رواد التنوير فى خندق المواجهة

مقالات الرأى

الجمعة, 13 فبراير 2015 21:57
دكتور: محمد ممدوح عبدالمجيد

ما حدث فى العريش فى نهاية الشهر الماضى، وما سبقه من أحداث عنف فى ذكرى الثورة، وما تلاه من أحداث مؤسفة تعود بنا إلى حقبة ما قبل الدولة والنظم السياسية، وتذكرنا بالبربرية الوحشية التى فتكت بالإنسان الأول وأودت بحياته وفق مبدأ سيادة الأقوى، والتفسير الأحادى للقوة بأنها قوة الجسد والغلبة، كل ذلك ينذر بمدى ما تواجهه مصر من مؤامرات داخلية وخارجية، وكل ذلك مما يحتم على كل صاحب ضمير حى المؤازرة والتكاتف لأجل إنقاذ مصر من مرض الموت.

لقد باتت تلك الأحداث صداعاً فى رؤوس المخلصين من أبناء هذا الوطن، فالفكر التكفيرى المتشدد غزا قطاعات كبرى من أصحاب الذمم الخربة والضمائر العفنة والأيدى الملوثة بالدماء، وباتت الفلسفات النازية والإمبريالية والاستعمارية فى ثوبها الجديد تسيطر على الفكر العالمى، وكأن العالم كله يتعجل نهايته ليصنعها بيديه، ويجنى شوكها بنفسه ويصنع مصيره المشئوم على عجل.
وهذه الأحداث التى تؤرق الضمير لذوى الضمائر الحية ليست صنيعة اليوم، ولن تقتصر على مصر فقط، بل هى صنيعة أفكار تشددية غزاها الزمن وأكسبها الوجود بعد العدم، تمتد يدها الآثمة لتطال كل شبر فيه حياة، فهم ضد الحياة ذاتها، ضد الوجود الإنسانى على الأرض، بحجج لا يقبلها عقل ولا يقرها شرع ولا تستقيم معها الفطرة.
وليس المجال الآن السؤال عن السبب الذى أوصلنا إلى تلك النتيجة المؤسفة، فهذا مما قد فات أوانه، والحديث عنه لا يجُدى بحال من الأحوال، ولكن السؤال الأنجع والأنفع فى هذه الظروف

التى دام ليلها وظلامها طويلاً، وباتت سالبة للنوم من العيون، هو كيف الخلاص من هذه الجماعات التى تُحرم مجرد الحياة، وتُحرم مجرد العيش فى أمن وأمان، هل مازال العقلاء مقتنعين بأن الحل الأمنى هو الحل الوحيد؟! أو هو الحل فى زمن اللا حل؟!..
ومع كامل احترامى لمكيافيللى وظروف عصره وفلسفته التى يأتى على رأسها مقولة «الغاية تبرر الوسيلة»، إلا أننى مقتنع تمام الاقتناع بأن الحل الأمنى لم يعُد هو الحل الوحيد، بل ولا الحل الأمثل، لأننا أصبحنا نتعامل مع مجرمين ذوى عقائد، أى ذوى فكر، والفكر لا يقاوم إلا بالفكر والحجة والمنطق، لا يقاوم أبداً بالقتل، لأن صاحب الفكر التكفيرى يُقدم على الموت ويظنه شهادة، ويُقدم على قتل النفس ويظنه قربة إلى الله، ويُقدم على التدمير والتخريب ويظنه جهاداً فى سبيل الله.
منظومة فكرية خاطئة مائة بالمائة، لن يُقومها السيف وحده، وإنما هى فى حاجة ماسة إلى مقاومة فكرية من الأزهر وكافة مؤسسات الدولة. فكل له دور، وكل عليه مسئولية، وكل يتحمل جزءاً من تلك الأحداث المؤسفة، التى خلفت لنا الدمار والتخريب فى كل شىء.
من هنا كانت الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى، الضرورة والآلية، المنهج والكيفية، فهو إحدى أهم دعائم حل هذا اللغز، وإحدى أهم ركائز
مكافحة الإرهاب الفكرى من عصابات التكفير التى استحلت ما حرم الله.
ثم يأتى دور الأزهر الشريف، دور دعاة الوسطية، دعاة خير أمة أخرجت للناس، دعاة (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)، أزهر عبدالحليم محمود والشيخ شلتوت وجاد الحق على جاد الحق وغيرهم من قمم الوسطية فى هذه المؤسسة العريقة.
ثم يأتى دور رواد التنوير، أصحاب الفكر المستنير، فكر البناء لا الهدم، فكر التعمير لا التخريب، زكى نجيب محمود ومصطفى محمود ومحمد عبده، فهم قادوا الفكر فى زمانهم، ووجب الآن السير على نفس طريقهم، حيث لرواد التنوير فى الوقت الحاضر الدور الأكبر فى نشر الفكر البنائى التقدمى، فكما للأزهر دور فى نشر الدين الوسط والدعوة الوسطية، فالتنوير دور لا يقل عن دور الأزهر عبر البرامج الثقافية والندوات والمؤتمرات والمؤلفات، خاصة أن قطاعاً عريضاً من الشباب يثق فى أولئك التنويريين.
إننى أستغيث بأرباب الفكر فى مصر، وأستغيث بأرباب القنوات الفضائية فى وطننا العربى كله، رواد التنوير هم إحدى أهم ركائز المواجهة الفكرية، فلتتركوا لهم الفرصة فى الإعلام، ولتبحثوا عنهم كالبحث عن أغلى ما تملكون، فلديهم فلسفة ورؤية لإنقاذنا من هذا الخراب، الذى بات يهدد الوجود الإنسانى بأسره..
لقد أبدع الرواد نظرياً، حسن حنفى، ومصطفى النشار، ومحمد زيدان، والصاوى محمد، ويوسف زيدان، وأحمد المسلمانى، وعصمت نصار ومحمد غنيم وغيرهم من قمم الفكر التنويرى، الذين أبدعوا فى كتاباتهم الفكرية، وقدموا أطروحات لنهضة مصر، وحان دورهم الآن للمساهمة فى إنقاذ سفينة الوطن التى تآمر عليها المتآمرون، وتكاثر عليها المارقون، فهل يقوم هؤلاء الرواد بواجبهم تجاه الوطن فى وقت محنته، وهل يستجيب الإعلام بدعوتى لإفساح المجال لهؤلاء الرواد وغيرهم من أصحاب المدارس الفكرية لأجل إنقاذ مصر من خطر المؤامرات التكفيرية والتفكيرية الرجعية، كلى أمل فى الطرفين، الإعلام والرواد، وكلى يقين فى أن الله سيصنع مصر على عينه، وسيخيب تدبير الكائدين، والله أعلم بما يوعون.
 

ا