الليلة الكبيرة .. والعالم كتيرة

مقالات الرأى

الجمعة, 12 أغسطس 2011 11:20
بقلم - المستشار أحمد حسام النجار

بين واقع يحكمه مناخ جدلي عشوائي وتسيطر عليه أياد مرتعشة وأخري متربصة انتصب «الساري» وأقيم المولد في الميدان. الجميع يعمل علي تسويق بضاعته فتوحدت طقوس المولد وطقوس السوق تلك الطقوسية التي كانت قاصرة علي واقعنا الديني لم تعد كذلك إن امتدت لتسيطر أيضاً علي واقعنا السياسي.

 

في مولد سيدنا الميدان تتجلي هذه الطقوسية السياسية في شعارات ومنطلقات تتنافر وتجتمع تتناقض وتتنازع في آن واحد.

أقنعة تباع علي الأرصفة تمنح البركة الثورية لمجرد التواجد والمشاركة في الكرنفال بأداء «نمرة» علي مسرح الميدان.

في يناير إبان ثورتنا التي كانت غلبت إرادة الله تعالي علي إرادة البشر ومن ثم كانت العبرة في إزاحة مبارك وأهله ونظامه عن حكم مصر.

اجتمع شعب مصر بكامله علي كلمة واحدة انحصرت في اسقاط النظام وقد كان.

تحول الميدان بعدها إلي مزار وأيقونة ثم إلي سامر وكرنفالات وساحة سيرك ولا وقت للعمل فقد انشغلنا جميعاً بالتنظير وبمنح البركة الثورية والشرعية ثم بالفرز والتصنيف فهذا من الفلول وذاك ليس من بينهم.

يبدو أننا لم نصبح بعد علي مستوي الحدث ذلك أن ثمة غضاضة باتت جاثمة فوق صدورنا حتي نالت من قدرتنا علي احتمال تلك العواقب فعادت بنا إلي سيرتنا الأولي.

أي ثورة تلك وقد انشغلت في واقعها الآن باستدعاء كوامن أنفسنا فيما انطوت عليه رزائلها وشرورها وانتهازيتها فصرنا نلعب بكل الأوراق ونناور بكل الوسائل ولا فرق بين أي منها ولا قداسة لوطن أو دين أو تراث.

من حضر القسمة فليقتسم.. الكل يشارك في القسمة من شارك في الثورة ومن ركب الموجة فيما بعد والخلف فيما

بينهم علي قدر النصيب.

انتخب «الساري» في الميدان وتعددت الرايات والأعلام وتنوعت ترفرف خفاقة في سماء المولد تربصاً واستعداداً لليلة الكبيرة.

تلك الليلة.. مسك الختام.. بات الجميع ينتظرونها، كل منهم يغني علي ليلاه منهم من احتفل بها حين تم خلع الرئيس المخلوع.

ومن حددها حين رآه ماثلاً بالقفص لمحاكمته.

ومن يراها حين تصدر المحكمة حكماً بإدانته ومن كان اكثر تحديداً للحكم الذي سيصدر ليكون بإعدامه.

ومن حددها حين يتم تسليمه قيمة نصيبه من المبالغ المنهوبة والتي قام باحتساب قيمتها بما يخصه منها علي نحو قاطع.

ومن يراها حين ينجح في فرض طلباته الفئوية أو الوظيفية سواء تعلقت هذه الطلبات بنواح مادية أو مزايا وظيفية أو غيرها.

الكل يتربص الليلة الكبيرة.

تعددت الولاءات وتعالت الشعارات إلا أنها جميعاً قد تجردت من الولاء لمصر الدولة ولا مصر الثورة..

إسلامية.. إسلامية شعار مطبوع علي رايات حملتها مليون لحية تنادي بحكم السلف الصالح..

إذا فسد الحاكم فلا تجوز الثورة عليه بل فقط مجرد الدعاء له ثم عليه.. تلك ثوابتهم أخذوها واعتقدوا بها خلفاً عن سلف والآن ينادون بها إسلامية عبر هذه الطقوسية التي باتت مفضوحة بأنماطها التي اعتدناها ذلك أنهم لو أفلحوا لكانوا نادوا بها وهابية وهابية.

ادعوهم لآبائهم ذلك أن جميع الحركات الأصولية الإسلامية تتخذ منطلقات تتعارض وفكرة الدولة المدنية فها هم يريدون إعادة الخلافة الاسلامية تحت مسمي «الأممية» أي احياء

فكرة الأمة الإسلامية وها هي كل يوم تقذف إلينا بنماذج بشرية غريبة المظهر والمخبر فبدلاً من أن تتفاعل هذه النماذج البشرية مع حركة الزمن والحضارة فإنها تخرج عليها في محاولة مستميتة إلي جذب الآخرين خارج سياق هذا الزمن بظروفه الملابسة والجهاد علي العودة بها إلي غياهب الزمن الماضى تحت لواء هذه الخلافة الرشيدة واقامة المجتمع المسلم باستدعاء مفردات الحياة اليومية البدائية استخفافاً بقيمة الحضارة وكأن ما توصلت إليه البشرية وأدركته من دروب العلوم المختلفة كانت درباً من الوهم والخديعة.

إذن فهي مغالطة كبري يتم تسويقها من خلال الدين ذلك أن المعلوم أن الدولة لفكرة لم تكن مدرجة علي جدول أعمال الرسول عليه الصلاة السلام وأن دعوته كانت تتعلق بجماعة المسلمين الجديدة وتنصب عليهم دون غيرهم..

إن أسامي الارتباط التي كانت تحكم مسألة انتماء الفرد لقبيلة ما قد تم استبداله ليصير انتماء إلي هذه الجماعة الجديدة التي يتأسس هذا الانتماء إليها علي أساس الدين وليس الدم ومن هنا أصبح المسمي الخاص بهذه الجماعة «أمة».

دعونا نستعرض ما كان عليه الحال مثل ظهور هذه الأصولية الدينية علي مسرح السياسة ممثلة في زعيمها المرحوم حسن البنا وما آلت إليه الأحوال الآن.

في عشرينيات هذا القرن كان «القس سرجيوس» والشيخ مصطفي الغاياتي يخطبان معاً فوق منبر جامع ابن طولون حتي تم نفيهما معاً إلي رفح أيام كان للوطن راية واحدة وولاء واحد بصرف النظر عن الدين ومع ظهور البنا وحركته فقد تلاشت هذه الصورة ومثيلاتها ولم يعد مقبولاً فكراً حدوثها أو تداولها.

واذا كان هذا المولد يلخص ما آلت إليه أحوالنا بعد ثورتنا التي كانت في يناير، وإذا كان مفهوم الثورة عموماً إنما يتعلق باسترداد الشعوب لإرادتها من غاصبيها تحت لواء السلطة والحكم فإن ما آلت إليه أحوالنا تلك إنما تفرض علينا الانتباه حتي لا تغتصب تلك الإرادة التي استعدناها تحت سلطان الدين وخلف لوائه فهم لا يسرقون الثورة فحسب بل يسرقون الدولة ومعها إرادتنا وحريتنا وتراثنا وثقافتنا.