بين البابا والقمص

مقالات الرأى

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 10:05
بقلم : أحمد جمال بدوي

إن واقعة خلع القمص بولس عويضة راعي كنيسة الزهراء زيه الديني أمام بوابة أحد الفنادق الكبري يجب ألا تمر مرور الكرام دون موقف جدي وتحليل موضوعي لها في ظل ما أثاره القمص من اتهامات بتعمد إساءة معاملته وما يمكن أن يتولد عن هذا الاتهام من تداعيات وردود أفعال هنا وهناك دون تحسب ومراعاة لخطورة ذلك. فلو عرضنا الأمر علي العقل والمنطق فلا يمكن أن نصدق أن رجل أمن بفندق سياحي كبير تديره شركة أجنبية عالمية بالتأكيد ليست إسلامية وتحسن اختيار وتدريب موظفيها وأن هذا الرجل يصل به الهبل والخبل أن يأمر ضيفاً عادياً،

بل رجل دين بزيه الكهنوتي المحترم أن يخلع ملابسه أمام مدخل الفندق وعشرات النزلاء والضيوف والمشهد كما رأيناه في الفضائيات يفسر نفسه بنفسه والسيناريو المنطقي له يقول - كما نري - أنه عندما حاول القمص المرور من البوابة الإلكترونية أول مرة وانطلق جهاز الإنذار فمن الطبيعي والمعروف أن يخرج ما معه من معادن ويعاود المرور من البوابة ولكن وبالطبع كعادتنا نحن المصريين جميعاً نجد فى ذلك نوعًا من الإهانة والاستفزاز ونمارس عقدة وهواية الاستكبار ورفض الانصياع لتعليمات فرد الأمن خاصة أن الرجل ينتظر معاملة خاصة باعتبار سيادته رجل دين مسيحياً!! وكما قال القمص في الصحف إن رجل الأمن اتهمه بارتداء حزام ناسف وطلب منه خلع ملابسه

للتأكد من ذلك من عدمه. فهل هذا معقول هل يمكن أن يتجرأ رجل أمن الفندق الكبير بتوجيه مثل هذا الاتهام الخطير لرجل دين وهو يعلم بالطبع عدم صحة ذلك ولا يملك سنداً له والأكثر أنه يعلم ما يمكن أن يلقاه من عقاب لو كذب اتهامه وصدقت أقوال القمص. ولكن صحة باقي السيناريو تقول إن القمص بولس عويضة بعد أن شعر بالإهانة والحرج والاستعلاء من تكرار مروره بالبوابة كما تقضي تعليمات الأمن (التي وضعتها الدولة والقانون) أعتقد أنه أراد أن يفتعل مشكلة للفندق ويعاقب رجل الأمن مهدداً بخلع ملابسه مدعياً أن رجل الأمن أمره بذلك ويبدو أنه في بادئ الأمر أن القمص أراد أن يوهم الموجودين بأنه سيخلع ملابسه علي سبيل التخويف والتهديد فقط وأن رجل الأمن اضطر أن يقول له «اعمل اللي انت عاوزه» علي سبيل عدم التصديق بل استحالة توقعه أن ينفذ الرجل تهديده.

وقد ظن القمص أنه مع بداية أن يهم بخلع ملابسه وقبل أن يشرع في ذلك أن يسارع رجال الأمن بمنعه من ذلك معربين عن أسفهم واعتذارهم مع الوعد بمعاقبة رجل الأمن لكنه أسقط في يده عندما

تسبب إرباكه لهم أنهم لم يستطيعوا الإسراع بمنعه من خلع ملابسه مما اضطره لأن يستكمل تنفيذ تهديده بالفعل وهو ما استغرق ثوان معدودة قضاها رجال الأمن وكل الموجودين في صدمة وذهول مما يرون.

أعتقد أنه حقيقة ما جري وحتي لو صدقنا أن رجل الأمن أخطأ وتهور إلي درجة الجنون واتهم القمص بارتداء حزام ناسف وأمره بخلع ملابسه فكيف يمكن لرجل الدين المحترم المرتدي لزيه الكنسي الوقور ولإنسان عاقل وفي مكان عام أن يستجيب لهذا الطلب الأخرق الذي لا يتناسب أبداً مع مكانته الدينية التي أهانها بنفسه ولا أحد غيره!!

أما ردود الأفعال علي تلك الواقعة فمنها ما هو محمود ومنها ما هو متعجل أما الموقف المحمود فكان ما فعله الأنبا بسنتي - وهو من أحكم حكماء الكنيسة المصرية في الوقت الراهن - حيث قرر إيقاف القمص بولس عويضة عن العمل لحين الانتهاء من التحقيق في الواقعة التي أصبحت بيد النيابة العامة أما الموقف المتعجل فهو ما فعله السيد رئيس الوزراء حين سارع للاتصال بالقمص مندداً ومعتذراً عما حدث له من وجهة نظره وكما رواها القمص دون الانتظار لنتيجة التحقيقات وثبوت الإدانة في حق الفندق.

وهو ما يدل علي استمرار الحكومة علي نفس نهج الحكومات السابقة في الإسراع بتقديم الحلول السطحية والمصالحات الواهية التي تفسد أكثر مما تصلح وتثير الفتن أكثر مما تهدئ ما في القلوب والنفوس.. وإنني لأذكر أنه منذ عامين تقريباً أن تعرض البابا شنودة الثالث نفسه لموقف مشابه في أحد المطارات الأوروبية من إساءة في أسلوب التفتيش حين أمره الضابط بخلع حذائه وأذكر وقتها مدي غضب المصريين جميعاً لهذا الموقف مع رجل بحجم ومكانة البابا شنودة لكن الفارق شاسع بين البابا والقمص!!

[email protected]