رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دعوة للدخول فى النادى الإنسانى

مقالات الرأى

الاثنين, 02 فبراير 2015 21:24
مجدى خليل


المشاركة فى القيم أهم من المشاركة فى الدم

أحدث السيد المسيح له المجد بالحب والتضحية ثورة فى القيم لم تعرفها البشرية من قبل، بعيداً عن التحيز الناتج عن قرابة الدم وعن العرق واللون والجنس والدين والمذهب والنوع والشكل والغنى والفقر والوضع الوظيفى والاجتماعى، وطارحاً العداوة بين البشر.
ومن هذه القيم الرفيعة أن يسوع المسيح عرف القريب بشكل مختلف تماماً وصادم للفكر البشرى وللفكر اليهودى الذى كان سائداً فى وقته، مؤسساً بذلك ما يمكن تسميته بـ «النادى الإنسانى»، وكان ذلك عندما جاءه واحد من الناموسيين ،الذين يحفظون التوراة، وأراد أن يختبره لعله يسقط يسوع فى نقد التوراة أو الناموس، فكانت هذه القصة كما جاءت فى إنجيل لوقا الإصحاح العاشر:
(وإذا ناموسي قام يجربه قائلًا يا معلم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية. فقال له ما هو مكتوب في الناموس كيف تقرأ. فأجاب وقال تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك وقريبك مثل نفسك. فقال له بالصواب أجبت افعل هذا فتحيا. وأما هو فإذ أراد أن يبرر نفسه قال ليسوع ومن هو قريبي؟
فأجاب يسوع وقال إنسان كان نازلًا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فعروه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت. فعرض أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابله. وكذلك لاوي أيضًا إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله. ولكن سامريًا مسافرًا جاء إليه ولما رآه تحنن. فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتًا وخمرًا واركبه على دابته وآتى به إلى فندق واعتنى به. وفي الغد لما مضى اخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك. فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟. فقال الذي صنع معه الرحمة فقال له يسوع اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا).
التفسير المسيحى لهذه القصة والتفسير الإنسانى يصبان فى اتجاه واحد وهو أن السيد المسيح جاء ليغير طبيعة الإنسان،  ليعيد ميلاد الإنسان من جديد، من وضع الموت إلى وضع الحياة، ومن الخطية إلى البر، ومن العصبية الضيقة إلى الإنسانية الأوسع والأرحب. المسيح أسس نادياً إنسانياً عضويته اختيارية لمن يرغب فى دخوله، ولكن بشرط واحد أن يؤمن بقيم هذا النادى الإنسانى الرفيعة الراقية، وقيم هذا النادى

الإنسانى تتمثل فى درته الفريدة وهى «الموعظة على الجبل»، التى استقت معظم  مواثيق حقوق الإنسان جزءاً يسيراً منها ولم تصل إليها بعد.
عندما طرح السيد المسيح مثل «السامرى الصالح» اختار معانيه بدقة، فاورشليم هى مدينة السلام، مدينة الله، وأريحا هى مدينة الموت، فأريحا مدينة اللعنة (يش 26:6)، وترمز للأرض الملعونة بسبب الخطية (تك17:3)، ومن ينحدر من مدينة السلام إلى مدينة اللعنة لابد أن يواجه متاعب كثيرة فى الطريق، فقد كان الطريق بينهما خطرا قفرا موحشا يشق الصحراء لمسافة 18 ميلاً، ومن كثرة اللصوص والمخاطر فى هذا الطريق أطلق عليه وقتها «طريق الدم». عندما مر اليهودى بهذا الطريق وتركه اللصوص بين الحياة والموت، مر عليه اثنان من أهله وعشيرته وهما كاهن الشريعة اليهودى ولاوى الناموس اليهودى أيضاً، ولكنهما لم يقدما له شيئا خوفا من اللصوص، فالشريعة تدين والناموس يشخص حالة الإنسان ولكن كليهما لا يستطيع تقديم الخلاص للإنسان، وكان الخلاص على يد السامرى المنبوذ والمحتقر من اليهود والذى يصنف عدواً فى اليهودية، هذا السامرى جاء لخلاص كل إنسان، لا يهمه إن كان يحبه أو يعاديه، لا يهمه لونه أو جنسه أو عرقه.. كل ما يهمه إنه إنسان. هذا السامرى الصالح هو السيد المسيح المحتقر والمرفوض من خاصته رغم أنه لم يكن سامرياً بالميلاد، ولكن شعبه رفضه واحتقره وصلبه فى النهاية.
خلاصة كلام السيد المسيح فى هذا المثل، لكى تكون عضواً فى النادى الإنسانى عليك أن تفعل الخير للجميع، أن تعتبر جميع أفراد الإنسانية أقرباءك، حتى هؤلاء الذين يكرهونك ويعادونك عليك أن تعتبرهم أقرباءك وتفعل معهم الخير. ولهذا تسمى عشرات المستشفيات فى أمريكا باسم «السامرى الصالح» GOOD SAMARITAN HOSPITAL، فهذه المستشفيات لو حضر إليها أسامة بن لادن أو أيمن الظواهرى أو أبوبكر البغدادى مصاباً ستعالجه بصرف النظر عن أى شىء، هى لا تنظر إلا إلى احتياجات المريض وليس لها علاقة بأى مسائل أخرى، وهكذا المسيح جاء لخلاص جنس البشر كله من آدم إلى
يوم الدينونة العظيم.
عندما سأل هذا الفريسى السيد المسيح ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية كانت الأجابة واضحة: أن تسير فى طريق السامرى الصالح، طريق الحب والمغفرة والتضحية والعطاء والخير للجميع، ألم يقل السيد المسيح: «أنا هو الطريق والحق والحياة».
النادى الإنسانى مؤسسه هو شخص واحد وهو السيد المسيح له كل المجد، ورئيسه أيضاً هو شخص السيد المسيح له المجد، وهذا النادى مفتوح لكل البشرية بشرط الإيمان بالقيم التى وضعها رئيس النادى فى موعظته على الجبل. وليس معنى هذا أن كل مسيحى هو عضو فى هذا النادى، ولكن فقط من يؤمن بقيمه ويسير على خطى مسيحه.
ويبقى السؤال إذا كان هذا النادى مفتوحاً لجميع البشر من جميع الأجناس ومن كل الأمم كما تقول، فمن يقدر على تنفيذ تعاليمه المتمثلة فى «أحبوا أعداءكم، باركو لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم........؟».. الإجابة أن من يستطيع تنفيذ هذه التعاليم السامية لابد أن يكون مسيحا آخر، أى يلبس المسيح داخله، أى يعيش المسيح فى أعماقه،لأنه قال لتابعيه: «بدونى لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً»، وقال عنه بولس الرسول: «أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى».. ولكن المسيح يعاتب خاصته بأنهم لم يطلبوا شيئاً باسمه حتى الآن، وقال لهم «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وكل هذا يزاد لكم»، أى اطلبوا المسيح أن يعيش فيكم وكل شىء سيكون سهلا بعد ذلك، وكرر نفس المعنى وقال: «اسألوا تعطوا.. اطلبوا تجدوا.. اقرعوا يفتح لكم».. فأنا موجود أمس واليوم وإلى الأبد ولكنكم لم تطلبونى.
القرابة ليست هى المشاركة فى الدم، ولكن القرابة الحقيقية أن تعيش قيم هذا  النادى الإنسانى التى تجعلك تنظر لكل محتاج على أنه قريبك، أى إنسان محتاج إلى لمسة شفاء وحنو، أى شخص محتاج إلى أن تعيد له الكرامة، أى إنسان مهان ومسلوبة حقوقه، أى شخص يحتاج إلى أى مساعدة من أى نوع.. هذا هو قريبك الذى يحتاج إلى أن تمد اليه يد العون، حتى الحيوان تتعامل معه برأفة وحب ورفق.
يروى المطران بشارة وردة، رئيس أساقفة أربيل، أن الأم تريزا طلبتَ لقاء البابا يوحنا بولس الثاني فأُعطيَّ لها موعدٌ للقائه. وبينما هي متوجهةٌ نحو مكان اللقاء، رأت مُشرداً على الطريق فنزلت وعاملتهُ بالرحمة، وهذا يعني أنها تأخرّت على الموعد. فعندما وصلت مكتب البابا، قالوا لها: كيف تتأخرين على موعد مهم كهذا؟.. فأجابت التقيتُ المسيح في الطريق، وهذا الذي أخرّني عن لقاء خادمه على الأرض.
فالقريبُ هو إنسان أصلُ إليه، لأنه سيُوصلني بالله، أو بالأحرى يجعلني قريباً على فكرِ الله، الله الذي يُفكّر دوماً بفقرائهِ وباحتياجاتهم. هذا الفقير سيمنحنا فرصة أن نكون له مسيحاً آخر.
فى النادى الإنسانى الذى أسسه السيد المسيح الشراكة فى القيم أهم من الشراكة فى الدم، باختصار أنت فى هذا النادى تشارك المسيح قيمه وتعاليمه السامية،أى تكون مسيحاً جديداً لكل المحتاجين والمعوزين والمضطهدين والمرضى والمتألمين.
ما أروع هذا النادى.

 

ا