رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كلمات الطغاة

مقالات الرأى

الأربعاء, 10 أغسطس 2011 10:16
بقلم - حمزة قناوى

يذكر التاريخ الطغاة بكلماتهم، فلا شىء آخر يذكره لهم أوضح منها، وأكثر دلالة على سيرتهم ومسيرتهم، فأعمال القادة والحكام الصالحين ـ وهم ندرة ـ تتحدث عنهم وتؤرخ لهم،وتصير بمثابة سجل يحفظ ذكراهم لدى الأجيال المتعاقبة.

 

بينما كنت أتابع كملايين المصريين محاكمة الرئيس حسنى مبارك، عدت بذهنى الى البدايات، الى بداية اندلاع الاحتجاجات والاحتشاد من اجل تجميع الثورة.. أتذكر ما قاله آنذاك من انه «طلب من وزارة الداخلية التعامل مع الاحتجاجات وتفريق الحشود التى تقوم بالشغب»، هذه كانت رؤية وردة فعل رئيس دولة المفترض انه مؤتمن على شعبه عندما علم بغليان الجماهير وتحاشد الشباب للاعتصام.. وطبعاً معنى ان يطلب من الداخلية التعامل مع الأمر أى انه يعطى وزارة الداخلية الضوء الأخضر من اجل القيام باستخدام العنف مع المتظاهرين ـ فوزارة الداخلية فى مصر لا تفهم سوى الحل الأمنى أو بالأحرى القمع البوليسى. وبناء على طلب الرئيس سمعت بأذنى كملايين المصريين وزير الداخلية المقال حبيب العادلى يقول ويصرح للإذاعة عند بدء ثورة «25 يناير» عن المتظاهرين يوم الجمعة بأنهم «شوية عيال وهنلمهم بخراطيم الميه».. كنت أسترجع العبارة بينما أرى نظرات الخزى فى عينى وزير الداخلية فى القفص، وقد بدا عليه الاضطراب والقلق،وبعد ما بين سير التحقيقات انه  حاول إلقاء مسئولية

ضرب المتظاهرين بالرصاص الحى على الرئيس المخلوع، بينما نفى الرئيس المخلوع ذلك وحمل العادلى المسئولية وحده..بين الطرفين.. يقف «شوية العيال» الذين أكد العادلى انه سيلمهم بخراطيم المياه.. يشاهدون مصادر من يستخفون بأبناء شعبهم.. خاصة ان كان هذا الشعب مصرياً..

أتذكر كلمات الطرفين.. على الشاكلة نفسها سار الطغاة المماثلون.. بن على الذى نعت الشباب التونسى بأنهم «مجموعة من المخربين يقومون بأعمال الشغب والسلب والنهب» عندما اندلعت الثورة التونسية، وبعد ما فر يلاحقه الخزى، اتضح جلياً للشعب انه وحده الناهب السارق.. قبله كان تشاوشيسكو يطلق على نفسه اسم «دانوب الفكر» نسبة الى نهر الدانوب العظيم،ويرى انه فى طريقه لبناء «رمانيا الفاضلة.. الثرية.. القوية» بينما شعبه يرزح فى الجوع،وحتى وصل به الحال الى بيع جثث الموتى من مشارح مستشفيات رومانيا ليسدد ديون بلاده.. الى ان انتهى به المطاف وقد أعدمه شعبه بالرصاص هو وزوجته.. ومازال الناس لليوم يتذكرون «دانوب الفكر» وجنون العظمة الذى سيطر عليه حتى انه قتل «10» آلاف محتج فى يوم واحد من أيام الثورة الرومانية عليه.

ومن يفتش فى تواريخ الطغاة فلن

يجد سوى كلماتهم.. وهى دوماً تسير عكس الاتجاه.. اتجاه الناس.. واتجاه حرياتهم وكرامتهم وأحلامهم..

لا يبقى من الطغاة سوى كلماتهم..والآن.. وبينما مصر تنتظر حكم القضاء النزيه الذى سيصدر بحق حسنى مبارك وحبيب العادلى، ترسخ فى الذاكرة كلما ترددها كلاهما يوماً.. ويوم سألت مراسلة أجنبية حسنى مبارك عن رأيه فى د. محمد البرادعى وانه قد يكون مستقبل مصر ومخلصها من مشكلاتها رد عليها «مصر لا تحتاج الى مخلصين ولا أبطال».. وعندما زورت انتخابات مجلس الشعب 2005 وقررت الكثير من الوجوه السياسية المصرية انشاء «حكومة ظل» ـ وهى حكومات قادرة على الاطاحة بنظم فى أوروبا وإرغام حكومات حقيقية على الاستقالة.. قال مبارك معلقاً على اصحاب هذه الحكومة: «خليهم يتسلوا»! ترى من الآن يتسلى بالمشاهدة؟ ومن يذكر هذه الكلمات؟

إن النهج الذى أبداه مبارك فى التعامل مع الثورة منذ اليوم الأول لاندلاعها، يؤكد أنه لم يقدر شباب شعبه يوماً وتعامل معه بخفة واستهتار من خلال منطق الهراوة والرصاصة والترهيب، حتى أورثته  هذه المنهجية ما آل اليه فى النهاية، وكذلك وزير داخليته الذى نعت الشهداء والثوار «بشوية العيال».. فكان أن وضعه هؤلاء «العيال» فى قفص لم تكن أقصى السيناريوهات الخيالية تتصور مثوله وراءه يوماً.. وفي أكاديمية الشرطة!

أتذكر هذين النموذجين، وفى ذهنى نموذج ثالث صارخ لرئيس يصف شعبه الثائر «بالجراثيم» بينما تهدر دماؤهم الزكية فى شوارع سوريا يوماً بعد يوم فى مواكب الشهداء، أطفالاً ونساء قبل الشباب والشيوخ.. ان من يحتقرون شعوبهم ويصفونهم بالجراثيم ليسوا سوى جراثيم..

والذين يستصرخون دماء شعوبهم ستدور عليهم الدوائر غداً ويمثلون خلف قضبان سميكة ليصيروا أمثلة للعالم ومدعاة لشفقته واحتقاره.