رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ابن الأكرمين

مقالات الرأى

السبت, 02 مايو 2015 22:34
إسماعيل القاضي

 

راح سينود يردد وهو يحمل علي رأسه سلة البيض، العبارة: «لماذا ضربني هذا الفتي بالكرباج علي وجهي؟.. إنني لم أفعل شيئاً يمكن أن يغضبه أو يغضب القديسين».. ما معني كلمة «الأكرمين؟» لم أسمعها من قبل.. هل معني هذا أن حامل هذه الكلمة له الحق في ضرب الناس بالكرباج علي وجوههم؟.. سوف أسأل جدتي كاترين عن معني «الأكرمين»، ولماذا يضرب الأكرمون الناس علي وجوههم بالكرباج؟.. وصل سينود كوخ جدته العجوز التي أخذت علي عاتقها تربيته منذ أن كان بالمهد صبيا بعد أن توفي عنه والداه بسبب ذلك الطاعون اللعين.. كان أول ما لاحظته جدته تلك الندبة الدامية علي وجهه.. فبادرته: من فعل بك هذا يا بني؟

«الأكرمون»! كان رده!، تعال يا بني اغسل لك جرحك.. تناولت بعض أوراق السدر ودعكتها بالماء وفركتها بين يديها حتي تكونت الرغوة فمسحت بها وجه سينود وهي تردد بهدوء: يا بني هناك حديث في التوراة «العهد القديم» بأن مقوقساً يظهر في بلاد العرب تضرب بعدالته الأمثال

وهو يسكن عبر البحر، لمعت عينا سينود وهو يستمع إلي حديث جدته وعقد العزم علي زيارة ذلك المقوقس، وصل سينود إلي المدينة المنورة وسأل عن المقوقس وعن قصره وحرسه وحاشيته، فلما نودي عليه من قبل بعض الصحابة: يا عمر هناك متظلم! لم يكن هناك حرس ولم يكن هناك حاشية ولا جند ولا شبيحة!، أي بني ما هذا الجرح علي خدك؟
التفت سينود ليجد أمامه شيخاً يلبس الملابس الخشنة، عبارة عن «دشداشة» ترتفع علي الأرض حتي الركبة، أردت المقوقس قال سينود بوداعة وقيم أردته يا بني؟.. تحدث سينود لـ «الرجل» عن قصته مع ابن الأكرمين، تناول ابن الخطاب ورقة بردي صغيرة وكتب عليها: إلي العاصي ابن العاص، تعال وابن أحرام!، وأمر أحد الصحابة أن يزجل الرسالة «يرسلها بواسطة الحمام الزاجل» ثم أمر الصبي فاطعم واكسي.
وصل داهية عصره وزمانه وصنديد
قريش عمرو بن العاص علي أسرع ما استطاع ووقف أمام الخليفة العادل كالتلميذ المذنب وهو يرتعد خوفاً علي ولده! تعالي يا بني! خذ هذا السوط واضربه كما ضربك، تردد سينود برهة وجيزة وغمرته الهيبة، فارتجفت يداه وسقط السوط «الكرباج» من يديه.
ولكن صوتاً كالرعد أمره بأن يأخذ حقه، فجمد الدم في عروق سينود وأدرك أنه إذا تردد عن ضرب الفتي سيثير حفيظة الخليفة، تناول الكرباج وضرب ابن عمرو بن العاص علي وجهه، لك يا بني أن تضرب وجه الوالي الذي لم يحسن تربية أبنائه، دونك ووجهه! استغفر يسوع! إن الوالي لم يسئ إليّ! فصرف ابن الخطاب عمرو وولده من حضرته متوعداً بعقاب أشد في حالة تكرار مثل هذا العدوان وهو يردد: متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً! تلك العبارة التي ظل صداها يتردد أربعة عشر قرناً حتي استقرت «قننت» كمادة أولي في لائحة حقوق الإنسان التي صدرت عن الأمم المتحدة عند بداية القرن العشرين.. وهي تقول: «يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة والحقوق».
مضي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعد أن صرف عمرو بن العاص وولده من حضرته، ليأخذ قيلولته تحت شجرة السدر، ولسان حال من حوله يقول: «عدلت فأمنت فنمت يا ابن الخطاب».


سفير عراقي سابق مقيم في القاهرة

ا