الإعلام ومشاهد العنف

مقالات الرأى

الجمعة, 20 مارس 2015 19:48
د. محمد ممدوح عبدالمجيد

لا شك أن الإعلام أحد المكونات الرئيسية للفكر الإنسانى. وأحد أهم دعائم صناعة العقول. فدوره لا يقل عن دور التعليم. بل قد يكون أهم وأخطر. لأنه سيصل القرى والنجوع وكل شبر من الأرض التى يسكنها بشر خاصة بعد انفتاح السماء الإعلامية ووصول التقنيات الحديثة إلى كل شبر تطاله الحياة.

لأجل ذلك فإن على الإعلاميين دوراً كبيراً فى التوعية بالمخاطر التى تحيط بنا. وفى فتح نوافذ الأمل لغد تشرق عليه شمس العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
العدالة فى أحقية الحياة لكل البشر وفى حقوق التعليم والتمريض والتثقيف. والحرية فى الاعتقاد والفكر مع احترام معتقد وفكر الآخرين. والكرامة الإنسانية فى العيش الكريم وفق المقتضيات التى أرادها لنا الخالق سبحانه.
تلك هى أبسط حقوق بنى البشر. وتلك هى النوافذ التى على الإعلام فتحها والتأكيد عليها والثقة فى تحقيقها.
ليس هذا كل المطلوب، ولكن وفى هذه الظروف العصيبة، وتغليباً للمصلحة الوطنية والمصلحة الإنسانية على حدَّ السواء. فالواجب يحتم على الإعلام عدم إذاعة أى مشاهد للعنف ترتكبها تلك الفئات الباغية التى استمرأت الدماء وغرقت فيها، المسئولية الوطنية والأخلاقية تقتضى حذف هذه المشاهد فوراً من على المواقع العالمية مثل الياهو واليوتيوب وتويتر وغيرها من مواقع تبث هذه المجازر اللآدمية ليل نهار. فتلك هى مسئولية إنسانية بالمقام الأول تقع على عاتق أصحاب تلك المواقع العالمية.
وعلى الإعلام المحلى أيضاً. الحكومى والخاص. ألا يعرض تلك الصور فى المستقبل،

لأنها تضر أكثر مما تنفع. وتفسد أكثر مما تُصلح. نعم. هى تذكرنا بجرائم وحشية لمصاصى الدماء اللآدميين. وتذكرنا بضرورة المواجهة الملحة لهم  ولأشباهم من الذهانيين والمرضى النفسيين. وتدفعنا نحو الثأر الذى لابد منه ولا تنازل عنه.
فهى تقوم بالشحن المعنوى والنفسى لنا، تمنينا بالثأر وتدفعنا نحو الانتقام. وتحثنا على الإقدام لا التراجع. على التضحية بحياتنا لأجل حياة الأجيال المقبلة. ولكنها تسىء إلينا كثيراً وتضر أكثر مما تنفع.
فهى أولاً تذكر أهالى الضحايا بما فُعل بذويهم. ولا يخفى على أحد مدى الضرر البالغ الذى يلحق بهم جراء ذلك. بل منهم من يصاب بصدمات نفسية وعصبية جراء هذه المشاهد المؤلمة للضمائر والمؤرقة للأفئدة، وقد سمعنا مؤخراً تعرض بعض زوجات شهداء مصر على يد داعش فى ليبيا. لنوبات عصبية بأزمات نفسية شديدة أودعتهم الأسرة البيضاء فى المستشفيات.
أضف إلى هذا الأثر النفسى السلبى والسىء على نفوس هؤلاء الضحايا وأولادهم وذويهم. ذاك الأثر الذى لا يقل سوءاً الذى تتركه تلك المشاهد على نفوس أبنائنا من النشء الصغير. حيث تُقلص هذه المشاهد عندهم مبادئ الرحمة. وتقوض أركان القيم. وتزعزع فى نفوسهم الثقة فى هذا الوجود الإنسانى بأسره. لأنهم يرون وحشية مفرطة. لا تستطيع أخيلتهم
الإحاطة بها رغم خصوبتها. لأنها مشاهد قاسية لم يكونوا يتوقعونها، ولم يكونوا على أدنى استعداد لتقبلها، إنها تساهم فى تربية جيل مزعزع نفسياً، مهزوم إنسانياً، مقتول روحياً ومعنوياً، جيل يتربى على مشاهد القتل والعنف والإثم والبغى، فكيف يكون مصيره؟  وكيف تتشكل رؤيته لتلك الحياة البائسة.
إن أفلاطون حرَّم على أطفال دولته اليوتوبية دراسة التاريخ الذى يحتوى على العنف والقتل والحروب. وأوصى باستبدال ذلك بدراسة السلام. لأن الأصل فى هذا الوجود هو السلام لا الحرب. وبالتالى فعلينا أن نربى أولادنا على تلك الثقافة. وأن ننزع من طريقهم كل ما يضادها ويعاديها.
ذاك التحريم الأفلاطونى كان لمجرد الدراسة النظرية. فما بالنا لو رأى أفلاطون اليوم تلك المشاهد المنتشرة فى السماوات المفتوحة. والمواقع العالمية التى لا رحمة فيها ولا قلب لها. إنها مشاهد كفيلة بتربية جيل مشوه أخلاقياً، ومضطرب نفسياً. ولا يعلم عقبى تلك التربية إلا الله. يقول (إريك فروم) فى كتابه «الإنسان المغترب» ما نصه »إن العنف لا يتولد إلا عن العنف سواء كان مادياً أو رمزياً فمشاهدة الأطفال للعنف حتى ولو عبر التمثيل واللهو. تساعد على إغراقهم فى تلك المشاهد وتشبعهم بها لتصبح هى مناط أعمالهم وقمة أمنياتهم. فتصبح ممارستها بالنسبة لهم هى الأمل فى مستقبل البطولة المزيفة والرجولة المصطنعة».
إننى أوافقه تماماً، وأدق ناقوس الخطر، وأهيب بضمائر الوسائل والمواقع الإعلامية العالمية. استمرار عرض تلك المشاهد يضر يا سادة ولا ينفع. وستساهم هذه البشاعة اللأخلاقية فى صناعة جيل الغاب، جيل مزعزع نفسياً وغير مستقر انفعالياً. لأنها مشاهد قاتلة لكل معانى البناء. فهل يستجيب السادة القائمون على تلك المواقع ويحذفون كل مشاهد العنف. ليقدموا بذلك خدمة جليلة للإنسانية تحسب لهم. كلى أمل فى تلك الاستجابة وكلى يقين فى قناعة الضمائر الحية بذاك النداء.

ا