رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بريطانيا والإسلام.. من الملك أُفّه للأمير تشارلز

مقالات الرأى

الخميس, 12 فبراير 2015 22:27
بقلم: أسامة الغزولي



اهتمام بريطانيا بالإسلام قديم، من عهدالملك أُفّه الأنجلو ساكسوني المعروف في التاريخ باسم Offa Rex وهو الذي كانت عملته الرسمية، في القرن الثامن الميلادي، دينارا ذهبيا نقش على أحد وجهيه «لا إله إلا الله وحده لا شريك له». وقد زارني صديق مصري بريطاني، قبل أيام ورحنا نتحدث عن هذا الملك القديم، عن الإسلام والبروتستانتية، وعن الحدوتة التي تقول إن ملك انجلترا هنري الثامن قبل أن يتحول ويحول معه شعبه للبروتستانتية فكر بالتحول للإسلام لكن السلطان العثماني احتقره فانصرف هنري عن تلك الفكرة. وتحدثنا أيضا عن أسقف كانتربري السابق جاستين ويلبي الذي لطالما قاوم حملة الكراهية ضد المسلمين، فصورته صحيفة بريطانية في رسم كاريكاتوري وهو يصلي مستقبلا الكعبة في مكة.

ولعلنا نذكر ما قاله المفتي السابق الشيخ علي جمعة من أن أحد أسلاف ملكة بريطانيا كان مسلما أرغم على ترك دينه. وقد سبقته جريدة الأخبار بعشرات السنين فادّعت أن «كل ملوك أوروبا» تمتد أنسابهم إلى بني هاشم. تذكرت هذا الكلام في أول زيارة لي إلى فلورنسا الإيطالية في الثمانينات عندما وجدت في صور الملوك المسلمين المعلقة في بعض المواقع ما يوحي بأن التباعد الذي كانت تفرضه المواجهات العسكرية بين المسلمين والمسيحيين في القرون الوسطى لم يكن يتجاوز ميادين القتال إلى المجتمعات المتصارعة.
ونذكر في هذا السياق حب ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز للمسلمين وغيرهم من أبناء الثقافات الأخرى ،بغض النظر عن تصريحات تشارلز الأخيرة عن المتعصبين من الشباب المسلم البريطاني (وهو يشبه ما قاله ويلبي، مرغما). وعندما قال الماسون لتشارلز في الثمانينات «لن تصبح ملكا أبدا» ظننت أن السبب هو احترامه للأعراق والثقافات غير المسيحية، بدليل ولعه بالعمارة الإسلامية ورعايته لمستشاريْه المصريين المسلمين الدكتور عبد الواحد الوكيل والمرحوم الشيخ

السير أحمد زكي بدوي. لكن تبين أن سر غضب الماسون من تشارلز هو اتهامه بالانتماء لحركة «العصر الجديد» التي ساعدت على قيامها في القرن التاسع عشر البارونة بلافاتسكي صديقة اليهودي المصري الإيطالي يعقوب صنوع وزوجته. ويرجح بعض الباحثين  أن الأفغاني كانت له علاقة مع البارونة ،حتى قبل أن يتعرف عليها صديقه صنوع.
حاورت صديقي المصري البريطاني حول كل هذه الأمور لأني فوجئت قبل أيام بتقرير في الصحف البريطانية والأمريكية عن أن بعض أقارب وينستون تشيرشل كانوا يحذرونه من التحول إلى الإسلام. فلماذا يعود الكلام عن هذا الموضوع المفتعل اليوم؟ ولماذا المبالغة في تفسير عبارة وردت في خطاب زوجة شقيق تشيرشل وهي تحذره (هو الذي لا يؤمن بأي دين)من الاستسلام للأجواء الشرقية التي انغمس فيها، بتأثير من أصدقاء الأفغاني في لندن والخرطوم، حتى لا ينزلق إلى تغيير ديانته؟ وما معنى الوقوف عند كلام قاله هو لكونستانس بلويرليتون عن مظهره الشبيه بالباشوات.
لا أستطيع أن أترك واحدة من أسرة بلوير ليتون تمر دون إشارة إلى أن بلويرليتون بصفته «السيد الكبيرGrand Patron» في جمعية الصليب الوردي أسس مع الماسون حركة أكسفورد التي جندت جمال الدين الأفغاني وحرّكته عن طريق ويلفريد بلنت الذي أخذ الأفغاني لمقابلة تشيرشل الأب في لندن لأغراض بينها المطالبة بجلاء البريطانيين عن مصر، لا لتصبح مصر حرة ولكن لتصبح «قاعدة» لحركة انشقاق عن الإمبراطورية العثمانية ثم تتولد من خلال هذه الحركة  خلافة إسلامية عربية، تكون كلها محمية بريطانية. فكرة الحماية تحققت في
مصر 1917 عندما جعلها البريطانيون سلطنة لم تصبح نواة للخلافة، بل شقت طريقها الخاص بها نحو تنفيذ أجندتها الوطنية، وعبر سعد باشا زغلول عن هذه الخصوصية عندما نأى بمصر عن الثورة العربية الكبرى، وهي الربيع العربي الأول، الذي دبرته الاستخبارات العسكرية البريطانية ولمع فيه لورانس صديق تشيرشل، وكان إنشاء خلافة هاشمية على أنقاض «الخلافة» العثمانية هو الفكرة الرئيسية فيها. أما فكرة الإقليم «القاعدة» الذي تنطلق منه حركة تنشئ الخلافة فظلت وهما معلقا في الخيال حتى تبناها بن لادن والظواهري في أفغانستان وفشلا، ومع فشلهما تبنت الولايات المتحدة مشروع العثمانية الجديدة التي تمضي في اتجاه معاكس، أي تعيد العرب للحظيرة التركية.
لكن القاعدة انتهى دورها ،فيما يبدو، بتفجير السعار الإرهابي العالمي ،ولم يكن وجودها في العالم العربي ملموسا أو مؤكدا بالنسبة لرجل الشارع. والآن ظهرت داعش التي لا يستطيع أحد إنكار وجودها، والتي تتصرف بطريقة تؤكد أنها وُلدت لتحترق سريعا. ومن يحرقها ويبيدها سيكون له رأيه في مستقبل المناطق التي تسيطر داعش عليها اليوم، بما فيها من بشر وثروات نفطية وزراعية. قال لي السير أحمد زكي بدوي في لقائنا الوحيد في هيلتون رمسيس إن العراق لن يحكمه سوى السنة. فهل ينجح الدور السني المنطلق من الأردن في إعادة العراق إلى مساره التاريخي القديم؟ لا يمكن لأحد أبدا أن يلخص تاريخ الحكم السني في العراق في الفترة الحالكة السواد التي حكم فيها البعث ذلك البلد بكل أعراقه وطوائفه. ولا يمكن لعربي، سنيا كان أو شيعيا أن يتمنى عودة ذلك النظام الذي يقال إن جنرالاته يلعبون دورا بارزا في نظام الإرهاب الداعشي اليوم. 
يبدو لي أن كلام الصحف البريطانية والأمريكية عن تشيرشل وبلنت والأفغاني والتذكير بمشروعات الخلافة هو تجديد لأحلام قديمة. وكان يمكن للإخوان في مصر وسوريا أن يكونوا هم ورثة داعش، وأن يحققوا للغرب أحلامه القديمة بالخلافة التي ترضيه بأن تبقي الغرب في ظلمات القرون الوسطى وتخضعهم للأهواء والمصالح الأطلسية ،لكن السيسي أحرق ورقة الإخوان، وفتح الباب أمام مختلف أشكال التعاون مع مختلف القوى الدولية حتى لا يضع المنطقة في جيب الغرب. احتراق الإخوان في مصر ضربة قاصمة لأحلام الغرب في عالم إسلامي يرسمه الغربيون على هواهم.

ا