رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مجلس الإخوان الثورى فى تركيا

مقالات الرأى

الخميس, 26 فبراير 2015 23:10
أسامة الغزولى

مضطر أن أقول كلام بايخ ومكلكع لكى أحاول تفسير ظاهرة أكثر بواخة وكلكعة. هذه الظاهرة هى الربط بين الإخوان والثورية، خاصة بعد الإعلان عن مجلس ثورى للإخوان فى اسطنبول. أرجو أن يتحملنى القارئ الذى ربما تعود من بعض الكتاب أنهم بيجيبوها م الآخر ويلعنوا سنسفيل الإخوان واللى  يتشدد لهم (شاعر معروف قال عنهم «دين ابوهم»!). لكن هذا النوع من فش الخلق لا يفيد كثيرا. وسنحاول الاقتراب من الموضوع بجدية، وربما بتقل دم لا مهرب منه.

بداية نتساءل: ما معنى أن يقبل العالم الصناعى من جماعة مثل الإخوان المسلمين أن تصف نفسها بالثورية؟ اعترضت فى عام 1989 على إطلاق لفظ «ثورة» على ما جرى فى إيران بعد خلع الشاه واستيلاء كهنة الشيعة على السلطة. وإذا كنت لا أفهم اليوم كيف اعتبار الإخوان «ثوريين»، فلم أكن أفهم آنذاك كيف يمكن أن تجتمع الكهانة والثورية.
كنت آنذاك أدرس للماجستير فى لندن. رد على أستاذى الأمريكى (كان ضابطا سابقا فى مشاة البحرية الأمريكية) بأن عجزى عن تقبل إطلاق صفة ثورة على ما جرى فى إيران مرده إلى اقتناعى بالتصور الماركسى الذى يربط الثورة بتحول عميق فى العلاقات الطبقية.  فى محاضرة تالية وجدت أستاذا آخر يسألنا عن تعريفنا لـ«الأمة»، ماهى الأمة؟ وتبارينا، نحن الدارسين، فى تعداد المكونات المادية والمعنوية لحقيقة الوطنية. واستخف المحاضر بكل ذلك مؤكدا لنا أن الأمة هى أى جماعة تختار أرضا وترفع فوقها علما وتعلن نفسها أمة. ذكرنى ذلك بحوار لى مع كادر من كوادر اللوبى الصهيونى فى نيويورك، حيث أصر الصهيونى على أن الخلاف بيننا ليس سوى تناقض بين تصوراتى كعربى وتصوراته كصهيونى. المسألة كلها تصورات وليست حقائق ملموسة قابلة للرصد الكمى

quantifiable. وجدت أسلوب أساتذتنا يمضى فى الاتجاه ذاته. واستقر فى يقينى آنذاك أن الطاقم الذى يدرس لنا كان مرتبطا،على نحو ما، بعملية إعداد قيادات التسعينيات (ربما كمقدمة لما يجرى اليوم) فى الشرق الأوسط، أمثال جمال مبارك وبشار الأسد اللذين قضيا ذلك الزمن فى لندن (زارها فى تلك الأثناء أيمن نور وتواصل مع قيادات حزب العمال البريطانى، كما سمعت). لكنى لم أواصل الدراسة لعجزى المزمن عن مواصلة الدراسات الأكاديمية لأبعد من الليسانس الذى حصلت عليه بصعوبة. وخرجت من الفترة القليلة التى قضيتها معهم بأن العمل يجرى على قدم وساق، فى المراكز السياسية والأكاديمية والبحثية فى لندن وغيرها من العواصم الكبرى، لتغيير مفاهيم قديمة وراسخة بينها مفهوم الثورة ومن هم الثوار.
والحقيقة أن هذا الجهد متواصل، على الأقل منذ الستينات،لتكريس مفهوم جديد للثورة مفارق للمفهوم الماركسى. وفى كتابه «الاستيلاء على السلطة: عن أصول ثورات العالم الثالث» يقول جون فُوران إن القرن العشرين هو قرن الثورات. لكنه يلفت انتباهنا لأمر غاية فى الأهمية، فباستثناء الثورة البلشفية فى روسيا  فى 1917 وقعت كل الثورات فى العالم الثالث، أى خارج العالم الصناعى المنظم والمتماسك، الذى صيغت من أجله النظرية الماركسية.  ولهذا فربما كان من الضرورى تجاوز الماركسية أو التخفف منها لفهم تحولات العالم غير الصناعى. الماركسيون أنفسهم أدركوا أهمية هذا الأمر فاخترعوا لنا مصطلحات مثل «نمط الإنتاج الآسيوى» لتبرير «النمو غير الرأسمالى» باتجاه الثورة الاشتراكية. لكن الثورة الاشتراكية لم تحدث،
لا فى مصر، ولا فى روسيا؛ اللهم إلا إرهاصات فى السنوات الأولى للثورة البلشفية وحتى 1919 ثم خنقها الحصار الدولى، وفقا لما قاله إيريك سيلبين فى كتابه «الثورة والتمرد والمقاومة» الذى ترجمته أنا للمركز القومى للترجمة.
وكما فعل الماركسيون الذين أرادوا التمهيد لثورة اشتراكية فى منطقتنا باختراع سكة للثورة فى العالم الثالث تخالف تلك المنصوص عليها فى كلاسيكيات الثورة الشيوعية، يحاول الليبراليون اليوم اختراع سكة للثورة (الاجتماعية أو الشاملة) فى العالم الثالث تناسب ظروفه. وهكذا يعرّف فُوران الثورة بأنها «تحول داخلى سريع وجذرى وعنيف، يطال القيم والأساطير المهيمنة على المجتمع، كما تجسدها مؤسساته السياسية وبنيته الاجتماعية، وقيادته، وأنشطته وسياساته الحكومية. وعلى هذا الأساس تتمييز الثورات عن  الانشقاق، والعصيان، والتمرد، والانقلاب، وحرب الاستقلال».
لاحظ أنه لا يركز على طبيعة القوى المنخرطة فى الثورة ولا على غاياتها، بل يركز فقط على «شكل» الثورة: السرعة، الجذرية، العنف،شمولية التحول، ترك القديم، أيا كانت طبيعته، وإحلال الجديد محله، أيا كانت طبيعته.. إلخ. وهكذا فالثورة ليست تقدما للأمام (انظر كتاب خرافة التقدم والتأخر لجلال أمين وقل لى ما علاقة دار الشروق بالإخوان المسلمين وبالحركة الفوضوية فى العالم).  ولو نجح أكلة لحوم البشر فى تنظيم أنفسهم وإسقاط النظام الاجتماعى –السياسى القائم وتأسيس نظام اجتماعى –سياسى يبيح أكل لحوم البشر، فبحكم التعريفات السائدة اليوم تكون هذه ثورة ويكون من أنجزوها ثوريين،وخصومهم فلول وتلول وام الخلول. وبالمثل فدعاة القرون الوسطى من الإخوان المسلمين ثوريون لأن هدفهم هو تحقيق تحول سريع وجذرى وعنيف وشامل. وخصومهم رجعيون قمعيون لأنهم يرفضون الجديد المتحرر من الأطر القائمة. إن كانت هذه هى الثورة وهؤلاء هم الثوريين فلا تعجب ان استغاث الناس بالفلول، وإن طالبوا بجائزة نوبل للرفيق أحمد موسى وللرفيق توفيق عكاشة، وإن وقفوا وراء الشاعر ليقولوا عنهم، فى اسطنبول وفى واشنطن، «دين ابوهم».
المهم أن تمركز الإخوان فى اسطنبول ليس صدفة. هو تجسيد لرغبة يائسة فى إحياء الماضى العثمانى. فكيف يكون الإخوان ثوريين وهم دعاة ماض لايمكن أن يعود. إن لم تكن الثورة طريقا للمستقبل فلا نريدها. وكل دعاة الارتداد للماضى الأسطورى خاسرون وإن حشدت وراءهم واشنطن وبروكسيل الدنيا كلها.

 

 

ا