العمل البرلماني بين الهواية والاحتراف

مقالات الرأى

الاثنين, 16 مارس 2015 19:27
بقلم د. محمد يونس

عندما ننظر في التغيير الحاصل في منظومة العمل السياسي بمصر والتي تتجلى أبرز مظاهره في انفتاح مجال العمل الحزبي، واتساع حريات التعبير على المستويين السياسي والإعلامي، وتصاعد دور الرأى العام فى صنع القرار، نجد أنفسنا أمام حاجة ملحة لتأهيل أعضاء البرلمان وتطوير العمل النيابي ليواكب التطور الحاصل في الممارسة السياسة والتي اكتسبها الشعب بفعل حراكه السياسي والاجتماعي.

يضاف إلى ذلك أهمية البحث عن معالجة سياسية أكثر نجاعة لبعض التوجهات العالمية التي قد تتصادم مع السياسية التشريعية في بعض القضايا مثل تنظيم العمل الأهلي والمجتمع المدني، وحقوق الإنسان.
في ظل هذه العوامل تتضاعف الحاجة الى تطوير العمل البرلمان بمجمله ليس فقط ليتواكب مع التطور السياسي وإنما أيضا ليكون قوة دافعة لهذا التطور عبر ممارسة مقننة تستند إلى أسس علمية ترافقها خبرة عملية، تجعل البرلمان نواة للارتقاء بالعملية السياسية لنرتفع بمستوى الممارسة البرلمانية ومن ثم السياسية الى مستوى الاحتراف، بدلا من أن تكون مجرد هواية تتوارثها أسر بعينها أو بخوض غمارها بعض المغامرين بخاصة في ظل هشاشة الحياة الحزبية.
يزيد من اهمية ذلك، الدعوات المتزايدة إلى ضرورة اعطاء فرص أكبر للشباب في المشاركة البرلمانية وهم بالتأكيد بحاجة إلى تحصيل الخبرات اللازمة للعمل النيابي
فالنائب ،وبخاصة الذي دخل المجلس لأول مرة، لا يستطيع أن يقوم بالأعمال الموكلة إليه بجهده المنفرد، ولا يمكنه أن يدرس ويراجع الأدبيات ويطلع على أحدث التجارب العالمية والعربية حتى يستحدث رأياً فى التشريع المفترض عليه مناقشته تحت قبة البرلمان .
وهنا يمكن الاسترشاد برأي الخبراء السياسيين، ومنهم الدكتور على الصاوى، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي اجرى العديد من البحوث في هذا المجال، ويرى ضرورة دعم عمل الأعضاء عبر تطوير نظام مؤسسي لعلاقات النائب بالدائرة الانتخابية خصوصا والمواطنين عموما، من خلال أمرين أساسيين:
أولهما، توفير الإمكانيات البشرية والمكانية والفنية الكافية للأعضاء لإدارة علاقاتهم بالناخبين المواطنين، وتأسيس مكاتب فى دوائرهم الانتخابية.
وثانيهما، الاهتمام بموضوع التمويل والقدرات المالية للعضو، لتغطية أنشطته المختلفة فى الدائرة، وما

قد يحتاجه من بحوث ودراسات، كما يتطلب ذلك تعاون السلطة التنفيذية مع البرلمان فى إتاحة المعلومات للأعضاء.
ويتواكب مع ذلك ضرورة الاهتمام المكثف بتنظيم زيارات خارجية للأعضاء الى برلمانات العالم، ويعد ذلك نوعاً من «التدريب» وتزويد الأعضاء بالمعلومات اللازمة عن أسلوب عمل المجالس.
وقد يتطلب تفعيل اداء البرلمان الأخذ بنظام الحقيبة الوزارية للشئون البرلمانية، بما يساهم فى «مأسسة» الدور السياسي والتشريعي والرقابي للبرلمان فى صنع السياسات العامة.
ويلفت د. الصاوى الى ضرورة ان يتواكب مع ذلك تطوير اللوائح أو أنظمة العمل الداخلية للبرلمان، لتتيح قدرا من التوازن بين التيارات السياسية والحزبية فى إدارة فعاليات المجلس، وتولي المناصب القيادية به. وتطوير نظام اللجان، وتحديث أدائها الفني، وتفعيل دورها فى المبادرة التشريعية وتطوير تقارير اللجان خاصة فيما يتعلق بالاستعانة بالخبرات العلمية، ومشاركتها فى إعداد هذه التقارير.
وهنا تكمن أهمية التدريب المستمر والمتنوع لتنمية قدرات أطراف العمل البرلمانى (الأعضاء والفنيين المعاونين لهم) لمواكبة تلك الأعباء المستجدة وتوجيه اهتمام خاص بموضوع فن الصياغة التشريعية، من أجل إلمام الأعضاء بقواعد هذه المهارة، التى تعد العائق الرئيسي أمام مشاركتهم الجادة فى مناقشة مشروعات القوانين، وأداء الدور التشريعى بشكل عام.
وقد يحتاج ذلك الى إنشاء إدارة متخصصة لتدريب الجهاز الفني للبرلمان، ودعمها بأكبر قدر من الإمكانيات البشرية والمادية والتسهيلات الإدارية.
وهناك جوانب أخرى تتطلبها عملية التطوير المنشودة، من ابرزها الاهتمام بالإعلام البرلماني، وإتاحة الفرص أمام الرأى العام لمتابعة أعمال المجلس. وإتمام العمل البرلماني (مثل: التصويت الإلكتروني، تحديث حفظ المستندات والوثائق وتسجيل المضابط، ونشرها).
قد تكون فكرة بيوت خبرة البرلمانية التي تمد النائب بالمعلومات الدقيقة واللازمة لعملية اتخاذ القرار، وتقدم له الأبحاث والتجارب القانونية العربية والعالمية بديلا وحلا سهلا لهذه الإشكالية، ولكن قد يشوبها تخوف من مدى استقلالية هذه البيوت ومدى قربها او بعدها من أصحاب النفوذ والمصالح.
هذه أفكار أولية تحتاج إلى نقاش موسع من جانب المتخصصين وأصحاب الرأي للتوصل إلى رؤية متماسكة لتطوير العمل البرلماني لكي يدفع بمنظومة العمل السياسي ويضعها على الطريق السليم.

[email protected]

ا