رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التفسير التاريخي للربيع العربي

مقالات الرأى

الأربعاء, 10 أغسطس 2011 10:40
بقلم: طارق حجي

عرف المسلمون ازدهاراً معرفياً كبيرا خلال القرون الأربعة التي تلت القرن السابع الميلادي. حيث ترجمت مئات الكتب اليونانية القديمة سيما في مجال العلوم والمنطق والفلسفة. وأنتج هذا الحراك المعرفي احتشاد المجتمعات الناطقة بالعربية بعشرات المدارس الفكرية والقراءات المختلفة للإسلام،

كما أنتج حراكاً في عدد من مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات. إلا أن الحياة الفكرية كانت تشهد صراعا بين تيار محافظ كان يعلي من قيمة النص ويجل فهم السلف بل يصبغ علي هذا السلف، وقد جسد هذا التيار الفقهاء السنيون الذين جاءوا من بعد أبي حنيفة النعمان، وكان كل واحد من الفقهاء الكبار أشد محافظة من سلفه. أما المفكرون الذين أولوا عناية كبيرة للفلسفة والمنطق فقد كانوا أكثر تحررا «عقلياً». وكان من أعلامهم مفكرو المعتزلة وابن سينا والفارابي ثم قمة العقلانية في هذا الزمان ابن رشد الأندلسي. وإذا كانت القرون الثلاثة من بداية القرن التاسع الميلادي قد شهدت حربا بين مدرسة المحافظين «أهل النص والنقل» وأصحاب العقول الأكثر تحرراً «أهل المنطق والفلسفة والعقل»، فإن القرنين الحادي عشر والثاني عشر «الميلاديين» قد شهدا انتصارا شبه كلي للمحافظين. وتجسد هذا الانتصار في ميل السلطة السياسيةلجانب مدرسة المحافظين وما صاحب ذلك من هجوم شديد علي مدرسة العقل والتي كانت بشكل من الأشكال مستمدة من روح الفلسفة اليونانية. وترجمت هذا الانتصار الكامل «لأهل النقل علي أهل العقل» عشرات الفتاوي التي كان جوهرها أن من تمنطق فقد تزندق. ولعل أهم فتاوي هذا الاتجاه العارم فتوي الشرذوري «في القرن الثاني عشر الميلادي» وهي الفتوي التي قامت بتحريم الاشتغال بالمنطق بل وبأن من يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان. في تلك الآونة بلغ انتصار مدرسة النقل علي مدرسة العقل ذروته في قيام فقهاء مسلمين بتكفير أعلام مثل

الفارابي وابن سينا وابن رشد، وهو توجه شاركت فيه السلطة السياسية مشاركة عبرت عنها أمور كثيرة مثل مناصرة المعتصم للحنابلة وتمكينه لهم من خصومهم الحنابلة، والذي وصل لحد ذبح الحنابلة لمعتزلة في أزقة دمشق، وواقعة إحراق مؤلفات ابن رشد في قرطبة بأمر وتحت نظر الحاكم!

ومع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي كانت مدرسة العقل قد تلقت ضربات قاتلة مما أدي إلي دخول المجتمعات الناطقة بالعربية للقرن السادس عشر وهي بلا عقل نقدي بشكل شبه مطلق واكتفاء علماء هذه الشعوب بمهمة واحدة هي مهمة الشرح علي المتون. وهي ما يمكن أن نصفه ببداية دخول هذه المجتمعات لقرون من السبات العقلي كان من المنطقي أن تقع أثناءها عملية استعمار الأوروبيين لهذه المجتمعات الغارقة في السبات العقلي العميق.

وفي ذات الوقت الذي كان فيه المحافظون «النقليون» يرسخون انتصارهم علي أهل العقل، فقد كانت شعوب أوروبا تشهد عملية «جدلية» مضادة جوهرها تمكن أهل العقل الحر من إنهاء هيمنة وسيطرة المحافظين علي مقادير المجتمعات الأوروبية. وبإنتصار مدرسة العقل الحر في أوروبا كان من الطبيعي أن يؤدي المناخ العام المتحرر لنهضة علمية في مجالات شتي تؤدي لأمور مثل اكتشاف البارود والذي أدي لانتصار الأوروبيين علي غيرهم بما في ذلك الشعوب الناطقة باللغة العربية. وهو ما يسر للأوروبيين أن يستعمروا الشعوب الناطقة بالعربية.

وهكذا فإنه يمكن القول بأن الاستعمار لم يكن بداية تراجعنا، وإنما كان الاستعمار نتيجة طبيعية للعملية الجدلية التي كانت تقع عندنا وعندهم «أي عند الأوروبيين». وعليه، فإن القول

بأننا كنا متخلفين لأننا كنا مستعمرين «بفتح الميم الثانية» وهو قول مضحود، فالصواب هو أننا صرنا مستعمرين «بفتح الميم الثانية» لأننا كنا متخلفين، وقد كنا متخلفين بسبب انتصار مدرسة المحافظين علي مدرسة العقل والتفلسف والتمنطق في حياتنا المعرفية.

وبعد حقبة الاستعمار جاء الاستقلال، ولما كان الاستلال لم يتحقق نتيجة لحراك معرفي وعقلي وثقافي وإنما لحراك سياسي ووطني، فقد أعقب الاستقلال أيلولة الأمور في المجتمعات الناطقة بالعربية إما لنظم ملكية قرو-سطية «تعد امتددا لنظام القبلية العربية» أو لجمهوريات سيطر فيها علي الحكم ضباط كانوا غاية في ضحالة التعليم وانعدام التكوين الثقافي ربما يندر وجود نظير  لهم في ضآلة وضحالة التعليم وانعدام التكوين الثقافي مع اتسام بعضهم بفساد مهول.

وبعد نصف قرن «تقريباً» من استقلال الشعوب الناطقة بالعربية جاءت المفاجأة الكبري وهي اندلاع الثورة لتلك النظم التي آلت إليها مقاليد أمور المجتمعات الناطقة بالعربية في مرحلة ما بعد الاستقلال من جهة لم تكن تخطر علي بال أحد. فالثورة التي توقع كثيرون أن تجئ إما من معدومي العشوائيات أو ممن سيطرت الأصولية الإسلامية علي عقولهم، فاجأت الدنيا كلها بمجيئها علي يد أبناء وبنات الطبقة الوسطي من المتعلمين الذين أتاحت لهم تكنولوجيا العصر «وبالتحديد: وسائط تكنولوجيا المعلومات والاتصالات» أن يعرفوا معني المواطنة وأن يدركوا مسئوليات الحكام في المجتمعات المعاصرة.

وبينما يمكن القول بأن هناك خلاصاً للنظم الملكية العربية يتمثل في تحولها بملكيات دستورية، فإن الجمهوريات العربية لا يوجد لها خلاص إلا بما عبر عنها الهتاف الجماهيري الرائع «الشعب يريد إسقاط النظام».

فقيادات الجمهوريات العربية، ومن اللازم ان تحاكم وتحاسب تلك القيادات المخربة والفاسدة لتكون عبرة للحكام القادمين. ومن غرائب الأمور في المجتمعات العربية ان من كانوا يطلق عليهم شيوخ النفط إنما كانوا أكثر تعقلاً «نسبياً» في سائر الأمور من عساكر النفط «ليبيا والعراق والجزائر مثلا» والذين فاقت جرائمهم بوجه عام ولصوصيتهم بوجه خاص ما تعجز العقول عن تخيله.

ان ما حدث في تونس ومصر ثم ما يحدث الآن في العديد من البلدان الناطقة بالعربية لا يمكن فهمه بشكل صحيح إلا من خلال تلك النظرة التاريخية ـ الجدلية التي وصفتها في هذا المقال للحالة العقلية للمجتمعات الناطقة بالعربية خلال القرون الأربعة عشر الماضية.