعليم أولادهم
ثم يجدونهم باعة جائلين علي رصيف الحياة او غرقي في هجرة غير شرعية، أو دهسهم قطار البطالة، وتصورت أنني أهذي عندما تذكرت قصة أحد الضباط الكبار الذي دخل الكلية «الفنية العسكرية» في عهد الرئيس عبدالناصر دون ان يتقدم للالتحاق بها، لمجرد أن مدير الكلية كان تأتي له نتيجة الثانوية العامة بتفاصيل درجات كل طالب فاكتشف تفوقه في علوم الحاسب والرياضيات فتم استدعاؤه وإقناعه بخدمة الوطن في هذا الموقع، فهل يمكن أن يتكرر ذلك الآن أم أحتاج الي مراجعة الطبيب ليتأكد من سلامة قواي العقلية!!.
قالوا: «لا يمكن ان تصل سيارة الي حيث تريد طالما «تانك» البنزين معيب» لكن الأخطر أن تتعرض لحادث ربما يودي بحياة كل من فيها، فمصر التي قامت بثورتين في أقل من 3 سنوات رفضا لسياسة الافقار الممنهجة التي كانت تمارس ضد المصريين، ورفضا للقهر والظلم وتصنيف المواطنين واهدار حقوق الملايين لن تتحمل أبدا عودة تلك الممارسات الشاذة من جديد، والوطن لن يتحمل الانفجار مرة أخري فربما لا يمكن السيطرة علي ما يسببه ذلك من خسائر، المصريون لن يقبلوا بأن يحكموا مرة أخري من أصحاب الحظوة والنفوذ و«المرضي» وآل بيت السلطة، المصريون لم يخرجوا للموت إلا أملاً في عدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات، تصبح واقعاً يعيشه الجميع وليس مجرد شعارات، الشعب لم يضع دستورا ويخرج بالملايين ليصوت عليه ثم يكتشف أنه مجرد بنود براقة لا تقدم ولا تؤخر، ومن الخطأ غير المقبول أن ندعي أن كل حاصل علي مؤهل عال شريف ومواطن صالح، وغير الحاصلين عليه فسدة وغير شرفاء لا يحق لأولادهم الوظائف العليا في البلاد، وهو ما يحدث للأسف مع الهيئات القضائية وكلية الشرطة والخارجية وغيرها من المؤسسات الرئيسية في الدولة وكأن الوطن للأغنياء فقط.
بوضوح وبدون مواربة اذا كان ذلك هو معيارنا في العمل فانتظروا الانهيار، واذا كانت هذه طريقة تصنيفنا للمصريين فانتظروا ملايين المهاجرين والعملاء والخونة والكافرين بالوطن، انتظروا حرائق لن تتوقف ولن يستطيع أحد اخمادها، وبهذا المنطق لما كان الرؤساء عبدالناصر والسادات ومبارك والسيسي وصلوا لحكم مصر فأهلهم من البسطاء ولم يكونوا من الحاصلين علي مؤهلات عليا وكل ما كانوا يملكونه الشرف والعمل واستكمال احلامهم عبر اولادهم، والملايين يحلمون مثلهم، فلا تقتلوا أحلام الوطن ولا تغتالوا طاقاته، وننتظر أن يتدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي لوقف تلك المهزلة، وبناء مصر التي تسع الجميع بالعدل والمساواة والعمل، مصر التي نحلم بها معا ولا تصنف الناس علي أساس انتفاخ جيوبهم وأرصدتهم في البنوك حتي لا نجد أنفسنا أمام نظام غير لائق اجتماعيا ويصبح جميعنا عبدالحميد شتا حتي لو تغيرت الأسماء!!

[email protected]

ا