سينمائيات

السينما التركية بين ماض مريض.. وغد مغرد

مقالات الرأى

الجمعة, 19 أغسطس 2011 11:16
بقلم : مصطفي درويش

لم يكن للسينما التركية قيمة ولا أثر يذكر خلال السنوات الخمس التالية لاختراع السينما، قبل رحيل القرن التاسع عشر بقليل.. فإنتاجها طوال تلك السنوات وحتي انتهاء الحرب العالمية الثانية «1945» كان أقل من القليل، خمسون فيلماً روائياً طويلاً، أي بمعدل فيلم واحد سنوياً وعلي امتداد ستة عشر عاماً، بدءاً من 1923 وحتي 1939 انفرد شخص واحد بإخراج كل الأفلام التي جري إنتاجها دون استثناء.

وقياساً علي حال السينما المصرية التي كانت وقتها في ازدهار كانت السينما التركية تحبو ولا تزال تعاني من حالة هزال.. غير أنه بعد انتهاء الحرب أخذ وضع السينما التركية في التحسن شيئاً فشيئاً.. فكان أن ارتفع إنتاجها خلال عام 1952 إلي تسعة وأربعين فيلماً أي ما يعادل إنتاجها برمته خلال الخمسين عاماً الأولي من عمرها.. وأخذ في الارتفاع خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بحيث وصل إلي ثلاثمائة فيلم سنوياً.. وبينما كانت السينما التركية في حالة ازدهار كماً وكيفاً، بفضل ظهور كوكبة من المخرجين الموهوبين.. كانت السينما المصرية في حالة انحسار بسبب رقابة متحجرة راسخة رسوخ الجبال، هذا ومن علامات نهوض السينما التركية وازدهارها، فوز فيلم تركي «صيف جاف» لصاحبه المخرج «يتين إركسان» بجائزة الدب الذهبي لمهرجان برلين 1964.

بعد ذلك الفوز أخذ في الازدياد عدد الجوائز المتوجة بها الأفلام التركية في أهم المهرجانات العالمية، ومن بين تلك الأفلام المتوجة أذكر علي

سبيل التمثيل «الطريق» لصاحبه المخرج «يلماز جوناي» والفائز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان «1982» و«أوزاك» - المسافة - لصاحبه المخرج «نوري بيلج سيلان» والفائز بالجائزة الكبري لمهرجان كان 2002.. فضلاً عن فوزه بجائزة أفضل تمثيل مناصفة بين بطليه، من ذلك المهرجان وسبع عشرة جائزة أخري من أكثر من مهرجان غير كان.

ومرة ثانية فازت السينما التركية بالدب الذهبي أكبر جوائز مهرجان برلين بفضل فيلم «عسل» لصاحبه المخرج «سميح كبلا نوجولو» 2010.. وعن الفيلم الأخير أي «عسل» أقف قليلاً، لأقول إنه ليس كغيره من الأفلام فهو والحق يقال وحيد نوعه، وذلك لأنه جزء من ثلاثية لمخرجه، تعرف تحت اسم «ثلاثية يوسف» جزؤها الأول اختير له اسم «لبن» وثاني أجزائها اختير له اسم «بيضة» وثالثها «عسل» الفائز بالجائزة الكبري لمهرجان برلين.. والثلاثية وبطلها «يوسف» متمحورة حوله الأجزاء الثلاثة.

وعلي غير المعتاد لم تبدأ ببطلها، وهو صغير، وإنما بدأت به في «لبن» أول أجزائها، وهو كبير وقد أصبح شاعراً وانتهت به في «عسل» آخر آجزائها، وهو صغير ليس له من العمر سوي ستة أعوام يعيش في رعاية والديه وبالذات أبيه.

وفيما بين هذين الجزئين يعرض الجزء الثاني المسمي «بيضة» لحياة يوسف

وهو شاب يافع، يعمل جاهداً من أجل بناء مستقبله، والانطلاق إلي آفاق بلا حدود، ملؤها الأمل في غد مغرد.

ومن بين أجزاء الثلاثية لم أشاهد إلا جزءها الأخير «عسل» وأحدثه علي غير المألوف سينمائياً، لا تصاحبها موسيقي تصويرية، وإنما تصاحبها فقط أصوات الطبيعة في الغابة، حيث يجمع أبويوسف عسل النحل من خلاياه التي سبق له أن زرعها في أعالي الأشجار، كما تصاحبها - أي الأحداث - أصوات الأشياء في البيت حيث يقيم الصغير وفي المدرسة حيث يتلقي العلم، وظاهرياً يبدو الفيلم بسيطاً، غير أنه في حقيقة الأمر علي نقيض ذلك تماماً عمل سينمائي غامض مليء بالأسرار فأصغر الأشياء فيه تصبح رموزاً زاخرة بالمعاني والدلالات.. فعلي سبيل المثال أن يكون اسم الصغير «يوسف» واسم أبيه «يعقوب» وأن يكون الصغير ملتصقاً بأبيه يصاحبه أينما ذهب يطلعه علي أحلامه وكأنه بينهما حبل سري، فلابد أن كل ذلك يعطي لشخصية الأب والابن بعداً روحانياً، يذكرنا بقصة يعقوب مع ابنه يوسف في الأديان السماوية الثلاثة.

مما يؤيد ذلك ويؤكده أحلام الصغير التي يحكيها لأبيه، وهما معاً في الغابة بحثاً عن العسل مصدر رزق العائلة ونصيحة الأب له بأن يحتفظ بها سراً، لا يحكيه لأحد سواه.

يبقي لي أن أقول: إن الفيلم من ذلك النوع الذي لا يحكي إذ هو عبارة عن انطباعات طفل في دور التكوين وجد نفسه مواجهاً باختفاء أبيه ذهب كالمعتاد إلي الغابة، وعلي غير المعتاد لم يعد.

وفي عرضه للصغير وانطباعاته اعتمد صاحب الفيلم علي التعبير لا علي الكلام بل علي ملامح الوجه ولون النظرة.. فجاء الأداء بارعاً، آسراً.. فضلاً عن ذلك وصلت حرفة السينما في كل المجالات إلي ذروة عالية من الاتقان، اكسبت الفيلم كياناً جعله وحيد نوعه، فريداً بين الأفلام.