رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لحظات حرجة فى نُظم الحكم الثورى

مقالات الرأى

الخميس, 29 يناير 2015 17:49
ميراندا موسي

إن جوهر الحكم هو القوة، فالحكم هو اضطلاع في تنفيذ القرارات والإجراءات، وهناك مبدآن أساسيان للمحافظة علي السلطة، إما اعتماد السلطة علي إجراءات القمع والإرهاب أو علي سياسة البناء والإصلاح،

ويتجسد هذان القولان في شكلين متناقضين، فالأول يمثل نظاماً ظالماً وحكماً مستبداً يفرض نفسه علي الشعب عنوة ويرسم للموطنين ما عليهم أن يسلكوه وينجزوه، دون أن يري منهم أي مشورة، أما القول الثاني فيمثل نظاماً شعبياً وحكماً مقبولاً دون اشتراط الشكل الديمقراطي له ويستمد قوته في التنفيذ من رضا الأمة وتأييد المواطنين له.
ولكننا لا نجد علي مر التاريخ نظاماً التزم حرفياً بواحد منها واتخذه سنة له وهداية دون الخروج عنه، ولذا أولي المهام التي تواجهها أنظمة الحكم الثورية هي انتقاء مسلك معقول لا إفراط فيه ولا تفريط، فالثورة التي لا تطمح في أن تكون مجرد نظام حكم ديكتاتوري ساذج والتي لابد لكي تطمح في البقاء أن يكون لديها هدفان أساسيان هما:
أولاً: إن من واجبها إيجاد الحلول لكل المشاكل السياسية والمعضلات الاجتماعية الملحة التي اقتضت قيام الثورة نفسها وجعلت نجاحها ممكناً، وبتلك الطريقة يمكنها إزالة آثار نظام الحكم السابق الذي أخفق في العلاج.
والثاني: هو قدرتها علي تطوير نظام دستوري جديد يخلد منجزاتها ويحافظ علي مكتسباتها دون خوف من ردة أو خشية عودة سيئات الماضي وآثامه.
وحين تتوفر هذه الغايات ضمن الأهداف الأصلية للثورة فإن النظام الثوري لن يجد نفسه مضطراً للاعتماد علي القمع والإرهاب لبقائه، إذا ما تبني وسائل الإصلاح وسياسة البناء قدر المستطاع.
إن من ضمن وسائل المحافظة علي السلطة وبقائها هو أن كافة الإجراءات الحكومية ومنجزاتها تؤثر علي «قاعدة الحكم» التي تتخذها أساساً لها، وقاعدة الحكم تعني «مدي قدرة الحكومة علي الصمود في وجه المعارضة وكبح لجامها»، أي تعني مدي رضا الشعب بالحكومة وتأييده لها دون اللجوء للقمع والإرهاب، فقبول الشعب يتمثل ويتجسد في قاعدة الإصلاح، وبناء عليه تحدد سياسة الحكومة مدي حاجتها لاستعمال وسائل الشدة بالزيادة أو النقصان، فالإجراءات الحكومية لها تأثيرها المباشر علي قاعدة الحكم التي هدفها أولاً المحافظة علي السلطة وضمان استمرارها، وأهم تلك الإجراءات المباشرة التي تعطي الأولوية لحاجات الشعب الملحة لإنشاء قاعدة متينة لها، ويعتمد ذلك علي «بُعد النظر» للقائد

واتساع أفقه وقدرته علي الأخذ بزمام الأمور، وألا ينجرف لـ «شهوة الحكم» بمجرد التأييد الشعبي، الآن بذلك سيجعله ينجرف للدخول في صراع مع المعارضة، وتلك هي بادرة الخطر وترمز لانهيار قاعدة الحكم.
إن عبقرية زعماء الثورة تعتمد علي الدقة المتوخاة في تقرير سياسة الحكم حسب حاجات الشعب وأهداف الثورة، فالشعب يبقي دائماً مصدر الدعم الرئيسي للثورة، لذا الاحتفاظ بالسلطة يعتمد علي سياسة الإصلاح والبناء بتخطيط متطور للحكومة، وأن تكون الحكومة مؤهلة لاكتشاف المصاعب التي تواجهها وإلا تجد نفسها مضطرة للانجراف لسياسة الانحراف والمساومات، ثم القمع والإرهاب، فالحكومة الثورية ستواجه في المرحلة الأولي أولئك الذين تعارضت مصالحهم الضخمة في النظام السابق، وكذا السياسيون الانتهازيون الذين يحاولون الاستفادة باستمرار الاتجاه الطبيعي نحو الاضطراب وعدم الاستقرار الكامن في الوضع الثوري المستمر، وأيضاً السياسيون الهدامون الذين يحاولون سرقة الثورة وتسخيرها لأهدافهم ومآربهم لارتباطهم بعناصر خارجة قادرة علي إثارة الهياج والمظاهرات، فتحاول تخريب برامج الحكومة الثورية، مما يضعف من قدرة الحكومة فتلجأ لسياسة القمع والإرهاب.
ولا ينبغي أن تبدأ بالإصلاح والبناء ثم تلجأ للإرهاب والقمع ثم تتحول لسياسة الانحراف والمساومة التي هي جرثومة في جسد الثورة حليفة الثورة المضادة، لكن لابد أن تعتمد التشريعات ما يحقق الاستقرار السياسي.
ويعتمد ذلك علي مدي تحديد المهام من قوي الأمن الداخلي وواجبات وحقوق المواطنين ومراعاة خطورة دور أجهزة المخابرات ووسائل الإعلام وتأييد الجيش لها، تلك الأمور هي لحظات حرجة تؤثر في إنجاح أي نظام حكم ثوري جديد.